ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة
خلال نضالاتها المستمرة، استطاعت حركات التحرر الوطنية أن تعي أهمية الإعلام في حروبها ضد الغزاة، فصار الإعلام جزءاً لا يتجزأ من العمل النضالي، إذ رأت أن دوره لا يقتصر على نقل أخبار الجبهات، مجرَّداً من أي تأثير في الوعي الجمعي وبناء منظومة إعلامية نضالية، تسهم بدورها في إبقاء المجتمع متماسكاً حول سرديتها النضالية القادرة على مواجهة سردية العدو، ومحمياً من تثبيط معنوياته، وتوثيق الوقائع وحمايتها من أن تتلاعب بها يد الأعداء لتزييفها، كما وللدفاع عن حقها المشروع في المقاومة والنضال.
هذه الجبهة هي خاصرة المقاومة في لبنان الرخوة اليوم، ويمكن فهمها إذا ما أخذنا في الحسبان الحرب الإعلامية الشرسة التي تخاض ضدها وتزايد حدّتها، في مقابل جبهة إعلامية «صديقة» لم تعِ دورها حتى هذه اللحظة تجاه شعبها المثقل بحرب إبادة ممنهجة تخاض ضده. وهذا ما أثاره أخيراً بيان العلاقات الإعلامية في حزب الله، الذي أكد عدم تبنّي الحزب أي معلومات أو مواقف تصدر عن إعلاميين أو سياسيين أو ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. فالبيان كشف عن مشكلة تتعلق بأشخاص يتحدثون باسم المقاومة من دون تفويض، وخلف هذا المشهد، عن خلل أوسع في البيئة الإعلامية نفسها. إذ لا يحتاج الأمر إلى كثير من البحث، ليجد المشاهد نفسه أمام منصات لا تُعدّ ولا تُحصى تقدم بعض الأشخاص -جحافاً- للجمهور باعتبارهم «خبراء» و«متخصصين» في الشأن كيت وكيت، بالإضافة إلى كونهم مقرّبين من المقاومة أو مطّلعين على قراراتها.
ازداد هذا المشهد رسوخاً في المشهد الإعلامي اللبناني بعد تحول أساسي بين ما قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024 وما بعدها، لا بدّ من الإشارة إليه قبل كل سبب آخر، لأهميته، وهو غياب الصوت الرئيسي للمقاومة، وعرّاب جبهاتها، ومنها الإعلامية، السيد حسن نصرالله. ولإيضاح الدور الذي كان يؤديه السيد نصرالله في هذا الميدان، يشير عامر محسن، في إحدى مقالاته، إلى قدرة السيد على مخاطبة جمهوره، من حيث تقديم المعلومات ووضع الأحداث في سياقها وتحويل الخطاب السياسي إلى عملية تثقيف مستمرة، ما خلق حوله جبهة شعبية هي الأكثر وعياً سياسياً بين كل البيئات المحيطة بها.
وتستحقّ الوظيفة الاتصالية في هذه التجربة التوقف عندها، إذ كان السيد شخصية قادرة على تحويل الأحداث المتسارعة إلى سردية متماسكة يستطيع الجمهور، على مختلف مشاربه وانتماءاته وأعماره ومستويات ثقافته، فهمها، وعلى منحه إطاراً يقرأ عبره الأحداث المختلفة بطريقة مقنعة ومبسطة. مع غياب هذا الصوت، وفي ظل الظروف التي حالت دون أن يتولى الشيخ نعيم قاسم مهمة البيان والتبيين بالمستوى الإعلامي نفسه للسيد الشهيد، نشأ فراغ في مساحة شديدة الحساسية، هي المساحة الإعلامية.
فالمقاومة التي تخوض اليوم حرباً وجودية، لم تواكبها جبهة إعلامية في هذه المواجهة بالمستوى نفسه. إذ ضعيفة هي الجبهة الإعلامية المقاوِمة في مواجهة الخطاب الإعلامي المتموّل والمستشرس في مواجهته للمقاومة وأهلها، وكثيرة هي أصوات النشاز في الجبهة «الصديقة» نفسها، حيث ضرّها أكبر من نفعها. وقليلة هي المنصات الإعلامية التي تشرح للناس، بموضوعية وصدق، ما يحدث، وتظهر ما تفعله المقاومة، وتفكك الرواية المضادة، وتحمي المجتمع من الإشاعة والهلع، وتسهم في رفع قدرته على الصمود.
فالحرب، وما تلاها من وقف لإطلاق النار حيث تقلّصت الأخبار التي ينشرها «الإعلام الحربي»، فرضا استراتيجية إعلامية مختلفة، قلّ فيها الحديث عن «إنجازات» المقاومة وتحليل موادها البصرية، فيما كانت منصات جديدة تتوسع بسرعة، مدفوعة بالانتشار الكبير للمحتوى الرقمي وبالعائدات التي يمكن تحقيقها من المشاهدات.
وهكذا، تحول جزء كبير من الإعلام اللبناني إلى بازار تتنافس فيه الأصوات أيّها يعلو أكثر، والمنصات على تحصيل عدد أكبر المشاهدات، والمتحدثون على جذب الجمهور لتحقيق شهرة هنا ومالٍ هناك، والمؤسسات على قياس نجاحها بالأرقام، فيما أصبحت الإثارة هي القيمة المبتغاة لتحقيق عوائد اقتصادية أكبر.
لكن لماذا يحدث ذلك؟
لأن الإعلام اللبناني، في جزء كبير منه، دخل منذ سنوات في منطق السوق. من جهة أعداء المقاومة، لم يبقَ خافياً على أحد أن كثيراً منهم متموّلون من دول وجهات خارجية وداخلية لتنفيذ أجنداتها السياسية، وعلى رأسها مهاجمة المقاومة وبيئتها. والأمر لا يقل سوءاً إذا ما تحدثنا عن بعض المنصات والإعلاميين و«النخب» في الجبهة الإعلامية «الصديقة».
فقد تكرست المشكلة بشكل أكبر حين ربطت المنصات الإعلامية عدد المشاهدات وما ينتج منها من عائدات مالية بهوية ضيوفها، حتى لو لم يكن لديهم محتوى قيّم يقدمونه للجمهور، ولا معلومات صحيحة يبنى عليها يرتكزون إليها في تحليلاتهم، لا شيء سوى الادعاءات أو الصراخ والاستفزاز أو تسطير «بطولات» و«انتصارات وهمية» على خصم سياسي، أمام جمهور يعيش نكسةَ ما عدّه البعض «هزيمة» نتيجة الحرب، ولو لم تتضح نتائجها إلى الآن، ما يجعل جزءاً منه يشعر بـ«السيطرة»، ولو لوقت قصير، على واقع مرير وأحداث متسارعة بشكل هستيري.
أما غالبية المنصات اليوم، فلم تعد تحتاج إلى استقبال ضيف متخصص أو عالم أو صاحب اختصاص، بل يكفيها أن يكون ضيفها «مؤثراً» يستطيع جعل الناس يتوقفون أمام الشاشة للمشاهدة، وإبداء أي تفاعل، ولو كان سلبياً.
نصل الآن إلى أزمة النخب نفسها. إذ إن جزءاً من النخب الثقافية والسياسية والأكاديمية حُيّد عن المشهد لأسباب تتعلق بموقف سياسي أو «تأثيري»، وجزء آخر حاد عنه بإرادته، ولا سيما بعدما سادت «الروح الانهزامية» بعض الأوساط الثقافية نتيجةً للحرب، وجزء ثالث لم ينجح في تحويل معرفته إلى خطاب قادر على الوصول إلى الجمهور. ولذلك أسبابه.
فالباحث أو الأكاديمي يحتاج إلى وقت لجمع المعلومات وقراءة المصادر ومقارنتها، وبناء الفرضيات واختبارها قبل الوصول إلى نتيجة. وقد يحتاج إعداد دراسة جادة إلى أسابيع أو أشهر، بينما تحتاج الشاشة والمنصة الرقمية إلى رأي جديد كل يوم، وأحياناً كل ساعة.
كما أن الوصول إلى المعلومات في الملفات السياسية والأمنية الحساسة بات أكثر صعوبة، ولا سيما منذ حرب عام 2024 وما نتج منها. وتقلُّص إمكانية الوصول إلى أصحاب القرار والمصادر المباشرة يفرض على الباحث هامشاً أكبر من التحفظ، في الوقت الذي يكافئ فيه الإعلام المتحدث الذي لا يتردد في إطلاق ما يحلو له من كلام غير مبنيّ على أُسس معرفية أو معلوماتية أو منطقية.
وهكذا يتم تسويق الجهل، بتواطؤ خفي بين «المؤثر» نفسه والمنصة. يلخص الباحث عدي الأعسم في كتابه «الجهلة يقودون الأذكياء» هذه الأزمة بشرحه لتأثير دانينغ–كروغر، حيث قد يبالغ محدودو المعرفة في تقدير قدراتهم، فيما يميل أصحاب الكفاءة إلى التقليل من شأنها، وهذا ما نراه بوضوح في المشهد الإعلامي اللبناني.
وهكذا، متى ما حاد، أو حُيّد، أصحاب المعرفة من المجال العام، فسيملؤه أصحاب الجرأة على التفوه بأيّ كلام.
لذلك، إن النخب الثقافية والإعلامية نفسها مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تؤدي مسؤولياتها تجاه شعبها ومقاومتها، عبر مراجعة الطريقة التي تقدم بها معرفتها. فلقد تغيرت عادات استهلاك المعلومات، إذ إن جزءاً كبيراً من الجمهور يريد المعلومة في وقت قصير، ويفضل الفيديو أو المقطع المختصر على الدراسة الطويلة، والمعرفة التي لا تستطيع الوصول إليه بالشكل الذي يستهلك فيه المعلومات في مثل هذا الزمان السريع والضاغط الذي نحن فيه، مهما كانت أهميتها، ستبقى محصورة داخل دائرة ضيقة من هاوي قراءة الكتب والدراسات والأبحاث. لذا لا بد من أن تتعلم النخب كيفية تحويل المعرفة العميقة إلى محتوى قابل للوصول، من دون التضحية بجوهرها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل البنية الاقتصادية التي تحكم الفضاء الإعلامي. فهناك بعض المنصات التي تعيش على عائدات المشاهدة، وبعض العاملين في المؤسسات التقليدية يتجهون إلى العمل عبرها بسبب الأزمة المالية التي تعصف بالإعلام اللبناني، فيما تموّل جهات سياسية بعض المنصات، وتدفع شخصيات طامحة إلى أدوار سياسية مقابل حضور إعلامي أو ترويج خاص.
وقد سبق لعالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، أن تناول في كتابه «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»، جانباً من هذه الآلية، حين شرح كيف يمكن لضغط نسب المشاهدة والسرعة وإثارة الغرائز أن يفرض رقابة خفية على المحتوى، وأن يدفع الإعلام إلى تقديم ما يجذب على الانتباه بدل ما يدعو إلى التفكير.
وتتضخم المشكلة مع انتقال جزء كبير من المحتوى المقدم إلى المنصات الرقمية. فالمنصات الكبرى تستخدم أنظمة توصية وترتيب تعتمد بشكل أساسي على مؤشرات التفاعل، مثل المشاهدة والنقر والتعليق والمشاركة (ولو بهدف النقد) ومدة البقاء. هذه هي البيئة التي يشار إليها غالباً بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث يتنافس المحتوى على مورد محدود هو وقت الإنسان وانتباهه، ولذلك تصبح القدرة على إثارة رد فعل سريع ميزة تنافسية، والانتباه مورداً اقتصادياً.
وتبيّن أن المحتوى الذي يثير المشاعر، ولا سيما الغضب والكره، يحصد تفاعلاً مرتفعاً، حتى لو كان التفاعل اعتراضاً عليه. هذا ما أظهرته دراسة منشورة في PNAS Nexus في آذار 2025 بعنوان «التفاعل ورضى المستخدم وتضخيم المحتوى الانقسامي على وسائل التواصل الاجتماعي»، استنتجت أن خوارزمية ترتيب قائمة على التفاعل ضاعفت ظهور المحتوى المشحون عاطفياً والعدائي تجاه الجماعات السياسية الأخرى.
وأشارت الدراسة إلى أن الغضب هو العاطفة الأكثر تضخيماً في المحتوى السياسي. كما فصّلت كيف تعمل الخوارزمية في هذا النوع من المحتوى، إذ قد لا يكون هذا ما يحتاجه المستخدم أو ما يبحث عنه، ولكن حين يمر أمامه مقطع يثير غضبه، قد يتوقف عنده، ويشاهده حتى النهاية، ويعلّق عليه، ويرسله إلى الآخرين لأي سبب كان. وبالنسبة إلى نظام توصية قائم على التفاعل، هذه الأفعال إشارات إلى أن المحتوى «مهم» للمستخدم، ما يعزز من انتشاره. كما أن دراسة أحدث في Journal of Personality and Social Psychology عام 2026 بعنوان «المبالغة في تقدير الشدة الانفعالية الإجمالية لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي» وجدت، عبر خمس تجارب شملت 1051 مشاركاً، أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير شدة الانفعالات الموجودة في موجزات التواصل الاجتماعي، لأن المحتوى الأكثر انفعالية يكون أكثر بروزاً وإدراكاً، وهو ما يرتبط أيضاً بالاستعداد لمشاركة المحتوى.
أكبر، فإنهم يرفعون منسوب الانفعال في المحتوى التالي، عبر استضافة الـ«النخب» التي تتقنه.
الخطورة في المهرجان الحاصل هذا، أنه ساد مجتمعاً قابعاً تحت حرب ضروس، ولا يحتمل مزيداً من التشويش والتوتر. فالناس في أزمنة الحرب يحتاجون إلى إعلام يساعدهم على الطمأنينة والفهم والفعل والصمود، لا إلى ما يزيد ارتباكهم وضياعهم والضغط عليهم.
بدورها، تحتاج المقاومة إلى هذه الجبهة تحديداً، فالمعركة الإعلامية ليست ملحقاً بالمعركة العسكرية، إنما جزء أساسي منها. وإذا ما كان الخصم يعمل على صياغة رواية للحرب، وتبرير أفعاله، وإخفاء خسائره، وتضخيم إنجازاته، فإن ترك الساحة المقابلة مباحة لهذا الصخب كله يعني التخلي عن مساحة أساسية من المعركة.
لذلك فإن المشكلة الإعلامية اللبنانية هي في كثرة «المحللين» و«الباحثين» و«الإعلاميين»، وقلّة العارفين الذين يعرفون بالدرجة الأولى واجبهم أمام شعبهم وبلادهم في اللحظات المصيرية، وليست بالنتيجة مادية بحت، كما يُروَّج.
بطبيعة الحال، لا نقصد أن المطلوب إعلام دعائي، ولا جبهة مهمتها ترديد الشعارات. المطلوب إعلام مقاوم، ينقّب عن المعلومة ويتحقق منها، ويفهم التاريخ والسياسة والميدان ومتطلباته، ويعرف كيف يخاطب المجتمع بلغته، ويحمي معنوياته، ويسلط الضوء في المقابل على مآرب العدو ويكشف الدعاية المضادة، ويشرح الإنجاز العسكري والسياسي.
كما أن النخبة مطالبة بأن تطوِّر شكلاً جديداً من التواصل المعرفي مع هذا الجمهور الذي يحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى، لتبدد هواجسه وتجيبه عن بعض أسئلته، أو حتى تشعره فقط بأنها لم تتخلَّ عنه وقت احتاجها، بعدما أتخمته «تنظيراً» عندما كان «الجو ربيعاً».
زينب الموسوي_ الأخبار
تابعنا عبر Google
اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




