الرئيس القبرصي التركي طوفان أرهورمان شكا من تعنّت الجانب القبرصي اليوناني والرافض لأي حلّ معقول ومقبول للمشكلة القبرصية معللاً ذلك “بالدعم الذي يحظى به من تل أبيب وواشنطن والعواصم الغربية”.
تحالف “تل أبيب” مع أثينا ونيقوسيا يستهدف تركيا؟
في الوقت الذي كنت (الخميس 10 أيلول/ سبتمبر) والرئيس القبرصي التركي طوفان أرهورمان نتحدث فيه في الشطر الشمالي من العاصمة نيقوسيا عن نتائج مباحثاته قبل يوم مع رئيس الجانب القبرصي اليوناني نيكوس خريستودوليديس ، كان الرئيس الإسرائيلي في الشطر الجنوبي من العاصمة وعلى بعد مئات الأمتار فقط يتحدث عن “حلمه في أن يكون اللقاء القادم هنا في نيقوسيا بين رؤساء إسرائيل وقبرص ولبنان لدفع السلام إلى الأمام مع ضمان نبذ الإرهاب والقضاء عليه”، وبعد أن وصف خريستو دوليديس بأنه “صديق عظيم”.
واكتسبت زيارة هرتسوغ المفاجئة إلى نيقوسيا أهمية إضافية لأنها جاءت أولاً بعد يومين من زيارة نتنياهو ووزير دفاعه كاتس إلى جبل الشيخ وتهديداته لحكام دمشق الجدد، وثانياً بعد القمة الثلاثية التي انعقدت في مدينة العلمين وشارك فيها نيكوس خريستو دوليديس ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأكد الزعماء الثلاثة خلال وبعد القمة وهي العاشرة من نوعها منذ 2014 على “أهمية التنسيق والتعاون الاستراتيجي السياسي والأمني والعسكري بين الدول الثلاث” باعتبار أن خريستو دوليديس يمثل جمهورية قبرص المعترف بها دولياً.
إذ سبق لزعماء اليونان وقبرص أن شاركوا في قمم مماثلة وعددها عشرة وآخرها في 22 ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي في القدس المحتلة. كما سبق للكيان العبري أن وقّع على العديد من اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري والاستخباري مع أثينا ونيقوسيا وسوف تستلمان قريباً أنظمة دفاع جوي من “تل أبيب” التي تسعى لكسب لبنان أيضاً إلى تعاونها مع قبرص في مجال الطاقة إلى جانب مصر ولاحقاً سوريا، وهو ما يوليه الرئيس ترامب أهمية خاصة في علاقاته مع كل الأطراف المذكورة وعلى الرغم من تناقضاتها المعروفة.
فالجميع يعرف أن تحالف “تل أبيب” مع أثينا ونيقوسيا يستهدف تركيا التي تسيطر على الشطر الشمالي من الجزيرة منذ عام 1974 مع استمرار التوتر مع اليونان بسبب هذا الوجود والخلافات في بحر أيجة في ما يتعلق بالمياه الإقليمية والجرف القاري والمجالات الجوية، بعد أن وقعت أنقرة في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 على اتفاقية ترسيم الحدود مع ليبيا.
وأزعج ذلك، ومعه التفوق التركي على مصر في ليبيا، القاهرة التي ردت على الموقف التركي هذا بالتوقيع على اتفاقيات ترسيم الحدود مع قبرص واليونان و إيطاليا. ودخلت القاهرة بعد ذلك في تعاون وثيق مع نيقوسيا وأثينا اللتين تريان في تحالفاتهما مع القاهرة و”تل أبيب” فرصة لإزعاج أنقرة التي لا تخفي قلقها من هذا التحرك، خصوصاً في هذا التوقيت الذي كانت تسعى فيه لضم مصر إلى تحالف مكة الذي يضم باكستان والسعودية وتركيا.
كل هذه التفاصيل كانت ضمن المواضيع التي بحثتها مع الرئيس القبرصي التركي طوفان أرهورمان الذي شكا من تعنّت الجانب القبرصي اليوناني والرافض لأي حلّ معقول ومقبول للمشكلة القبرصية معلّلاً ذلك “بالدعم الذي يحظى به من تل أبيب وواشنطن والعواصم الغربية”.
وقال أرهورمان “إن نقطة الخلاف الرئيسية بينه وبين خريستو دوليدس هو أن الجانب القبرصي اليوناني يرفض مبدأ المساواة السياسية بين الطرفين المؤسسين لجمهورية قبرص عام 1960 ويريد أن يعامل القبارصة الأتراك كأقلية وهو مرفوض تماماً”.
وبالتذكير بفشل كل المباحثات التي جرت، وما زالت مستمرة رغم انقطاعها بين الحين والحين، فقد فشل زعماء الطرفين القبرصيين ومنذ 1975 في التوصل إلى أي صيغة تسهم في توحيد شطري الجزيرة في دولة فدرالية أو كونفدرالية مشتركة.
وهو ما لا ولن تتفق على تفاصيله كل من تركيا واليونان وهي الدول الضامنة لاستقلال الجزيرة ومعها بريطانيا التي لها قاعدتان هامتان جداً في قبرص. وتستخدم كل من “إسرائيل” وأميركا وفرنسا وإيطاليا ودول أطلسية أخرى بين الحين والحين هذه القواعد كما هي الحال خلال العدوان الصهيو- أميركي على إيران أو اليمن أو لبنان.
ولعبت كل هذه الدول دوراً أساسياً في ضم الشطر الجنوبي القبرصي إلى الاتحاد الأوروبي ومنع دول العالم من الاعتراف بجمهورية قبرص التركية التي لا تعترف بها حتى الجمهوريات ذات الأصل التركي أي كازاخستان و أوزبكستان وقرغيزيا وأذربيجان وتركمنستان التي لها علاقات واسعة ليس فقط مع القبارصة اليونانيين بل مع “إسرائيل” أيضاً.
وأشار الرئيس أرهورمان إلى “اهتمامها الكبير بقبرص لأسباب عديدة منها تاريخية ومنها جيو استراتيجية أي قربها منها ومن الدول المحيطة بها” وقال “الجميع يعرف حجم التحالف الاستراتيجي بين تل أبيب والقبارصة الروم وهو ما اعترضت عليه أكثر من مرة خلال مباحثاتي مع خريستو دوليديس وقلت لا يحق لكم أن تتصرفوا هكذا ومن دون الحصول على موافقتنا لأننا شركاء لكم في الجزيرة”.
كلام الرئيس أرهورمان يبدو واضحاً أن خريستو دوليديس لا يوليه أي أهمية طالما أنه مدعوم من “تل أبيب” التي ترى في نفسها صاحب القرار في تقرير مصير الجزيرة التي جلبت انتباه هرتزل . فقد كتب في تموز 1902 إلى روتشيلد يقول “في البداية علينا أن نرتب الوضع في قبرص ومن ثم نهتم بفلسطين ونأخذها مطلقاً. فإذا غادر المسلمون قبرص فإن القبارصة الروم سوف يبيعون أراضيهم بأسعار جيدة ويهاجرون إلى جزيرة كريت أو أثينا. وفلسطين وطن صغير جداً بالنسبة إلى اليهود، لذا علينا أن نبحث عن أماكن أخرى قريبة منها. يجب أن نضم قبرص والعريش أيضاً إلى فلسطين”.
وجاء اهتمام “تل أبيب” بقبرص وفق هذه العقيدة الصهيونية حيث يقوم المواطنون الإسرائيليون واليهود من جنسيات مختلفة بشراء عدد كبير من البيوت ومساحات واسعة من الأراضي في شطري الجزيرة وأسسوا فيها العديد من الشركات التي يتحدث الإعلام القبرصي التركي واليوناني عن فعالياتها السرية والخطيرة.
ويتحدث الإعلام أيضاً عن العلاقات الوطيدة بين الرئيس القبرصي خريستو دوليديس مع نتنياهو وقيادات اللوبي اليهودي التي تعرف إليها عندما كان طالباً في الجامعة في نيويورك.
ويبدو أن هذه العلاقة تسهم في تعميق العلاقات الاستراتيجية بين نيقوسيا و “تل أبيب” التي ستستمر في مساعيها لعرقلة أي حلّ للمشكلة القبرصية. ويستفيد الكيان الصهيوني من الواقع الحالي وعلاقاته الاستراتيجية مع القبارصة اليونانيين بعد أن كسبهم إلى جانبه وأبعدهم عن موسكو، رغم أن القبارصة اليونانيين ومعهم الشعب اليوناني ينتمون إلى المذهب الأرثوذكسي حالهم حال الشعب الروسي.
ومع الإشارة إلى وجود نحوعشرة آلاف من الأقلية المارونية في الشطر الشمالي التركي من الجزيرة ويتابعون أحداث لبنان عن كثب ومعظمهم ضد العدوان الصهيوني على لبنان فهم يشكون أيضاً من انعدام أي اهتمام أو تواصل رسمي أو شعبي لبناني معهم.
وهو الموضوع الذي أولاه الرئيس أرهورمان “أهمية بالغة لضمان التواصل الشعبي بكل أديانه ومذاهبه وأعراقه بين شعوب المنطقة التي احتضنت كل الحضارات العريقة”. وفي جميع الحالات، وبغياب الاهتمام العربي السياسي منه والإعلامي بالوضع في قبرص، يستغل الكيان الصهيوني ذلك ويستمر في تغلغله في شطري الجزيرة ولا سيما في جنوبها، بسبب اتفاقيات التعاون العسكري والأمني والاستخباري التي وقع عليها مع نيقوسيا وأثينا اللتين كانتا في معظم الفترات تتضامنان مع القضايا العربية ومحورها فلسطين، التي تخلى عنها الحكام العرب وإن لم نقل خانوها فغضبوا على إيران لأنها دافعت وحلفاؤها عنها وضّحوا من أجلها بكل غال ونفيس وحموها من الفناء.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




