بالتزامن مع تصاعد التوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران، أسفرت ضغوط أميركية شديدة على سلطنة عُمان عن تأجيل اجتماع كان يُفترض أن يُعقد، اليوم، في مدينة صلالة في سلطنة عُمان حول مضيق هرمز. ورغم أن هذا الاجتماع أتى بمبادرة عُمانية، فإن إعلان تأجيله في اللحظة الأخيرة – في وقت متأخر من مساء أمس -، جاء على لسان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي.
وسبق أن أفيد بأن اللقاء سيلتئم على المستوى الوزاري، وسيضمّ إلى جانب عُمان وإيران بوصفهما الدولتَين المشاطئتَين للمضيق، الدول المطلّة على الخليج، بالإضافة إلى العراق. وفي حين أعلنت البحرين، رسمياً، مقاطعتها إيّاه، ظَلّ مستوى مشاركة بقية الدول فيه غير واضح – إلى أن أُعلن إرجاؤه -.
وبحسب ما أفاد به مسؤولون إيرانيون في وقت سابق، كان من المُقرّر أن يشهد هذا الاجتماع الإعلان عن اتفاق بين طهران ومسقط بشأن ترتيبات «مؤقتة» للملاحة والعبور في مضيق هرمز.
وأعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، على هامش قمّة «بريكس» في الهند، أن الاتفاق الإيراني – العُماني حول إنشاء «ممرّ مشترك» في المضيق، سيجري توقيعه بحضور وزراء دول الخليج العربية، ومن ثمّ إرساله إلى «المنظمة البحرية الدولية» (IMO) لغرض تسجيله ضمن آلياتها.
وأكّد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بدوره، أمس، أن جدول أعمال اجتماع صلالة يتمحور حول «ممرّ بحري جديد في مضيق هرمز»، قائلاً إنّط «من المُقرّر في هذا الاجتماع إطلاع الدول المشاركة على تفاصيل الاتفاق، والخرائط ذات الصلة، والبيان المشترك بين إیران وسلطنة عُمان».
ونبّه إلى أن «الاتفاق لا يعني على الإطلاق إعادة فتح مضيق هرمز»، مكرّراً القول إن فتح المضيق مشروط بـ«عودة الولايات المتحدة إلى التزاماتها الواردة في تفاهم إسلام آباد المُبرم في 18 حزيران». وفي السياق ذاته، أفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأنه بناءً على التفاهم بين طهران ومسقط، «فإن ممرّ الدخول إلى الخليج سيكون بأكمله داخل المياه الإقليمية الإيرانية، كما سيَعبر جزء من ممرّ الخروج عبر المياه الإقليمية الإيرانية أيضاً».
لطالما خضعت السلطنة لضغوط تمارسها الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها
وإذ بات واضحاً أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يألوا جهداً في نسف الاتفاق الإيراني – العُماني، علمت «الأخبار» أن طهران طرحت على واشنطن، عبر أطراف وسيطة، شروطاً لإعادة فتح المضيق، يتجاوز بعضها ما تمّ الاتفاق عليه في إسلام آباد.
وتتمثّل هذه الشروط المُحدّثة في «إنهاء الحرب على كل الجبهات، بما فيها إيران ولبنان وغزة»، و«رفع الحصار البحري»، و«الإفراج عن جزء كبير من الأموال الإيرانية المُجمّدة»، و«إلغاء العقوبات»، و«تطبيق ترتيبات الملاحة والعبور المُتّفق عليها بين إيران وعُمان في مضيق هرمز»، بالإضافة إلى «الاعتراف بحقوق إيران النووية، بما في ذلك حق تخصيب اليورانيوم وعدم إخراج مخزون اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60% إلى خارج البلاد».
وفي ظلّ استمرار ارتفاع سقف الشروط المتبادلة، بدا اجتماع صلالة – قبل إعلان تأجيله – محاولة من جانب مسقط وطهران للتخفّف من الضغوط الإقليمية والدولية، وفتح طريق «بناء الثقة» وإشراك دول المنطقة في الترتيبات المستقبلية لإدارة مضيق هرمز. ومع ذلك، لا تبدو نتيجة تلك المحاولة مضمونة، خصوصاً أن السلطنة لطالما خضعت لضغوط تمارسها الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها في المنطقة، والتي ترفض تعزيز المكانة الجيوسياسية لإيران وعُمان، وتَوسّع نفوذهما في أحد أهمّ الممرّات المائية الدولية، وتفضّل عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً.
وكانت إيران وعُمان أصدرتا في 25 آب الماضي، عقب لقاء جمع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بعراقجي، بياناً مشتركاً تضمّن شقَّين رئيسَين: الأول، اتفاق الجانبَين على إنشاء ممرّ ملاحي مؤقّت ومشترك عبر مضيق هرمز، وتنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام، إلى جانب مواصلة المباحثات الفنّية بغية التوصّل إلى اتفاق على ممرّ ملاحي دائم وإدارة مستقبلية للممرّ.
أمّا الشق الثاني، فتمحور حول تأكيد الطرفَين أهمية إجراء محادثات مشتركة مع دول المنطقة المطلّة على مياه الخليج، وهو ما يندرج الاجتماع الذي كان مقرّراً اليوم في سياقه.
وهكذا، انتُظر أن يضع اجتماع صلالة اللبنة الأولى على طريق ما تسمّيه إيران وعمان «الأمن المُستدام» في مضيق هرمز، والذي لا يمكن تحقيقه – بحسبهما – إلا عبر «احترام حقوق الدول الساحلية ومصالحها»، بما فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إلا أن الولايات المتحدة، التي لم ترتدع سابقاً عن اتّخاذ إجراءات لعرقلة مسار التوافقات الإقليمية، لا تبدو معنيّة بالاتفاق الإيراني – العُماني، الذي يَظهر أنها تتعمّد تهميشه وتهشيمه، حتى قبل أن يبصر النور. وفي المقابل، يواصل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، محاولاته التخفيف من وقع تداعيات الحرب على إيران، ولا سيما مع استشعاره تأثيرها المحتمل على انتخابات التجديد النصفي لـ«الكونغرس»، المُقرّرة في تشرين الثاني المقبل.
وفي ما بدا مسعًى منه لتهدئة الأميركيين، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط، وعد ترامب بأن الحرب مع إيران ستنتهي قبل الانتخابات أو بعدها مباشرة، زاعماً أن طهران «تريد إبرام اتفاق بأيّ ثمن، لكنني لن أوقّع اتفاقاً لا يكون مثالياً». ورأى أن ثبات سعر غالون البنزين فوق 6 دولارات، ثمن مقبول لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ميدانياً، استمرّت المناوشات في مضيق هرمز، حيث أعلن حاكم جزيرة قشم تعرّض سفينة تجارية إيرانية لهجوم من قبل العدو على سواحل جزيرتَي قشم وهنغام، ما أدّى إلى مقتل شخص وجرح 3 آخرين. ومن جهتها، أفادت «هيئة عمليات التجارة البحرية» البريطانية بتعرّض سفينة لإصابة بمقذوف مجهول المصدر، أثناء عبورها «هرمز».
محمد خواجوئي-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




