لم يكن الشهيد محمد عفيف مسؤولًا عسكريًا في المقاومة، لكنه أدرك، قبل كثيرين، أن الإعلام في زمن الحرب ليس مقالًا يُكتب، ولا كتابًا يُنشر، ولا مهرجانًا خطابيًا، ولا مجرد كاميرات تقف خلف خطوط آمنة. لقد أدرك أن الإعلام جزء من المعركة، وأن الكلمة في زمن المواجهة قد تكون فعلًا مقاومًا لا يقل أهمية عن أي فعل آخر في الميدان.
ولذلك، اضطر في خضم الحرب إلى أن يرتدي لباس العسكر، لا بحثًا عن دور عسكري، بل لسدّ فراغ إعلامي واسع، ولأن المعركة الإعلامية نفسها أصبحت هدفًا من أهداف العدو. كان يرصد تحركاته، ويراقب أثر الكلمة في الجمهور والبيئة، ويدرك أن ما يُقال وكيف يُقال ومتى يُقال، يمكن أن يكون جزءًا من المواجهة. وحين أعلن آنذاك، بوضوح وثبات: «نعم، نحن من حاولنا اغتيال نتنياهو في عقر داره»، لم يختبئ خلف الكلمات المواربة، ولم يتعامل مع الإعلام بوصفه مساحة للاستعراض، بل بوصفه مسؤولية وشجاعة وموقفًا.
ومن هنا، يمكن القول إن المقاومة أحسنت، بعد أن تكاثر بعض الإعلاميين كالفطر، حين أعلنت براءتها، ولو تلميحًا، من بعض المحللين السياسيين الذين انتحلوا لأنفسهم صفة «المقرّب» أو «الناطق» أو «المحلل التابع للمقاومة». فقد تمادى بعض هؤلاء في تقديم أنفسهم وكأنهم جزء من غرف القرار، حتى تحوّلوا إلى ما يشبه نجوم التوقعات السنوية والأبراج الفلكية؛ يحددون موعد معركة هنا، وتوقيت هجوم هناك، ويتنبؤون باغتيال أو ضربة أو تطور ميداني وكأنهم يملكون مفاتيح الغيب.
وقد استفاد البعض من خلوّ الساحة الإعلامية من أمثال الشهيد الحاج محمد عفيف، فتسلّقوا هذه الموجة، وحوّلوا الحرب إلى فرصة للاستثمار الإعلامي، بحثًا عن «الترند» وزيادة المشاهدات، ولو كان الثمن اللعب بأعصاب الناس ومشاعرهم وأمنهم النفسي، من خلال تحليلات سطحية، وتوقعات لا تستند إلى معطيات، ومواعيد افتراضية لضربة هنا أو اغتيال هناك.
المشكلة ليست في أن يخطئ المحلل في تقدير سياسي أو عسكري؛ فالتحليل بطبيعته يحتمل الخطأ والصواب. المشكلة أن يتحول المحلل إلى متنبئ، وأن تتحول المعلومة إلى إشاعة، والتحليل إلى إثارة، والحرب إلى مادة لرفع نسب المشاهدة.
نحن بحاجة إلى إعلاميين ومحللين يشرحون، لا إلى متوقعين يتنبؤون. نحتاج إلى من يقرأ الوقائع والمعطيات، ويفكك المشهد بهدوء ومسؤولية، لا إلى من يبيع الناس وهم المعرفة، ويستثمر في خوفهم وقلقهم ووجعهم. فالإعلام في زمن الحرب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة، والكلمة قد تطمئن مجتمعًا بأكمله، كما قد تزرع فيه الهلع والارتباك.
لقد كان الحاج محمد عفيف نموذجًا مختلفًا؛ لم يكن يبحث عن نجومية، ولم يتعامل مع الإعلام كمقاولة على الشهرة، بل خاضه كجزء من معركة الحقيقة والكرامة. ولذلك، فإن رحيله لم يترك فراغًا في المشهد الإعلامي فحسب، بل كشف حجم المسؤولية التي كان يحملها، وحجم المساحة التي بات البعض يحاول ملأها بالضجيج بدل المضمون.
شكرًا للمقاومة على تفويت الفرصة على بعض الانتهازيين والوصوليين في الإعلام، وعلى وضع حدّ، ولو جزئيًا، لمحاولات البعض احتكار صفة «المقرّب» و«العارف» و«الناطق باسم الميدان».
ورحم الله الشهيد محمد عفيف، مقاتلًا بالكلمة، ومقاومًا في الموقف، ونموذجًا في سبيل الحقيقة والعزة والكرامة.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




