ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة
رأى رئيس الهيئة التنفيذية في حركة “أمل” مصطفى الفوعاني، ممثلاً الرئيس نبيه بري، أن تكريم الراحل أكرم طليس يتجاوز استعادة سيرة رجلٍ عزيز، ليشكل مناسبةً لاستحضار القيم التي آمن بها، وفي مقدمها الإنسان والوطن والوفاء، مؤكداً أن لبنان يواجه اليوم مرحلة دقيقة تتطلب التمسك بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية، بالتوازي مع حماية الجنوب ورفض العدوان الإسرائيلي”.
جاء ذلك خلال مشاركته في حفل تكريم الباحث الراحل أكرم طليس، أقامه المنبر الحواري لمثقفي بعلبك الهرمل، بحضور النائب الدكتور علي المقداد، الوزير السابق الدكتور فايز شكر، النائب السابق الدكتور كامل الرفاعي، العميد هشام دلول ممثلا قائد الجيش العماد رودولف هيكل، العقيد غياث زعيتر ممثلا المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، عبد السلام شكر ممثلًا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، عباس ذكي اسماعيل ممثلًا المحافظ بشير خضر، رئيس المنبر أحمد زغيب، محمد السعيد ممثلًا العلامة السيد علي فضل الله، مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، راعي أبرشية بعلبك دير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة، رئيس أساقفة بعلبك الهرمل للروم الملكيين الكاثوليك المطران ميخائيل فرحا، الأب الياس المر ممثلًا رئيس أساقفة زحلة وبعلبك وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران انطونيوس الصوري، رئيس حزب “الراية الوطني” علي حجازي، مسؤول مكتب الشؤون البلدية المركزي في حركة “أمل” بسام طليس، المسؤول التنظيمي لأقليم البقاع أسعد جعفر، منفذ بعلبك في الحزب السوري القومي الاجتماعي حسين الحاج حسن، الأمين العام لعتبة السيدة خولة حسين نصرالله، رئيس بلدية بعلبك المحامي أحمد الطفيلي، رئيس اتحاد بلديات بعلبك حسين رعد، رئيس منتدى بعلبك الإعلامي حكمت شريف، عائلة الراحل، وفاعليات سياسية ودينية وبلدية واختيارية وثقافية واجتماعية.
الفوعاني
وقال الفوعاني: “إن بعض الناس يرحلون فيغلق الزمن وراءهم باباً، وبعضهم يرحلون فيكتشف الزمن أنه لم يكن قادراً على إغلاق شيء”، مشدداً على أن “أكرم طليس لم يترك بعد رحيله فراغاً، بل ترك أثراً في ذاكرة أهله وأصدقائه ومجتمعه، وأن الوفاء الحقيقي له يكون بحفظ ما تركه من قيم ومعانٍ في حياة الناس”.
وأكد أن “التكريم الحقيقي ليس أن نستعيد اسماً من الماضي، بل أن نحفظ ما تركه هذا الاسم في الحاضر”، معتبراً أن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مثل هذه المناسبات هو: ماذا بقي من أكرم طليس فينا؟ لأن الأشخاص يمضون، فيما ما يزرعونه في الناس يبقى”.
ولفت الفوعاني إلى أن استحضار الإمام السيد موسى الصدر في هذه المناسبة ليس استحضاراً لذكرى فحسب، وإنما استحضار لمنظومة فكرية جعلت الإنسان محور الوطن، والعدالة شرطاً لاستقراره، والوحدة الوطنية أساساً لبقائه، والدولة إطاراً لحماية أبنائه، والمقاومة حقاً في مواجهة الاحتلال والعدوان.
وقال إن الإمام الصدر «أدرك مبكراً أن لبنان لا يستطيع أن يعيش إذا تحولت طوائفه إلى جزر، ولا يستطيع أن يقاوم إذا كان داخله هشاً”، مستشهداً بقوله: «لا عاصم للبنان اليوم وإلى الأبد غير وحدته»، ومؤكداً أن “هذه المقولة ليست من الماضي، بل هي مفتاح لقراءة لبنان اليوم”.
وشدد على أن “العدالة الاجتماعية ليست ملفاً منفصلاً عن الاستقرار الوطني”، مشيراً إلى أن “الإمام الصدر ربط بين العدالة والوحدة الوطنية والحرية المسؤولة والاحترام المتبادل، لأن «كل محروم يشعر أن الوطن لا يراه، وكل منطقة تشعر أنها خارج الإنماء، وكل شاب يفقد الأمل بمستقبله، هو جرح في جسد الوطن”.
وأضاف: “ان الإمام الصدر لم يترك لنا صورة نعلقها على جدار، بل ترك لنا مرآة”، موضحاً أن “هذه المرآة تجعل اللبناني يسأل عن العدالة أمام الحرمان، وعن الوحدة أمام الانقسام، وعن المقاومة أمام الاحتلال، وعن الدولة أمام ضعف المؤسسات، وعن لبنان كلّه أمام نزيف الجنوب”.
وانتقل الفوعاني إلى تاريخ حركة أمل، مؤكداً أن “الحركة لم تولد في لحظة سياسية عابرة، ولم تكن وليدة ظرف طارئ، بل خرجت من رحم قضية المحرومين ومن وعي الإمام الصدر بأن الحرمان ليس قدراً، وأن الإنسان المحروم لا يجوز أن يبقى خارج الدولة، وأن الجنوب الذي تُرك في مواجهة الاحتلال لا يجوز أن يبقى وحيداً”.
وتابع: “إن مسيرة حركة أمل تمتد من ساحة القسم في بعلبك، إلى الانطلاقة في عين البنية، إلى الطلقة الأولى في مواجهة العدو”، معتبراً أن “هذه المحطات لم تكن أحداثاً منفصلة، بل سلسلة واحدة تحولت فيها الصرخة إلى تنظيم، والتنظيم إلى مقاومة، والمقاومة إلى دفاع عن الأرض والوطن”.
وأكد أن “حركة أمل لم تفصل يوماً بين مواجهة الاحتلال ومواجهة الحرمان، لأن الذي يرفض أن تُحتل أرضه هو نفسه الذي يرفض أن يُحتقر إنسانه، والذي يدافع عن الحدود هو نفسه الذي يدافع عن كرامة المواطن”، مشدداً على أن “الإنسان والوطن والمقاومة عناوين متكاملة في مدرسة الإمام الصدر».
وأكد الفوعاني أن “أمانة الإمام الصدر لم تنتهِ، بل تجد امتدادها في المسيرة السياسية والوطنية التي يقودها الرئيس نبيه بري، مشيراً إلى أن “بري حمل هذه الأمانة في السياسة والموقف والحوار والمقاومة، وحافظ على حضور قضية الجنوب في صلب المعادلة الوطنية. الرئيس بري لم يتعامل مع الوحدة الوطنية بوصفها شعاراً موسمياً، بل باعتبارها شرطاً لحماية لبنان، ولم يتعامل مع الحوار بوصفه ترفاً سياسياً، بل باعتباره الطريق إلى منع الانقسام من التحول إلى اقتتال، كما لم يتعامل مع الجنوب بوصفه قضية منطقة، بل بوصفه جزءاً من السيادة الوطنية”.
وشدد على أن “المعادلة الوطنية التي تتمسك بها حركة أمل تقوم على دولة قوية وعادلة، وجيش وطني يحمي، ومقاومة تواجه الاحتلال والعدوان، وحوار يحفظ الداخل، وعدالة ترفع الحرمان، ووحدة وطنية تمنع العدو من تحويل خلافاتنا إلى ثغرات في جدار الوطن”.
وتطرق الفوعاني إلى الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، مؤكداً أن “ما يجري في الجنوب ليس مجرد أخبار عسكرية، بل اعتداء على بيت وقرية وعائلة وطفل ومستشفى وذاكرة مكان”، لافتًا إلى “ما تعرضت له مناطق وبلدات جنوبية من اعتداءات، وإلى استهداف مستشفى غندور في النبطية الفوقا”.
وقال: “إن الجنوب ليس قضية طائفة، وليس قضية منطقة، وليس قضية فريق سياسي، بل قضية لبنان”، مؤكداً أن “الأرض لا تحمل بطاقة مذهبية، والسيادة لا تتجزأ، والدم حين يسيل لا يسأل الشهيد عن هوية من يقف إلى جانبه”.
وأشار إلى موقف الرئيس بري “الرافض لتحويل الجنوب وأهله وممتلكاته إلى صندوق اقتراع بالدم، في سياق الحسابات الانتخابية الإسرائيلية”، معتبراً أن “هذه العبارة تختصر مأساة سياسية كاملة، حين يتحول دم اللبنانيين إلى مادة في صراع سياسي داخل دولة الاحتلال”.
وشدد على أن “المطلوب دولياً هو وقف العدوان، وحماية المدنيين، وإلزام المعتدي باحترام الاتفاقات والقرارات الدولية ومنع الإفلات من العقاب”، مؤكداً في المقابل أن “المسؤولية اللبنانية تفرض عدم السماح للعدو بأن يحقق في الداخل ما لم يستطع تحقيقه بالنار”.
وقال: “لن نعطي إسرائيل ما عجزت عن أخذه بالقصف: انقسام لبنان على نفسه”.
وأكد أن “الدفاع عن الجنوب دفاع عن لبنان، وحماية الجنوب مسؤولية وطنية جامعة، وإبقاء الجنوب في قلب الدولة والوطن مسؤولية كل اللبنانيين”.
ولفت الفوعاني إلى أن “حماية السلم الأهلي لا تنفصل عن معالجة أسباب الحرمان”، معتبراً أن “الفقر والبطالة والتهميش والإنماء غير المتوازن ليست مجرد مشكلات اقتصادية، بل جروح في جسد الوطن”.
وقال: “إن الإنماء المتوازن، وإصلاح المؤسسات، وحماية أموال الناس، ومواجهة الفساد، ودعم القطاعات المنتجة، ليست مجرد سياسات اقتصادية، وإنما سياسات لحماية لبنان نفسه”، مشدداً على “ضرورة بناء دولة يشعر فيها المواطن بأن له مكاناً وحقوقاً وكرامة”.
واعتبر أن “تكريم أكرم طليس ليس مناسبة لاستعادة الحزن، بل لاستعادة المعنى”، موضحًا أن “الإنسان قد يغيب، لكن أثره لا يغيب حين يكون قد ترك في الناس شيئاً من الخير وفي الوطن شيئاً من الوفاء. وإن أجمل وفاء لأكرم طليس أن نحفظ في حياتنا شيئاً من المعاني التي جعلت من سيرته جديرة بهذا التكريم، وأن نجعل من غيابه حضوراً، ومن ذكراه مسؤولية، ومن اسمه جسراً إلى ما هو أبقى”.
وختم بالقول: “إن أمانة الإمام الصدر تبقى حاضرة فينا: وحدةً وعدالةً، مقاومةً وكرامةً، ودولةً تحفظ الإنسان وتصون الوطن”، داعياً إلى “أن يبقى لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، سيداً، حراً، مستقلاً، موحداً، وأن يبقى الجنوب قلباً من قلبه”.
واعتبرت عريفة الحفل الإعلامية غنى شريف أن “في أصعب المحطات حين تشتد التوترات وتكبر مساحات الغضب، تبرز القامات التي تختار الحوار بدل الاقتتال، والوحدة بدل الانقسام، وتغليب مصلحة الوطن على كل ما عداها. ولعل في ذاكرتنا التاريخية ما يذكرنا بأن زمن الفتن لا يواجه إلا بالحكمة والصبر، وبقامات تقدر على امتصاص الغضب وابقاء أبواب الحوار مفتوحة. وفي لبنان ورغم كل التشنجات والأزمات بقيت قامة تتقدم بثقلها الوطني وتقف سدا في وجه الفتنة وتصر على أن الحوار سبيل، وأن الوحدة حصن، وان العيش المشترك هو ما يحمي لبنان. إنه دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري الذي نلتقي اليوم برعايته ونستحضر مع رعايته معاني الحوار والوحدة والعيش المشترك”.
الحاج حسن
وألقى علي أحمد الحاج حسن كلمة المنبر الحواري لمثقفي بعلبك الهرمل، فقال: “نلتقي اليوم في لقاءٍ ليس للتكريم فحسب، بل للاحتفاء بقيمةٍ نريد لها أن تبقى حيةً في مجتمعنا: قيمةِ الوفاء لمن أعطى، وتطويرِ من ترك أثراً في الناس والمكان والذاكرة، مشيرًا إلى أن “المنبر ليس اسماً يُرفع، ولا مساحةً للكلام فحسب، بل هو عملٌ ومبادرة، وحضورٌ بين الناس، وإسهامٌ في خدمة المجتمع، وفي صون قِيَمه وتزيز وحدته، وحماية الوطن ومصالحه.
ونحن ندرك أنه ليس كل من وقّع كتاباً أصبح مثقفاً، ولا كل من أطلق موقفاً أصبح صاحب مشروعٍ فكري؛ فالقيمة ليست في اللقب بل في السيرة، وليست في كثرة الأقوال بل فيما يتحول من الفكر إلى فعل، ومن المعرفة إلى خدمة، ومن الحضور إلى أثر”.
ونابع: “من هنا، يكتسب لقاؤنا اليوم ونحن نكرم الحاج الأستاذ أكرم طليس؛ فنحن لا نكرم اسماً فحسب، بل نكرم سيرةً وحضوراً وعطاءً، وما تركته تلك السيرة من أثرٍ في بعلبك الهرمل والوطن. إنه تكريمٌ لمن فهم أن حضور الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يبقى منه في حياة الناس بعد غيابه. ونلتقي في ظل ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر، فنستحضر فكراً لم يجعل الإنسان عنواناً في الكلام فحسب، بل جعل خدمته قضية، والحوار جسراً، والتنوع مصدر قوةٍ للوطن ومسؤوليةٍ مشتركة”.
واكد ان “الإمام الصدر يرى أن لبنان لا يحميه انقسام أبنائه بل تماسكهم، ولا يقوى بالغلبة بل بالشراكة، ولا يُصان بإقصاء الآخر بل بالحوار والاعتراف بحق الجميع في الوطن. ومن هنا نفهم معنى المسيرة التي يقودها دولة الرئيس نبيه بري في حمل أمانة الإمام الصدر، وفي التمسك بالحوار والعيش المشترك، وفي الدفاع عن لبنان ووحدته وسيادته، وفي تغليب لغة التلاقي على لغة الانقسام”.
وختم الحاج حسن: “فليكن لقاؤنا اليوم وفاءً لمن أعطى، وحفظاً لذاكرة بعلبك الهرمل، ورسالةً للأجيال بأن ما يبقى من الإنسان ليس ما قاله فحسب، بل ما فعله، وما خدم به ناسه، وما دافع به عن وطنه، وما تركه من أثرٍ لا يغيب بغياب صاحبه”.
وتحدث باسم العائلة شقيق المكرّم الشاعر عبد الغني طليس، ونقتطف من بوحه:
“أمي التي أنجبت ما خيبت، وأبي أقام بيتا على طبع الكرام رَبِي
وكان أكرم في العنقود بهجته
وبعده ذاع صيت الكرم بالعنب
كنا صغارا وموسى الصدر كان لنا نجما يحرك في الأجيال فجر نبي
وكان أكرم بين الكتب منشغلا
كأنه يبلغ الجوزاء في الكتب
وظل يبني على ظل الإمام رؤى
تحرر النفس، تعليها عن النسب
أكرم به أكرماً بانت بطلعته
أفكار وعي تنادي همة الرُّكب
فقدمت «أمل» فرسانها شعلا
من رأسها، للرجال السمر، للنخب
يقودها عَلَم الرأي الحكيم إذا
تفجر البلد المحموم بالغضب
سبعون عاما ورايات الهدى صدحت بالمؤمنين، فخاضوا حقبة اللهب
وكان أكرم لا يرضى السكون ولا حطت به عزمة .. في أرذل التعب
وظل يحفر درساً قد تعلمه
يقول: من ضاع عن وجه السماء غبي
جدي سيفخر بالأحفاد إذ كبروا
وكلهم عاش هذا الخط، وهو صبي
هذا الجنوب وهذي الأرض نعرفها
من ألف عام .. عليها راية النجب
وما خسرنا دما كي ننحني وجعاً
رأس الكرامة لا يهتم بالذَّنب
وتلك حرب إذا كانت بمعركة
تأملوا قبلها ما كان مِن غلب
هو امتحان لدور .. في الحياة قضى:
ألّا نسفه أحرارا .. بمغتصب
إن كنت ذا شرف فالساح مشرَعة
أو كنت إمعة .. فاقعد على جنب
وختم طليس: “فألف شكر لكم، جئتم بما حملت جباهكم من جليل القدر والرتب
إنّ الصديق له في القلب منزلة تبقى طويلا، عليها بصمة الذهب
شكرا، وفي النفس منكم ما يزيد على ما قيل بالشكر في موسوعة العرب”.
وبدوره، ألقى المربي محمد ديب شريف كلمة أصدقاء الراحل، مشيرًا إلى أن “الحاج أكرم طليس، أخاً عزيزاً وزميلاً كريماً وصهراً وسنداً، ورفيق درب الإمام الصدر.
لم يدخر جهداً لتبيان فکر الإمام الصدر، فيقطع المسافات الطوال ليلتقي من كان يعلم بأنه على علاقة مع الإمام الصدر، وتوج هذه اللقاءات بكتابه البليغ «عصر الإيمان». معتبرًا أن الإمام الصدر الذي اعتقد بأن الله هو رب العالمين، وليس رب مجموعة بشرية فضلها على سائر عباده. هذا هو الإله الذي يعتبر الناس سواسية كأسنان المشط، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. هذا هو إله موسى الصدر، الذي أعطى الإنسان أعلى درجات الحرية، فقال في كتابه العزيز: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. هكذا فهم الإمام الصدر الإسلام؛ الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.
وأضاف: “كما يقول الإمام الصدر عن نفسه: “أنا قارع أجراس الكنائس القديمة، أنا مؤذن الجوامع، عندما أتلو الأبانا فيغمرني طيف عليّ، أبكي الحسين ويطيب قلبي بمحمد، أصلي للسيدة العذراء فيقبل وجهي يسوع، أسمع «الله أكبر» من خشوع الكنائس، وأسمع صوت يسوع من قبة الجوامع، فلا تسألني من أنا.. أنا من بلد كل الأديان، أنا من لبنان”.
وتابع: “موسى الصدر هذه القيادة الإلهية، نسخة بشرية فريدة قد لا تتكرر. اعتقاده جعله قائداً إلهياً، فالناس تختار الملك الذي يُؤتى سعة من المال، والله يختار القائد الذي عنده البسطة في العلم والجسم. وهل هناك قيادة تنطبق عليها المواصفات الإلهية أكثر من الإمام الصدر؟”.
وأردف شريف: “هكذا سرنا مع الراحل الكبير الحاج أكرم طليس على درب الإمام منذ اللحظات الأولى، حيث أرسله الإمام إلى حركة “فتيان علي” حتى لا تنحرف عن خط علي.
بدأنا مسيرة لم نفترق عن بعضنا، وكأننا توأم فكري وسياسي وثقافي وجهادي،
وفي ثمانينيات القرن الماضي، عندما حصل الاضطراب في حركة أمل، وذهب من ذهب وبقي من بقي، حاولنا أن نعيد ترميمها بالتعاون الوثيق مع القائد الجهادي الكبير المظلوم زكريا حمزة (أبو يحيى)، ومع المسؤول الأمني الاخ السيد أبا عباس شكر، والأخ السيد المسؤول التنظيمي عباس الموسوي، ومع إخوة لا أستطيع أن أذكر أسماءهم لأنني لست مخولاً بذلك”.
واعتبر شريف: “عندما نكرم الحاج الفاضل المجاهد أكرم طليس، إنما نكرم مرحلة تأسيسية لمقاومة لبنانية على نهج الإمام الذي قال الكلمة المشهورة: “إسرائيل شر مطلق”.
ومن جهته قال المفتي الرفاعي: “في بلد يخرج نباته بإذن ربّه، خرجت عائلة طيبة طاهرة مباركة، أصلها ثابت، وأرومتها طاهرة، وفروعها ممتدة في البلاد. أحد هذه الفروع الحاج أكرم طليس، أما بقية الفروع فكانت تنافسه شعراً وثقافة وموقفاً ومحبة وتعاوناً. إنها عائلة تروي قصة نجاح الأب والأم من خلال هؤلاء الأبناء الأنجاب”.
وتابع: “الحاج أكرم طليس كان مع الإمام الصدر، وهذا ليس حدثاً عادياً أبداً. هذا يعني أن تكون حياتك تشبه مواقفك، وأن تكون مواقفك تشبه حياتك. إنه مشروع تغيير يريد أن يفتح طريقاً جديداً يتعلق بالثقافة والسياسة والاقتصاد والبلد الذي أراده بلداً لكل أبنائه، لا فارق فيه بين مواطن ومواطن، ولا بين منطقة ومنطقة. أن تكتب عن الإمام الصدر وأن تكون معه، يجب أن تكون رائداً طليعياً. هذا يعني أن تكون ثابتاً على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وأن تبقى مع الحقيقة والحق وإن لم يتحقق، وأن تقاوم الباطل ولو ساد وغلب، وأن تقف بوجه الضعيف ولو حكم وتسلّط، وأن يبقى الرجل رجلاً ولو حاول أن يحطمه كل ما حوله”.
وأضاف: “إنها سيرة لعدة سنوات من العمر، لا تختصرها دقائق، ولا تختزلها مناصب أو كلمات. كان رجل حوار بامتياز، والحوار ليس أن تنتصر على محاورك، وليس الحوار أن تصل معه إلى منتصف الطريق، بل أن تصل إلى مساحة مشتركة. الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة، وتعدد وجهات النظر يمكن أن يكون مصدر غنى؛ لأن الحوار الهادئ والهادف يفتح باباً أُغلق بالصراع، ويجمع قلوباً فرقتها المواقف”.
وأردف: “نحن اليوم نفتقد هذه القامة عندما تزداد الحاجة إلى لغة العقل، وإلى المثقف والمحاور الذي يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يقرب المسافات بدل أن يوسعها، يبحث عن نقاط الالتقاء بدل أن ينتقل ليعدد نقاط الاختلاف”.
وسأل: “من قال إن الثقافة ليست لبنة من لبنات المواجهة مع العدو؟ ألم يتم اغتيال غسان كنفاني الذي كان مثقفاً وطليعياً؟ ألم يتم الاعتداء وقتل ناجي العلي الذي أرهقت رسوماته العدو الإسرائيلي؟ ألم يعتقل محمود درويش عدة مرات بسبب كلماته؟ الحاج أكرم طليس أدرك ذلك جيداً، فكان مثقفاً ملتزماً وكان مثقفاً يحمل قضية. من قال إننا نؤمن بنظرية الفن للفن؟ إما أن تكون الثقافة فعل مقاومة ومواجهة، وإلا فما قيمة الثقافة كلها في هذا المجتمع. الحاج أكرم طليس كان من هذه النوعية، وكان المثقف الذي يريد بناء مواجهة ثقافية، وأراد أن يكون رأس حربة بها. الثقافة عنده رسالة، والكلمة عنده أمانة. فرحم الله من ترك في ذاكرة من عرفه صورة الإنسان الواعي، المتزن، المنفتح، الحريص على وطنه ومجتمعه، الساعي إلى الخير والإصلاح”.
وختم الرفاعي: “حتى لا تكون الكلمة بتراء، التحية إلى جنوب لبنان الذي ليس هامشاً على خريطة الوطن، بل هو ركن أصيل من كيانه. لبنان واحد، وحقوق أبنائه واحدة، وكرامة الإنسان فيه لا تتجزأ. هي مواجهة مفتوحة ودائمة لن تنتهي إلا عندما يصلي من بقي منا في المسجد الأقصى أو في كنيسة القيامة”.
ورأى المطران رحمة في الراحل لم يكن رجلا عابرا في زمنه؛ كان رجلا حمل قلما، وحمل مع قلمه ذاكرة جيل ومرحلة وتجربة. كان قريبا جدا من الإمام موسى الصدر، وعاش تجربة سياسية واجتماعية وفكرية، لكنه لم يكتف بان يعيش الحدث؛ بل اراد أن يفهمه، ويكتبه، ويوثقه”.
واعتبر أنّ “أول ما يلفتنا هو نظرة الامام الصدر الى الانسان وكرامته. فقد كان يؤمن أن قضية الإنسان هي الأساس، وان الدين لا ينفصل عن حياة الناس وآلامهم. وهنا كان الدرس: لا يكفي ان نعرف ألم الناس؛ يجب ان نعمل لرفعه. ومن هذا الفهم انطلقت فكرة المواطنة. فالإمام الصدر أراد للإنسان أن يكون شريكا في وطنه، لا مجرد فرد تحكمه انتماءاته الطائفية. كان الإمام يرى ان الانتماء الديني لا يجب ان يفصل الإنسان عن الآخر، بل يجب ان يكون دافعا لخدمة الوطن، ومن هنا جاء الحوار والانفتاح”.
وأكد أن “الإمام الصدر لم ير في التنوع اللبناني نقمة، بل رآه مصدر غنى، شرط ان يقوم على الاحترام والعدالة. ومن هنا نفهم أيضا معنى حماية السيادة الوطنية في فكر الامام الصدر، فنحن نعيش في وطن متعب: أزمات اقتصادية ومعيشية، وشباب يفكر في الهجرة، وجراح أمنية وسياسية لم تلتئم بعد، وجنوب دفع وما زال يدفع ثمنا غاليا من أجل الأرض والكرامة. ولذلك، فان السؤال اليوم ليس كيف نتذكر افكار الامام موسى الصدر، بل كيف نحولها الى مسار لخلاص لبنان”.
وقال: “لبنان بحاجة إلى دولة قوية وعادلة، وإلى مؤسسات تحمي المواطن، والى سيادة تجمع اللبنانيين ولا تفرقهم”.
وأضاف: “إذا أردنا أن نلخص أثر الإمام موسى الصدر في أكرم طليس، يمكننا ان نقول: تعلم ان الإنسان هو المحور، وان كرامته تحتاج إلى عدالة، وان المواطنة تحتاج إلى حوار وعمل ومسؤولية”.
وتابع: “لقد تعب لبنان من الخطب التي تقسمه، تعب من أصوات تريد ان تقنع اللبناني ان الآخر خطر دائم… تعب من لغة التخوين، والكراهية، والتوجس، والخوف من الاخر. لذلك نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى رجال الفكر، إلى رجال لا يسألون: من طائفتك قبل ان يسألوا: من أنت، وما حاجتك وماذا يمكنني ان أخدمك؟ بحاجة إلى رجال لا يرون في اختلاف الدين أو الطائفة أو السياسة سببا للعداوة. إلى رجال يعرفون ان قوة لبنان ليست في ان يكون اللبنانيون نسخة واحدة، بل في ان يكونوا مختلفين بأمور معينة، وقادرين على العيش معا. ان نتحاور من دون أن نلغي بعضنا، أن نحب لبنان من دون أن نطلب من الآخر أن يتخلى عن هويته”.
ورأى أن “لبنان لا يحتاج اليوم الى من يزرع فيه الخوف؛ يحتاج الى من يزرع فيه الثقة. لا يحتاج إلى من يعد لنا كل ما يفرقنا؛ يحتاج إلى من يذكر لنا كل ما يجمعنا. لا يحتاج إلى من يبني المتاريس بين الجماعات؛ يحتاج إلى من يبني الجسور”.
وأردف: “إذا كنا نريد أن نكرم أكرم طليس، فلنجعل من بعلبك – الهرمل منارة للفكر والثقافة والحوار. لنجعل هذا المنبر الحواري لمثقفي بعلبك – الهرمل، مكانا يجتمع فيه المسلم والمسيحي، والمؤمن والمثقف، والسياسي والكاتب، والشاب والكهل، ليقولوا معا: نحن لبنان. نحن ليست لنا هوية واحدة تلغي الآخر؛ بل هويات متنوعة تلتقي في وطن واحد”.
وختم رحمة: “أنا، كمسيحي، أقول لإخواني المسلمين: أنا لا أخاف منكم، وأنا لا اريد لكم إلا الخير. وأقول لكل لبناني: اختلف معي كما تشاء، ولكن لا تكرهني. وخالفني في السياسة، ولكن لا تسقط انسانيتي. فهذا هو لبنان الذي نريده، لبنان الذي يختلف فيه الناس، ولا يتقاتلون، لبنان الذي يتحاور فيه الناس، دون تخوين، لبنان الذي يحترم فيه كل إنسان أخيه في الإنسانية”.
وقدم رئيس المنبر الحواري لمثقفي بعلبك الهرمل أحمد زغيب درع تكريم وتقدير ووفاء لكلٍّ من الرئيس نبيه بري ممثلًا بالدكتور مصطفى الفوعاني، ولعائلة الراحل الحاج أكرم طليس.
المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
تابعنا عبر Google
اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




