عام 1982 حين دخل الاحتلال “الإسرائيلي” إلى بيروت، بدا لكثيرين أن صفحة المقاومة قد طُويت. كانت دبابات العدو على الأرض، والمدن والبلدات تحت السيطرة.
وكان المشهد العسكري يوحي بأن المعركة حُسمت لمصلحة العدو الذي يمتلك الطائرات والدبابات والمدفعية. لكن ما بدا يومها نهاية، لم يكن سوى بداية لفصل آخر.
فالأرض التي احتُلّت لم تُنهِ المقاومة، والسيطرة العسكرية لم تستطع أن تفرض استسلامًا سياسيًا أو شعبيًا. وقتها، عاش الاحتلال 18 عامًا على وقع العمليات البطولية، حتى انتهى الأمر به إلى الانسحاب مدحورًا عام 2000.
هذه الحقيقة التاريخية لا تعني أن كل المعارك متشابهة، لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية: إن السيطرة على الأرض ليست بالضرورة نهاية المقاومة، كما يدّعي البعض، كما أن الوصول إلى موقع لا يعني بالضرورة تحقيق أهداف الحرب.
ومن هنا يمكن قراءة معركة علي الطاهر. فالموقع الذي حاول الاحتلال تقديمه بوصفه إنجازًا عسكريًا استثنائيًا، وتحولت المعركة حوله إلى مادة أساسية في خطابه السياسي والإعلامي، لم يكن في نهاية المطاف سوى منشأة تكتيكية ذات بُعد محدد. ومع ذلك، احتاج جيش الاحتلال، بكل ما يملك من تفوق ناري وقدرات عسكرية، إلى ما يقارب الثلاثة أشهر من الحصار و”العمليات” والقصف المكثف لمحاولة حسم المعركة حولها. فما الذي بقي للمقاومة بعد هذه المعركة؟ وماذا يعني تفجير العدو لعلي الطاهر؟.
يُقارب مصدر مطّلع تفجير العدو بالإشارة إلى أنّ منشأة علي الطاهر هي “منشأة تكتيكية”، لكنّ الاحتلال “الإسرائيلي” عمل على تضخيم المعركة حولها في سياق بحثه عن انتصارات وإنجازات يوظفها في الانتخابات.
وأضاف أنه إذا أردنا مقاربة الأمور بموضوعية، فإن جيشًا جرارًا للعدو بقي لنحو ثلاثة أشهر غير قادر على السيطرة على منشأة سيطرة عملياتية، ما يعني أنه حتى التفجير الذي نفذه الاحتلال من حيث التوقيت والشكل يندرج في إطار الاستعراض.
إذًا ما الذي حققته المقاومة في هذه المعركة؟ وهل فشلت في المواجهة؟. وفق المصدر، ثمة اعتبارات كانت موجودة، ويمكن قراءة نتائج المعركة في ضوء المشهد الواسع، الذي يعكس الصمود والتحدي والقدرة على المواجهة.
فالمقاومة نجحت على مدى 3 أشهر في منع الاحتلال من تحقيق أهدافه بسهولة، ولم تمنحه ما يمكن أن يسميه انتصارًا، لافتًا إلى أن الاحتلال كان قد أعلن منذ بداية المعركة أن المقاومين سيرفعون راية الاستسلام ويخرجون من علي الطاهر مرفوعي الأيدي، وهذا ما لم يتحقّق.
ولا يُخفي المصدر ما هو معلوم للجميع من أنّ المقاومين قاتلوا في ظروف صعبة، في ظل أساليب استخدمها العدو تجاوزت كل المعايير الإنسانية وحتى ما يُسمى قواعد الحرب، من استخدام الغاز ومحاولات الإعدام الحي، إلى جانب منشأة كان يقصفها يوميًا بأطنان من القنابل ويضخ فيها الغازات السامة.
وأضاف أن الاحتلال استطاع، بشكل أو بآخر، أن يجعل البقاء في المنشأة أمرًا شبه مستحيل، وهو ما دفع المقاومة إلى القول أكثر من مرة منذ بداية الحرب إنها لا تدافع عن الجغرافيا، بل تمارس فعل الكر والفر، وتعمل على تكبيد العدو الخسائر ورفع كلفة احتلاله، معتبرًا أن هذا ما حصل بالفعل.
ويلفت المصدر إلى أن المواجهات أدت إلى مقتل عدد من جنود وضباط الاحتلال، إضافة إلى تدمير عدد كبير من الآليات، فضلًا عن خسائر مادية كبيرة تبرز في حجم الأسلحة التي استخدمها الاحتلال ليتمكن من الدخول إلى المنشأة والسيطرة عليها عملياتيًا، لكنه لم يستطع تحقيق ذلك. وهنا يقول المصدر إنه إذا كانت المقاومة استطاعت، عمليًا، أن تؤلم العدو لنحو ثلاثة أشهر، منذ 14 حزيران/يونيو، وهو تاريخ إعلان العدو بدء حصار المنشأة، رغم أنها منشأة تكتيكية ذات بُعد محدد، فإنّ المشهد كان سيبدو مختلفًا تمامًا لولا تخاذل السلطة، للأسف، وسعيها إلى حصر السلاح جنوب الليطاني وتسليمه، وهي السياسة التي دفعت المقاومة إلى إخلاء الكثير من منشآتها وأماكن تموضعها هناك.
ولولا هذه الحقيقة المرة عمليًا لما وصل العدو بالجغرافيا الى ما وصل اليه اليوم في علي الطاهر وغيرها. ويشدّد المصدر على أنه إذا كانت منشأة مثل علي الطاهر كلّفت العدو نحو 3 أشهر، فكيف بمنشآت أخرى أكثر أهمية ولها أبعاد أخرى في مناطق أخرى؟”.
ويختم المصدر بكلمات واثقة: “إن كان الاحتلال يعتبر نفسه قد حقق نقاطًا في هذه الجولة، فإن المعركة ما زالت مفتوحة، ولم يتمكن من تحقيق أهدافه رغم كل عدوانه واحتلاله”.
ربما تختصر كلمات المصدر الختامية مجمل الحكاية، وإن بدا المشهد ثقيلًا أمس. فلنكن واقعيين… لم تكن سهلة “الفيديوهات” التي نشرها جيش العدو لمشاهد التفجير في مرتفع علي الطاهر. نزلت ثقيلة جدًا على القلب.
لكن أي قلب؟! تلك القلوب التي عرفت علي الطاهر لا كمجرّد منشأة عسكرية، بل كموقعٍ أذلّ العدو، وأبقاه نحو 3 أشهر عاجزًا عن حسم معركته فيه، وأرغمه على استخدام كل ما يملك من قوة ونار حتى يتمكن من تفجيره. كان مؤلمًا أن تُرى بأعين العدو وهي تُفجّر، وأن يتحول المكان الذي صمد وأربك وأوجع إلى ركامٍ أمام الكاميرات.
لكن قلوب أشرف الناس لا تبقى طويلًا عند صورة الركام، فهم يعرفون قبل غيرهم أن من استطاع أن يصنع منشأة علي الطاهر، قادر على أن يصنع أفضل منها، وأن الأرض التي تخفي في جوفها سرّ هذه المقاومة لا تخبّئ منشأة واحدة، وأن ما ظهر منها ليس كل ما لديها.
والعدو الذي ظنّ أن التفجيرات يمكن أن تطفئ أثر المعركة، قد يكتشف أن ما أُقيم في الأرض ليس هو كل ما تراهن عليه المقاومة، وأن ما هُدم في مكان لا يعني أن القدرة على المواجهة هُدّمت معه.
وهنا، يعود القلب إلى ما هو أبعد من المشهد وأبقى منه: إلى الوعد الذي لا يسقط بتفجير ولا باحتلال موقع، وإلى يقينٍ بأن وعد الله آتٍ، ولو طال الأمد، وأن الطريق إلى النصر قد يطول، وقد يكون قاسيًا، وقد يحمل أثمانًا موجعة، لكنه لا ينتهي عند علي الطاهر التي ليست سوى منشأة من عشرات المنشآت.
فاطمة سلامة-العهد
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




