اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة أعادت المستخدمين إلى أجواء جيل الثمانينيات. صور بملامح قديمة، ألوان تحاكي تلك الفترة الزمنية مع تسريحات شعر وملابس ولقطات تبدو وكأنها خرجت من ألبومات عائلية عمرها عقود من الزمن.
اللافت في هذه الموجة ليس فقط انتشارها بل طريقة تعامل رواد مواقع التواصل الاجتماعي معها.
فالبعض استعاد ثمانينيات عاشها فعلاً فيما يستعيدها آخرون بوصفها زمنا عرفوه من صور الأهل، الأغاني، الأفلام والحكايات العائلية.
ومع ذلك، فإن ما يظهر على مواقع التواصل ليس بالضرورة لحقبة الثمانينيات كما كانت. لأن الترند ينتقي من الماضي عناصره الأكثر جاذبية: الألوان، الملابس، الموسيقى، شكل الصور، وأجواء الحياة التي تبدو اليوم، من مسافة زمنية، أكثر بساطة. أما التفاصيل الثقيلة التي رافقت تلك المرحلة، فتغيب غالبا عن الصورة.
نوستالجيا أم هروب؟
عودة الناس إلى حقبة زمنية مضت في عصر التكنولوجيا والعالم الرقمي ليست مصادفة بالضرورة. إذ كلما ازدادت سرعة الحياة، أصبحت فكرة العودة إلى الماضي أكثر جاذبية، يبدو الزمن الذي لم يكن فيه الهاتف جزءا دائما من اليد أكثر هدوءا، حتى لو لم يكن كذلك فعلا.
لكن النوستالجيا تحمل خطراً آخر: أن تجعل الماضي أجمل مما كان.
الثمانينيات التي تظهر على الشاشة لا تشبه بالضرورة الثمانينيات التي عاشها الناس. إنها نسخة «مفلترة» منها، خالية من التفاصيل الحزينة والمشاكل، ومختصرة في مجموعة من الرموز البصرية. ومع تكرار هذه الصور، يمكن أن تتحول النسخة المتخيلة إلى الذاكرة نفسها.
ربما لهذا السبب لا يستحق الترند أن يُقرأ بوصفه موجة عابرة فقط. فهو يقول شيئًا عن علاقتنا الحالية بالماضي: نحن لا نكتفي بتذكره، بل نعيد إنتاجه، ونختار كيف نريد أن يكون بالنسبة لنا عبر الذكاء الإصطناعي، ثم نعيد نشره حتى يصبح جزءا من حاضرنا.
لكن المشكلة أن الذاكرة لا تعود كاملة. ما يستعيده الترند هو صورة مختارة بعناية من الثمانينيات: الألوان، الشعر، الملابس، السيارات، أجهزة التسجيل، والوجوه المبتسمة. أما ما كان يحيط بهذه الصورة من قلق وحرب وأزمات، فيبقى غالباً غائباً عن جوهر الصورة وخلفيتها.
المفارقة الأكبر أنّ جزءاً من الجمهور الذي يتفاعل مع هذا الترند لم يعش الثمانينيات أصلاً. أبناء الألفية الجديدة وجيل زد يتعرفون إلى تلك المرحلة من صور الأهل، وأشرطة الفيديو القديمة، والأغاني التي بقيت حاضرة، أو من الأفلام والمسلسلات والصور التي تعيد المنصات تدويرها باستمرار.
فكيف يمكن أن نشتاق إلى زمن لم نعشه؟
ربما لأن النوستالجيا لا تحتاج دائما إلى تجربة شخصية. يمكن أن تكون ذاكرة موروثة أو من حكاية إلى أخرى، حتى تصبح جزءا من مخيلتنا الشخصية.
حين تصبح الخوارزمية آلة للذاكرة
المفارقة أن أكثر الأدوات حداثة هي التي تعيد إنتاج هذا الماضي. الهاتف الذكي، التطبيقات، الفلاتر والذكاء الاصطناعي كلها عناصر تسمح بتحويل صورة ملتقطة اليوم إلى صورة تشبه تلك التي كانت تُلتقط قبل عقود.
هكذا، تستخدم التكنولوجيا ذاكرة التكنولوجيا القديمة لتنتج وهماً بالماضي.
الصورة الجديدة لا تكون قديمة فعلاً، لكنها تستعير علامات القِدم: الألوان الباهتة، الضوء، الملابس، تسريحة الشعر، وحتى طريقة الوقوف أمام الكاميرا. وما كان في الماضي نتيجة لنوع الكاميرا وظروف التصوير، أصبح اليوم تأثيراً يمكن اختياره بضغطة زر.
وهنا يبرز سؤال آخر: ماذا يحدث للذاكرة عندما يصبح بالإمكان تصنيع شكلها؟
الصورة الفوتوغرافية كانت، في أحد وجوهها، دليلاً على أن لحظة ما حدثت. أما اليوم، فيمكن إنتاج صورة تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن لم تكن فيه موجودة أصلاً. لا يعني ذلك أن الصورة فقدت قيمتها بالكامل، لكنه يغيّر علاقتنا بها. فالقديم لم يعد بالضرورة دليلاً على الماضي؛ يمكن أن يكون مجرد أسلوب بصري.
من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية
في لبنان، تكتسب هذه الظاهرة حساسية إضافية. فاستعادة الثمانينيات لا يمكن فصلها تماماً عن تاريخ البلاد. خلف كل صورة عائلية وازياء وألوان، هناك سنوات من الحرب والانقسام والتهجير والنزوح والحرمان. لذلك، فإن استعادة هذه المرحلة عبر صورة “لطيفة” قد تكشف أيضًا عن رغبة في اختيار جزء من الماضي فقط والاحتفاظ به.إنها طبقة كثيفة من الذاكرة الجماعية. جيل عاش الحرب، وتغيّر شكل المدن والأحياء، وعرف التلفزيون بوصفه نافذة أساسية على العالم، وانتظر الأغنية على شريط الكاسيت، والتقط الصور التي كانت تُحمّض وتُحفظ في ألبومات العائلة. لذلك، حين تعود تلك التفاصيل اليوم إلى الشاشات، فإنها لا تستعيد الموضة والموسيقى فقط، بل تستدعي معها عقدا” كاملا لجيل كامل.
ربما لهذا تبدو بعض الصور القديمة أكثر تأثيراً من غيرها. إنها لا تذكّرنا فقط بما كان عليه الأشخاص، بل بما لم يعد موجودا أصلاً مثل شارع تغيّر، متجر اختفى، منزل دمر ، أشخاص كبروا أو رحلوا، ومدينة لم تعد تشبه الصورة التي احتفظ بها أحدهم في ألبوم عائلي بإختصار عالم غير «الكوكب الحالي».
وبين ثمانينيات عاشها جيل، وثمانينيات يتخيلها جيل آخر، يبقى الماضي حاضراً لا كما كان، بل كما اخترنا أن نراه اليوم.
يارا عبود-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




