يبدو واضحاً أن إسرائيل، ومن خلال وتيرة التصعيد التي تنتهجها في الساعات الماضية، تحاول جرّ حزب الله إلى الرد، بما يعيد تفجير الجبهة اللبنانية، وربما، بالنسبة إليها، فتح الطريق أمام اشتعال الجبهات كلها، ولا سيما مع إيران.
فالتصعيد الإسرائيلي يأتي في وقت تبدو فيه حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الداخلية حاضرة بقوة، في ظل اقتراب الانتخابات وتراجع الأرقام التي تسجلها حكومته وائتلافه.
وبالتالي، لا يبدو مستبعداً أن يكون أحد أهداف نتنياهو تحسين موقعه الانتخابي عبر إبراز صورة «القيادة الأمنية» القادرة على خوض المواجهة وتسجيل إنجازات عسكرية، ولا سيما أن السيطرة الإسرائيلية المعلنة على مرتفعات علي الطاهر باتت تُقدَّم في إسرائيل كإنجاز استراتيجي.
ومن هنا، فإن استدراج حزب الله إلى رد عسكري واسع قد يشكل، في الحسابات الإسرائيلية، سيناريو أكثر فائدة من استمرار الوضع القائم، لأنه يتيح إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي، وربما توسيع المواجهة لتشمل إيران، بما يضع نتنياهو في قلب معركة إقليمية يستطيع توظيفها داخلياً.
ويدرك حزب الله جيداً حسابات نتنياهو، ما يضعه أمام وضعية شديدة الصعوبة والتعقيد. فهو، من جهة، لا يريد ولا يبدو مستعداً للانجرار إلى الفخ الذي تنصبه له إسرائيل، عبر إعادة إشعال الجبهة اللبنانية في توقيت سياسي يخدم نتنياهو ويمنحه مبررات لتوسيع المواجهة.
لكنه، من جهة أخرى، لا يستطيع البقاء متفرجاً أمام تصعيد بلغ مستويات مرتفعة جداً، لأن استمرار ضبط النفس والالتزام بوقف إطلاق النار قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه ضعف أو عجز، بما يشجع إسرائيل على المضي قدماً في توسيع نطاق عملياتها والتقدم ميدانياً وفرض وقائع احتلال جديدة، وهو ما يدركه الحزب جيداً أيضاً.
وتشير مصادر واسعة الاطلاع إلى أن الحزب “لا يزال يدرس خياراته بدقة، بعدما انتهج خلال الفترة الماضية سياسة تقوم على محاولة إيلام إسرائيل وإشعارها بأن جنودها ليسوا بمنأى عن الاستهداف داخل المنطقة الأمنية، من خلال المسيّرات التي كان يرسلها بين الحين والآخر.
إلا أن استمرار التصعيد الإسرائيلي قد يدفعه إلى زيادة وتيرة العمليات السريعة والخاطفة في هذا السياق، وإن كان يدرك تماماً أن كلفتها ستكون مرتفعة”.
ولعل ما حاولت إسرائيل إفهام الحزب إياه خلال الساعات الماضية، بحسب المصادر، بعد اتهامه بإرسال مسيّرتين، أن “أي تصعيد من جانبه سيقابَل بردّ قاسٍ ومدمّر، وهو ما عكسته الضربات الإسرائيلية على مدى يومين، والتي لم تقتصر تداعياتها على الأهداف العسكرية، بل طالت المدنيين أيضاً وأوقعت خسائر كبيرة في صفوفهم”.
ولا شك أن الضغوط التي تمارسها بيئة حزب الله باتجاه الرد، وضرورة محاولة فرض معادلة ردع في مواجهة العدو، تشكل بدورها عاملاً أساسياً يزيد من تعقيد الخيارات أمام الحزب.
يضاف إلى ذلك أن التطورات الجارية على خط إيران وواشنطن تحضر بقوة في حساباته، ولا سيما أنه يعوّل على الدور الإيراني في ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يفسر تمسّكه، في مراحل سابقة، بمسار إسلام آباد وبالمفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، باعتبار أن استئناف هذا المسار يشكل، من وجهة نظره، مصلحة لبنانية ويساهم في احتواء احتمالات التصعيد في المنطقة وانعكاساته على لبنان.
وعليه، يبدو أن حزب الله يقف أمام معادلة بالغة التعقيد: الرد بما يحفظ معادلة الردع من دون الانجرار إلى حرب واسعة، أو مواصلة ضبط النفس مع ما قد يترتب على ذلك من كلفة ميدانية وسياسية.
وبين هذين الخيارين، تبدو حسابات الحزب أبعد من مجرد الرد على التصعيد الإسرائيلي، لتشمل توقيت المواجهة، وأهداف إسرائيل منها، ومسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، فضلاً عن حجم الغطاء الايراني لأي خطوة قد يقدم عليها.
لذلك، قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة ما إذا كان الحزب سيرد أم لا، بقدر ما هو: كيف سيرد، ومتى، وبأي سقف، وهل سيتمكن من فرض معادلة تمنع إسرائيل من استثمار ضبط النفس للتقدم ميدانياً، من دون أن يمنحها في المقابل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع الحرب؟
المصدر: جريدة الديار




