كلما اقترب موعد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ــ “الإسرائيلية” في روما، يبدو أن الجنوب اللبناني يبتعد خطوة إضافية عن مناخ التهدئة الذي يفترض أن يرافق أي مسار تفاوضي.
ففي الساعات الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد “الإسرائيلي” لتشمل النبطية ومحيطها، واستهدفت الغارات مستشفى صلاح غندور في النبطية الفوقا، الذي دُمِّر بالكامل، كما طالت منشآت ومبانيَ رسمية، وسقط مدنيون في سلسلة الغارات التي طالت كفر رمان وبلدات جنوبية أخرى. وقد أكدت مصادر لبنانية سقوط شهداء وجرحى في هذه الاعتداءات.
والأكثر دلالة أن “إسرائيل” قدمت هذه العمليات باعتبارها ردًا على إطلاق مسيرتين باتجاه قواتها، بينما لم يظهر حتى الآن تأكيد علني من حزب الله يتبنى فيه هذه العملية. وبالتالي، فإن الرواية “الإسرائيلية” تبقى، حتى الآن، رواية طرف في النزاع وليست واقعة مثبتة من الطرفين.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف يمكن العودة إلى مفاوضات يفترض أن تبحث في وقف التصعيد والانسحاب والترتيبات الأمنية، فيما تستمر “إسرائيل” في توسيع بنك أهدافها على الأرض؟
هل نحن أمام تصعيد تفاوضي أم تمهيد لإفشال التفاوض؟
هل التصعيد “الإسرائيلي” يعني بالضرورة أن “إسرائيل” لا تريد التفاوض؟
في السياسة، قد يكون العكس هو الصحيح. الدولة التي تدخل مفاوضات من موقع عسكري أقوى قد تستخدم القوة لتحسين شروطها قبل الجلوس إلى الطاولة. ولذلك فإن استمرار الغارات لا يعني حكمًا أن “إسرائيل” قررت الانسحاب من المسار التفاوضي، وإنما قد يعني أنها تريد الدخول إليه وهي تحمل أوراقًا ميدانية إضافية.
وهذا تحديدًا ما يجعل التصعيد الحالي بالغ الخطورة. فـ”إسرائيل” لا تضرب فقط أهدافًا مرتبطة بالمقاومة، وفق روايتها، بل إن اتساع دائرة الاستهداف لتطال منشآت صحية ومبانيَ رسمية ومناطق سكنية يخلق واقعًا جديدًا على الأرض، ويجعل المفاوضات تدور في ظل ميزان قوى متحرك باستمرار.
وفي هذه الحالة يصبح السؤال: هل ستذهب “إسرائيل” إلى روما للتفاوض حول كيفية تنفيذ تفاهمات سابقة، أم ستذهب للتفاوض على شروط جديدة فرضتها بالقوة خلال الأسابيع الماضية؟
مستشفى غندور والرسالة الأبعد من الهدف العسكري
تدمير مستشفى غندور في النبطية الفوقا ليس مجرد حادث عسكري في سياق الغارات. حتى الرواية “الإسرائيلية” التي تحدثت عن استخدام المبنى لأغراض مرتبطة بحزب الله لا تلغي حقيقة أن الهدف كان منشأة ذات وظيفة صحية، وأن تدميره يوسع دائرة التداعيات الإنسانية والاجتماعية للعمليات العسكرية. وقد أعلنت مصادر لبنانية أن المستشفى دُمِّر بالكامل. أما استهداف مبانٍ رسمية في النبطية، فيكتسب بعدًا سياسيًا أكثر حساسية. فإذا كانت المفاوضات يفترض أن تؤدي إلى تعزيز حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، فإن استهداف مؤسسات الدولة يطرح تناقضًا صارخًا: كيف يمكن مطالبة الدولة اللبنانية بتوسيع حضورها ومسؤولياتها، ثم استهداف بنيتها الإدارية والخدماتية؟
ولهذا جاء الموقف اللبناني الرسمي ليضع هذه الضربات في إطار أوسع من مجرد الرد على نشاط عسكري، باعتبار أن استهداف المؤسسات الرسمية يمس الدولة نفسها.
كفر رمان: أخطر ما في التصعيد هو انتقاله إلى المدنيين
ما جرى في كفر رمان يضيف بعدًا آخر. فالضربة التي استهدفت مبنى سكنيًا وأوقعت ضحايا مدنيين، بحسب التقارير الأولية، تعني أن التصعيد لا يجري فقط على خطوط التماس أو في مناطق يُفترض أنها عسكرية، بل بات يطال النسيج المدني في عمق منطقة النبطية. وقد أفادت تقارير عن سقوط شهداء وجرحى في كفر رمان خلال موجة التصعيد الأخيرة.
وهذا يقود إلى نتيجة سياسية مهمة: كلما اتسعت دائرة الأهداف المدنية، أصبحت العودة إلى مفاوضات هادئة أكثر صعوبة، لا أكثر سهولة، لأن المفاوض اللبناني لا يعود يفاوض فقط على خرائط وانسحابات وترتيبات أمنية، بل يدخل إلى الطاولة محملًا بكلفة بشرية وسياسية متزايدة.
هنا ينبغي التمييز بين أمرين: الأول: أن “إسرائيل” أعلنت أن حزب الله أطلق مسيرتين باتجاه قواتها، وأنها اعتبرت ذلك “خرقًا” وردت عليه بضربات في الجنوب. هذه الرواية نقلتها عدة وسائل إعلام، والثاني: أن تبنِّي حزب الله للعملية لم يثبت علنًا حتى الآن. وهذه نقطة أساسية في القراءة السياسية. فإذا كانت “إسرائيل” تبني سلسلة واسعة من الضربات على حادث عسكري لم يتبنَّه الطرف الآخر، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول تناسب الرد، وحدوده، وأهدافه الحقيقية.
هل الهدف فعلًا الرد على مسيرتين؟ أم أن الحادثة، سواء ثبتت مسؤولية حزب الله عنها أم لم تثبت، تحولت إلى ذريعة لتوسيع بنك الأهداف وإرسال رسالة تفاوضية قبل روما؟ سلوك الميدان يسمح بطرح الاحتمال الثاني بقوة.
“إسرائيل” لا تريد إسقاط التفاوض… لكنها تريد تغيير قواعده
هنا ربما تكمن القراءة الأكثر واقعية. ليس من الضروري أن تكون “إسرائيل” أمام خيارين فقط: إما التفاوض أو الحرب. قد تكون استراتيجيتها هي التفاوض تحت النار، أي إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا، مع الاستمرار في الضغط العسكري إلى أن يصبح الطرف الآخر أكثر استعدادًا لقبول الشروط “الإسرائيلية”.
وهذا ينسجم مع طبيعة المسار الذي شهدته الجولات السابقة، حيث لم يكن الخلاف فقط على مبدأ التفاوض، بل على مضمون الاتفاق وآليات الانسحاب والمناطق التي يفترض أن تنسحب منها “إسرائيل” وشروط الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
ففي الجولة السابقة، كان لبنان يطالب بالبدء بانسحاب “إسرائيلي” من المناطق التجريبية قبل الانتقال إلى بحث ملفات أخرى، بينما بقيت قضايا أساسية عالقة. وبالتالي، فإن استمرار التصعيد يمنح “إسرائيل” فرصة لإعادة تعريف “المنطقة التجريبية” و”الانسحاب” و”الضمانات الأمنية” وفق الوقائع التي تفرضها على الأرض.
الخطر الحقيقي: أن تتحول المفاوضات إلى إدارة للأزمة
هناك فرق كبير بين مفاوضات هدفها تنفيذ اتفاق، ومفاوضات هدفها إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة فقط. في الحالة الأولى، يجب أن نرى خطوات عملية: انسحابًا “إسرائيليًا”، وقفًا للضربات، انتشارًا لبنانيًا، وآلية تحقق واضحة. أما في الحالة الثانية، فسنرى شيئًا مختلفًا: جولة تفاوض، ثم خلاف، ثم جولة جديدة، ثم شروط إضافية، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية. وعندها تصبح المفاوضات أشبه بعملية شراء للوقت وإدارة للصراع. وهذا هو السيناريو الذي يجب أن يحذر منه لبنان. فالمشكلة ليست في طول المفاوضات بحد ذاته، بل في أن يتحول الوقت إلى أداة لتغيير الوقائع الميدانية لمصلحة طرف واحد.
إذا انعقدت الجولة المقبلة في النصف الثاني من أيلول، كما تشير المعطيات الأميركية واللبنانية، فإنها ستكون على الأرجح الأكثر صعوبة منذ بدء هذا المسار. فالمفاوضات ما زالت قائمة سياسيًا، لكن الموعد النهائي لم يثبت لبنانيًا حتى الآن، وستكون أمام الوفد اللبناني مهمة مزدوجة: أولًا، منع تحويل التصعيد “الإسرائيلي” إلى أمر واقع تفاوضي، وثانيًا، منع تحويل أي حادث أمني ــ أيًا كان مصدره ــ إلى ذريعة لإعادة صياغة الاتفاق كله وفق الشروط “الإسرائيلية”.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحًا: الرد على أي خرق لا يمكن أن يتحول إلى رخصة مفتوحة لاستهداف المدنيين أو المؤسسات الرسمية أو المنشآت الصحية.
السيناريو الأول: احتواء التصعيد قبل الجولة:
تتدخل الولايات المتحدة للجم التصعيد، ويتم تثبيت موعد المفاوضات، ويعود الطرفان إلى بحث الانسحاب والمناطق التجريبية. وهذا أفضل السيناريوهات، لكنه يحتاج إلى ضغط أميركي فعلي على “إسرائيل”.
وهذا يبدو الأكثر واقعية إذا استمر الوضع الحالي. تعقد المفاوضات، لكن العمليات العسكرية تستمر بالتوازي. عندها سيحاول كل طرف استخدام الميدان لتحسين شروطه على الطاولة.
السيناريو الثالث: انفجار المسار التفاوضي:
ويحدث إذا توسع التصعيد إلى درجة تجعل عقد الاجتماع سياسيًا شبه مستحيل، أو إذا نفذت “إسرائيل” عملية كبيرة جديدة، أو وقع رد لبناني واسع يخرج الوضع عن السيطرة.
وهذا السيناريو هو الأخطر، لأنه قد يعيد لبنان إلى منطق المواجهة المفتوحة بعد أن كان يحاول نقل الملف إلى المسار الدبلوماسي.
المشهد الحالي لا يقول إن المفاوضات ماتت، لكنه يقول شيئًا أكثر خطورة: إن المفاوضات تدخل مرحلة اختبار حقيقي لجدوى الدبلوماسية نفسها. فإذا كانت “إسرائيل” تريد فعلًا اتفاقًا، فإن عليها أن تثبت ذلك بإجراءات ميدانية، لا بمجرد المشاركة في الاجتماعات.
أما إذا استمرت في القصف، وتدمير المنشآت، واستهداف المناطق السكنية، وفرض وقائع جديدة، ثم دخلت إلى روما بمطالب إضافية، فإن الشكوك حول استخدام المفاوضات لكسب الوقت وتحسين شروطها ستصبح هي الحقيقة.
وفي المقابل، فإن لبنان معنيّ أيضًا بأن لا تتحول المفاوضات إلى رد فعل على كل تطور عسكري، بل إلى مسار واضح له مرجعية وشروط ومهل زمنية وآليات تنفيذ، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فشل جولة روما،الأخطر هو أن تنجح “إسرائيل” في تحويل كل جولة تفاوضية إلى محطة جديدة لرفع سقف مطالبها، بينما يتحول كل يوم إضافي على الأرض إلى مكسب تفاوضي لها. وعندها لن تكون المشكلة أن المفاوضات فشلت، بل أن المفاوضات نفسها تكون قد تحولت إلى جزء من المشكلة.
وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لجدية “إسرائيل” ليس ما ستقوله في روما، بل ما ستفعله في الجنوب قبل أن تصل إلى روما. فهل ستقول الحكومة اللبنانية كلمتها: لن نشارك في أي جولة مفاوضات طالما “إسرائيل” مستمرة بعدوانها!؟




