من كان يزور الشهيدة آمال خليل في منزلها في البيسارية، يروي عن علاقة خاصة جمعتها بنحو خمسين قطة وجدت في هذا المنزل ملجأً لها، بعيداً عن القصف، ومكاناً يوفّر الماء والغذاء. لم تكن هذه القطط بالنسبة إلى خليل مجرد حيوانات تؤويها، إذ كان لكل واحدة منها اسم تعرفه وتحفظه، وكانت تتحدث معها وتشاركها تفاصيل يومياتها، في علاقة عكست مكانة خاصة للحيوانات في حياتها.
هذه العلاقة لم تبدأ مع الحرب. منذ ما قبلها، كانت خليل تسعى إلى مساعدة الحيوانات والاهتمام بها، ومع اشتداد القصف، تعزز هذا الدور، إذ كانت تسارع إلى إنقاذ الحيوانات التي تجدها تحت الركام، في محاولة لإخراجها من الخطر وتأمين ما تحتاج إليه.
ولم تكن الحيوانات وحدها في دائرة اهتمام خليل. فقد كانت لها أيضاً علاقة خاصة بأطفال الجنوب، ووجدت في الاهتمام بهم ومساعدتهم جزءاً أساسياً من حياتها. ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدأ الزميل عمر نشابة يزورها بشكل متواصل، ورافقها في زيارات إلى قرى أمامية في الجنوب. في إحدى تلك الزيارات، روت له خليل كيف دخلت قوات الاحتلال إلى مدرسة الناقورة الرسمية، ثم انسحبت منها بعدما ألحقت أضراراً بالمعدات المدرسية ودمرتها. واقترحت عليه أن يزورا المدرسة، فذهبا معاً والتقيا مديرة المدرسة ليال يوسف. ومنذ ذلك الحين، تحولت الزيارة إلى موعد أسبوعي، إذ كان نشابة وخليل يعودان إلى المدرسة في كل مرة حاملين معهما مستلزمات تنقص مكتبتها واحتياجات أخرى للطلاب، من كتب ودفاتر، إلى طاولات وكراسٍ وتجهيزات وسترات وأحذية.
ومع الوقت، توسعت الزيارات لتشمل مدرستي طلوسة وحولا الرسميتين. وانضم إليهما عدد من الأصدقاء، وشاركوا في المساعدة على تأمين احتياجات المدارس، ومنها الدفايات. وحتى في التفاصيل الصغيرة، كانت آمال حريصة على أن تكون المساعدة ملائمة للأطفال وتمنحهم شيئاً من الفرح، إذ كانت تصر على تأمين سترات ملونة، ولا سيما للبنات، رافضة أن تكون جميع السترات سوداء. آمال التي سخّرت عمرها وجهدها من أجل الأطفال، لم يكن سهلاً أن تنتهي علاقتها بهم باستشهادها. ومن حق هؤلاء الأطفال، كما يقول نشابة، ألّا ينسوا آمال، وألّا يغيب حضورها عن ذاكرتهم.
لذلك، وبعد استشهادها، قرر العمل على مبادرة تحفظ آمال في ذاكرة الأطفال، وتبقي شيئاً من حضورها قريباً منهم. لهذا الغرض، طلب من الفنانة لينا مرهج العمل على كتاب تلوين للأطفال. وبدأ نشابة بجمع صور لآمال، ثم وزعتها مرهج على الفنانين المشاركين، ليستوحي كل واحد منهم رسمة من إحدى الصور. وإلى جانب الرسومات، ترافق الصور قصة كتبها نشابة، الذي يشير فيها إلى أنه لا يعرف كيف يكتب للأطفال، واضعاً نفسه أمام هذا التحدي بهدف إنجاز الكتاب.
وشارك في رسم الكتاب، إلى جانب لينا مرهج، كلّ من: لور ابراهيم، وكيارا زخيا، وديما نشاوي، وسلينا ضاهر، ونور حيدر، وزهراء الجندي، وجنى حامد، وجينا نخلة كولر، وعود أبو النصر ومحمد قريطم.
بدأ العمل على الكتاب قبل أشهر، لكنه تأخر بسبب صعوبة التواصل أحياناً. مع ذلك، اكتمل المشروع ليكون الكتاب مجانياً، ويوزع على أطفال الناقورة. أما باقي النسخ، فأُعطيت لأشقاء آمال، زينب وعلي، لتوزيعها على الأطفال في ضيعتها، وفي المدارس التي ساعدتها خلال الحرب. وبين أيدي الأطفال اليوم كتاب يتضمّن تسع رسومات تستعيد علاقة آمال بالحيوانات، لتبقى في ذاكرتهم ببعدها الإنساني، قبل الصحافي. ورغم أنّ عدد النسخ المطبوعة لا يزال قليلاً، يقول نشابة إن أعداداً جديدة من الكتاب ستُطبع قريباً لتوزيعها، بما يتيح لمبادرة آمال أن تصل إلى مزيد من الأطفال.