لم يكن الإفراج الإسرائيلي عن خمسة مدنيين لبنانيين احتُجزوا في المناطق التي تسيطر عليها قوات العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان مجرد خطوة إنسانية معزولة. فاللافت في هذه العملية أن إسرائيل ربطتها بصورة مباشرة بملف آخر يعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي: ملف اليهود اللبنانيين الذين خُطفوا وقُتلوا، والذين لم تُسلَّم رفات بعضهم إلى عائلاتهم.
وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن إسرائيل وافقت على الإفراج عن المعتقلين بعد أن تبيَّن، إثر التحقيق معهم، أنهم مدنيون وليسوا أعضاء في تنظيمات مسلحة أو متورطين في أعمال إرهابية. وفي المقابل، جاءت الخطوة في سياق جهود لبنانية وإسرائيلية للعثور على رفات قادة وأعضاء في الطائفة اليهودية اللبنانية فُقدوا أو قُتلوا في منتصف الثمانينيات.
من هنا تبدأ أهمية القضية.
نتنياهو يعود أربعين عاماً إلى الوراء
الأكثر إثارة في هذا الملف ليس فقط ربط الأسرى بالرفات، بل الشخص الذي اختار أن يضع هذا الملف في الواجهة: بنيامين نتنياهو.
ففي عام ١٩٨٦، عندما كان نتنياهو سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، وجَّه رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة بشأن اختطاف وقتل يهود لبنانيين، وذكر أسماء عدد من الضحايا والمختطفين، مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك. وتُظهر الوثائق الأممية أن نتنياهو كان بالفعل معنياً مباشرة بهذا الملف في تلك المرحلة.
بل إن الوثائق تكشف أن قضية اليهود اللبنانيين لم تكن بالنسبة إليه ملفاً عابراً ، فقد استخدمها آنذاك في مواجهة لبنان وسوريا، وقدم إسرائيل باعتبارها الجهة التي تدافع عن مواطنين يهود لبنانيين تعرضوا للخطف والقتل.
وبالتالي، عندما يقول مكتب نتنياهو اليوم إن رئيس الوزراء (يتابع هذا الملف منذ عقود، منذ فترة عمله سفيراً لدى الأمم المتحدة)، فإن الأمر لا يتعلق بتاريخ يُستحضر للمناسبة فقط، بل بملف يستطيع نتنياهو أن يربط به شخصياً بين الرجل الذي كانه عام ١٩٨٦ ورئيس الحكومة الذي هو عليه عام ٢٠٢٦.
وهنا تكمن الرسالة السياسية.
نتنياهو يستطيع أن يقول للإسرائيليين: لم أنسَ
إسرائيل ذاهبة إلى انتخابات عامة في ٢٧ تشرين الأول المقبل، ونتنياهو يخوض معركة سياسية صعبة للحفاظ على موقعه. وتشير التقارير الحالية إلى أن المشهد الانتخابي منقسم، وأن تماسك معسكر اليمين سيكون عاملاً أساسياً في بقائه في السلطة.
في هذا السياق، يستطيع نتنياهو أن يقدم القضية للرأي العام الإسرائيلي بصورة شديدة الرمزية: (قبل أربعين عاماً كنت أتابع قضية اليهود الذين خُطفوا وقُتلوا في لبنان، واليوم، وأنا رئيس للحكومة، لم أنسهم.)
هذه الرسالة تتناسب تماماً مع الصورة السياسية التي حاول نتنياهو تكريسها طوال مسيرته: الرجل الذي لا ينسى القتلى الإسرائيليين، ولا يترك ملفات الأسرى والمفقودين، ويعتبر استعادة الجثامين والرفات جزءاً من مسؤولية الدولة الإسرائيلية.
ومن هذه الزاوية، فإن توقيت إحياء الملف قبل أسابيع من الانتخابات ليس تفصيلاً هامشياً.
من الصعب تجاهل أن العملية تأتي في توقيت انتخابي، وأن مكتب نتنياهو نفسه شدد على علاقته الشخصية القديمة بهذا الملف.
إسرائيل لا تستعيد الرفات فقط
الأخطر أن القضية قد لا تتوقف عند الرفات.
فالمعلومات المنشورة عن المفاوضات تشير إلى أن الوفد الإسرائيلي طالب بمعرفة مصير اليهود اللبنانيين الذين اختفوا خلال الحرب الأهلية، وبإعادة رفات من قُتلوا، فيما تحدثت مصادر لبنانية عن بحث إمكانية نقل رفات أشخاص مدفونين في مقابر بيروت وصيدا إلى إسرائيل.
مع وجود حديث إعلامي عن ملفات الأملاك والتعويضات باعتبارها ملفات قد تُفتح لاحقاً.
سياسياً، مجرد فتح الباب أمام هذه الملفات يحمل دلالة كبيرة.
لأن لبنان لا يواجه عندها مطلباً واحداً يتعلق بأشخاص قُتلوا خلال الحرب الأهلية، بل احتمال ظهور سلسلة من المطالب التاريخية: مفقودون، رفات، مقابر، أملاك، وربما تعويضات.
السؤال اللبناني: لماذا الأسرى مقابل الرفات؟
من الناحية الإنسانية، لا يمكن إلا الترحيب بعودة أي لبناني إلى عائلته. والمواطن الذي يُحتجز خارج بلده ويعود إلى أهله هو مكسب إنساني لا ينبغي التقليل منه.
لكن من الناحية السياسية والقانونية، السؤال مختلف:
هل أصبح الإفراج عن مدنيين لبنانيين تحتجزهم إسرائيل ورقة تفاوضية مقابل تقديم لبنان معلومات عن قضية تاريخية؟
هنا تكمن المشكلة.
فالمعتقلون الذين أُفرج عنهم، وفق الإعلان الإسرائيلي، لم يكونوا مقاتلين أو أعضاء في تنظيمات مسلحة. وبالتالي فإن استمرار احتجازهم لم يكن، بحسب الرواية الإسرائيلية نفسها، مرتبطاً بملف أمني يستوجب استمرار الاعتقال.
وعليه، يمكن النظر إلى الإفراج عنهم باعتباره خطوة لبناء الثقة في المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن محاولة إسرائيل تحويل ملف إنساني وقانوني إلى ورقة تفاوضية ضمن مسار أوسع.
وهذا المسار لا ينفصل عن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، والتي تشارك الولايات المتحدة في رعايتها، ولا عن الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة والترتيبات الأمنية في الجنوب.
إسرائيل تعيد كتابة ذاكرتها في لبنان
هناك بعد آخر أكثر عمقاً.
إسرائيل لا تتعامل مع ملف اليهود اللبنانيين باعتباره حادثة جنائية من زمن الحرب الأهلية فقط، بل تحاول إعادة إدخاله في الذاكرة السياسية الإسرائيلية الحالية.
فالوثائق الأممية لعامي ١٩٨٦ و١٩٨٧ تظهر كيف استخدمت إسرائيل آنذاك عمليات خطف وقتل اليهود اللبنانيين أمام الأمم المتحدة، واعتبرت القضية دليلاً على استهداف اليهود بسبب هويتهم.
واليوم، بعد أربعين عاماً، يعاد فتح الملف من البوابة اللبنانية نفسها.
وهكذا يستطيع نتنياهو أن يجمع في خطاب واحد بين الماضي والحاضر: الرجل الذي كان سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة ويتابع قضية اليهود اللبنانيين، والرجل الذي يقود إسرائيل اليوم ويستطيع أن يقول إنه عاد إلى القضية نفسها ولم يغلقها قبل استعادة الرفات.
وهذه مادة انتخابية شديدة القوة في مجتمع يعطي قضايا الأسرى والمفقودين والقتلى الإسرائيليين وزناً عاطفياً وسياسياً كبيراً.
لكن لبنان أمام اختبار دقيق
المطلوب لبنانياً ألا تتحول قضية استعادة رفات مواطنين يهود قُتلوا خلال الحرب الأهلية إلى مدخل لتثبيت رواية سياسية إسرائيلية شاملة عن لبنان.
فاليهود الذين عاشوا في لبنان كانوا، في نهاية المطاف، جزءاً من المجتمع اللبناني، ومن حق عائلاتهم معرفة مصير أبنائهم واستعادة رفاتهم. وهذه مسألة إنسانية ينبغي ألا تكون موضع جدل.
لكن في الوقت نفسه، فإن معالجة هذا الملف يجب ألا تعني تلقائياً فتح ملفات ملكية أو تعويضات أو التزامات سياسية جديدة على الدولة اللبنانية من دون إطار قانوني واضح ومستقل.
والأهم ألا يصبح تحرير اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل مشروطاً، بصورة دائمة، بتنازلات لبنانية في ملفات تاريخية متشعبة.
الإفراج عن خمسة مدنيين لبنانيين هو، في جوهره، تطور إيجابي لعائلاتهم ولملف الأسرى. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية بدأت تدخل منطقة مختلفة: منطقة الملفات التاريخية.
أما نتنياهو، فيملك سبباً إضافياً لاستثمار هذه القضية سياسياً.
فهو لا يحتاج إلى اختراع قصة جديدة ، لديه وثائق أممية تعود إلى عام ١٩٨٦ ، عندما كان سفيراً لدى الأمم المتحدة، تثبت أنه كان يتابع قضية اليهود اللبنانيين بالفعل. واليوم، قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، يستطيع أن يعيد تقديم نفسه للإسرائيليين باعتباره الرجل الذي لم ينسَ قضية بدأت قبل أربعة عقود.
لذلك، فإن المعادلة الحقيقية قد لا تكون ببساطة:
خمسة أسرى مقابل معلومات عن رفات.
بل قد تكون بداية معادلة أكبر:
أسرى ورفات ومفقودون، ثم أملاك وتعويضات، ثم إعادة صياغة لذاكرة الصراع بين لبنان وإسرائيل.
وهنا تحديداً يجب أن يكون لبنان شديد الحذر: أن يستعيد أبناءه، وأن يساعد في كشف مصير المفقودين والضحايا أياً كانت هويتهم، من دون أن يسمح بتحويل الجانب الإنساني من القضية إلى شيك سياسي مفتوح على ملفات لم تكن جزءاً من الاتفاق.