فور إعلان ما يُسمّى بـ”وقف إطلاق النار”، تهافت بعض المسؤولين إلى المناطق الجنوبية التي لم يحتلها العدو، والتي تمكّن أهاليها من العودة إليها، لتتحوّل الزيارات إلى مشهد من الصور التذكارية والتصريحات والوعود الكلامية والخطابية، ولا سيما زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية، حيث التقط الصور وغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية.
لكن، بعيدًا عن عدسات الكاميرات والتصريحات، يبقى السؤال الأبرز: من يسأل عن أوضاع المواطنين الذين عادوا إلى بلداتهم؟ فالوعود التي أطلقها المسؤولون لم تُترجم إلى أفعال، فيما الجنوب لا يحتاج إلى زيارات بروتوكولية أو صور تذكارية، بل إلى دعم حقيقي وميداني يمكّن الأهالي من الصمود في وجه آلة الحرب “الإسرائيلية”، ويؤمّن لهم مقومات البقاء في أرضهم في ظل الظروف القاسية التي يواجهونها.
وفي ظلّ الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن الجنوبي، اتّخذت مؤسسة كهرباء لبنان قرارًا بقطع التيار الكهربائي عن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، بحجة الفواتير غير المحصلة، ما أثار مخاوف المواطنين من انقطاع المياه عن محافظتي الجنوب والنبطية، في ظل غياب أي دعم حكومي لمعالجة المستحقات المتراكمة.
ويأتي هذا القرار رغم القرارات التي سبق أن اتخذتها الحكومة ومجلس النواب بإعفاء مشتركي المياه في أقضية محافظتي الجنوب والنبطية، وهو ما انعكس مباشرة على إيرادات مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، التي تعتمد على الجباية كمصدر أساسي ووحيد لتمويل التزاماتها التشغيلية، ومنها مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان.
وكانت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي قد أصدرت بيانًا قبل قرار مؤسسة كهرباء لبنان، أوضحت فيه أن التعرفة المعتمدة، بالتزامن مع إقرار خطة الطوارئ الوطنية للقطاع، ألغت التعرفات التفضيلية التي كانت مطبقة تاريخيًا على المرافق العامة، ووحّدت التعرفة عند 27 سنتًا أميركيًا لكل كيلوواط ساعة على كامل الاستهلاك، من دون استفادة المؤسسة من الشطر المخفّض البالغ 10 سنتات المعتمد للمشتركين على التوتر المنخفض.
وأشارت المؤسسة إلى أن اعتماد هذه التعرفة تم من دون مراعاة الطبيعة القانونية للمرفق العام، ولا خصوصية المياه باعتبارها سلعة أساسية لا بديل عنها ولا تتمتع بالمرونة في الطلب عليها، في وقت تمثل فيه الطاقة البند الأول في هيكل كلفة تشغيل مرفق المياه، وليس بندًا ثانويًا.
وفي هذا السياق، أوضح مصدر في مؤسسة مياه لبنان الجنوبي لـ”العهد” الإخباري أن المعالجة تبدأ بإجراء مطابقة حسابات لتثبيت قيمة المستحقات وتوزيعها بدقة على السنوات، ومن ثم إجراء مقاصة بين المبالغ المتوجبة على المؤسسة وقيمة الإعفاءات التي أقرتها الدولة للمشتركين ولم يجرِ تعويض المؤسسة عنها.
ولفت المصدر إلى أن المؤسسة، بعد قرارات الحكومة ومجلس النواب بإعفاء المواطنين من مستحقات المياه لسنوات محددة، لم تحصل على أي تعويض مقابل هذه الإعفاءات، فيما تعتمد في تسديد مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان على أموال الجباية، وهي مصدرها المالي الأساسي.
كما طرح المصدر ضرورة أن تتم معالجة الملف بإشراف مؤسسة حكومية أو رسمية ذات اختصاص، أو من خلال جهة أو لجنة نيابية، عبر عقد جلسة تجمع مؤسستي المياه والكهرباء للبحث في آلية احتساب التعرفة، متسائلًا عن سبب استفادة المواطن العادي من الشطر الأول بسعر 10 سنتات، في حين تُحتسب التعرفة على مؤسسة المياه، وهي مؤسسة عامة غير ربحية تقدم خدمة أساسية، بسعر 27 سنتًا للكيلوواط ساعة.
وتزامن ذلك مع صدور مراسيم إعفاء من السلطتين التنفيذية والتشريعية وشملت شرائح واسعة من المشتركين في المحافظتين، فيما اقتُطعت قيمة هذه الإعفاءات مباشرة من الجباية، من دون أن تترافق مع أي آلية لتعويض المؤسسة من الخزينة، أو منحها سلفة أو قرضًا أو دعمًا تشغيليًا، خلافًا لما دأبت الدولة على تقديمه لمؤسسات عامة أخرى.
وللمقارنة، وبحسب تقديرات البنك الدولي، بلغت التحويلات التراكمية من الخزينة إلى قطاع الكهرباء وحده ما يقارب 40 مليار دولار.
وبينما تتجه مؤسسة كهرباء لبنان إلى قطع التيار عن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، يبقى مصير إمدادات المياه في محافظتي الجنوب والنبطية مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على التدخل لمعالجة المستحقات، وموازنة حقوق المؤسسات العامة مع استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، ولا سيما في منطقة لا تزال تواجه ظروفًا استثنائية وأمنيّة صعبة.
خواجة: قطع الكهرباء عن “مياه الجنوب” يهدّد صمود الأهالي
من جهته، استنكر عضو كتلة التنمية والتحرير في البرلمان اللبناني، النائب محمد خواجة، في حديث لموقع “العهد” الإخباري، قرار مؤسسة كهرباء لبنان المتعلق بقطع التيار عن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، معتبرًا أن الظروف الأمنية الاستثنائية التي لا يزال يعيشها الجنوب تفرض استثناء المؤسسة من هذا القرار، حتى في ظل العجز الذي تعانيه مؤسسة كهرباء لبنان.
وأشار إلى أن النازح وابن الجنوب الذي لا يزال يعيش في وضع حرب لا يمكن مطالبته في هذه المرحلة بتسديد فواتير الكهرباء أو المياه، لافتًا إلى أنه حتى لو كان القرار المتخذ يشمل عدة مؤسسات، كان من المفترض استثناء مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، بالنظر إلى طبيعة الظروف الأمنية الصعبة والحرب المستمرة.
وأوضح أن الجنوبي الذي عاد اليوم إلى منزله يعيش في منطقة بمحاذاة الأماكن التي يتواجد فيها العدو، مشيرًا إلى أن وتيرة الحرب قد تكون تراجعت، إلا أنها لم تنتهِ، وبالتالي فإن الأولوية يجب أن تكون لدعم صمود الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم وما تبقى منها، وتأمين الظروف التي تسمح لهم بالبقاء والاستمرار.
وأضاف أن مؤسسة كهرباء لبنان كان يفترض أن تأخذ هذه الظروف في الاعتبار، وأن تدرك في الوقت نفسه أن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي غير قادرة حاليًا على تسديد المستحقات، لأن الجباية من المواطنين شبه متعذرة في ظل الأوضاع القائمة، معتبرًا أن هناك أسبابًا عديدة تجعل تحصيل الفواتير في الجنوب أمرًا بالغ الصعوبة.
ولفت إلى أن القضية لا تقتصر على مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، متسائلًا عمّا إذا كانت جميع الوزارات والإدارات والمؤسسات الرسمية تسدد بدورها ما يتوجب عليها لمؤسسة كهرباء لبنان، وكذلك ما يتعلق بالقوى الأمنية والعسكرية.
وكشف أنه سيعمل على التواصل مع الجهات المعنية لبحث إمكانية استثناء مؤسسة مياه لبنان الجنوبي من القرار، مؤكدًا أن هذا الأمر يجب أن يُعالج حاليًا لمصلحة مياه الجنوب، لأن قطع المياه لا يخدم الصمود، بل يضعفه، في وقت تبذل فيه الجهود لإعادة الحياة الطبيعية إلى المنطقة.
وشدد على أن إعادة الحياة الطبيعية إلى الجنوب تتطلب تأمين المياه أولًا والكهرباء ثانيًا، معلنًا أنه سيحاول التواصل مع المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، لبحث إمكانية منح مؤسسة مياه لبنان الجنوبي استثناءً في هذه المرحلة.
وختم بالتأكيد أن أبناء الجنوب، في الظروف الطبيعية، يدفعون مثلهم مثل أبناء جبل لبنان وبيروت والشمال، مشددًا على أن المطالبة الحالية لا تقوم على رفض مبدأ الدفع، وإنما على طلب استثناء مؤقت تفرضه الظروف الاستثنائية.
وهكذا، يجد المواطن الجنوبي نفسه أمام واقع لا تنفع معه الزيارات والوعود، بل يحتاج إلى خطوات فعلية ودعم ميداني حقيقي يلامس احتياجاته اليومية، ولا سيما في ملفي الكهرباء والمياه، اللذين يشكلان أبسط مقومات الصمود والحياة، فهل تتحرك السلطة؟!