أكثر من نصف تلامذة الصف الأول في لبنان يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الرياضيات، ولا يتقن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلامذة في الصف السادس القسمة. وبينما كان هذا الفاقد التعليمي يتراكم قبل الحرب، جاءت الحرب الأخيرة لتوسّع الفجوة، بعدما حُرم أكثر من 250 ألف تلميذ من التعليم، وحُوّلت نصف المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء.
هذه الأرقام ترسم صورة لجيل مُهدّد بأن يتحوّل فاقده التعليمي إلى خسارة طويلة الأمد، ولا سيما أن تراجع مهارات القراءة والكتابة ينعكس على القدرة على تعلّم سائر المواد، ويرفع مخاطر التسرّب المدرسي وآثاره الاجتماعية والاقتصادية. والأخطر أن تعطيل التعليم لم يحرم الأطفال من حقهم في التعلّم فحسب، بل سلبهم أيضاً إحدى أهم مساحات الحماية والاستقرار والتواصل والدعم النفسي والاجتماعي في زمن الأزمات. لذلك، لم يعد ممكناً تجاهل «التداعيات العميقة والمُقلِقة للحرب والأزمات السابقة على القطاع التعليمي في لبنان»، بحسب ما توصّل إليه تقرير تقييم حالة، صادر في 21 آب الجاري، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، بعنوان «الجيل الضائع: كلفة الحرب والأزمات على تعليم الأطفال في لبنان».
وأزمة التعليم في لبنان ليست وليدة الحرب الأخيرة، بل حصيلة صدمات متراكمة بدأت مع الانهيار الاقتصادي، مروراً بجائحة كورونا وإضرابات المعلمين وعدم الاستقرار السياسي، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في آذار الماضي وعمّقت الأزمة. ووفق التقرير، فإن المشكلة لا تكمن في نقص المعرفة أو غياب الخطط بقدر ما تكمن في «أزمة تنفيذ وترتيب أولويات. ففي حين حُوّلت المدارس بسرعة إلى مراكز إيواء، لم تُنفَّذ تدابير ضمان استمرارية التعلّم. ومع أن وزراة التربية أقرّت استمرارية التعلّم بوصفها أولويّة، لكن على الأرض، كان الوضع مختلفاً تماماً».
الفاقد التعليمي يتوسّع
حتى قبل الحرب، كان الفاقد التعليمي قد بلغ مستويات مُقلِقة. فقد أظهر التقييم التشخيصي الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والإنماء لعامي 2024 و2025 خسارة ثلاثة أيام تعلّم من كل خمسة، وافتقار أكثر من نصف تلامذة الصف الأول إلى المهارات الأساسية في الرياضيات، فيما لم يتمكّن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلامذة في الصف السادس من إتقان القسمة. كذلك، تراجع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى تلامذة الصف السادس بما يعادل أربع سنوات ونصف سنة. وبمعنى أوضح، يتقدّم كثير من الأطفال في مسارهم الدراسي، فيما يبقى أداؤهم الأكاديمي أدنى بعدة مستويات من المستوى المطلوب.
وبدلاً من تعويض الفاقد التعليمي، جاءت الحرب لتزيد تأخّر المستوى التعليمي للطلاب، وتوسّع الفجوة في المهارات الأساسية. و«تكمن خطورة ذلك في أنّ الإلمام بالقراءة والكتابة ليس مجرّد مادّة دراسية منفصلة، بل الأساس الذي تقوم عليه جميع أشكال التعلّم اللاحقة، فالأطفال الذين لا يجيدون القراءة بطلاقة وفهم، يواجهون صعوبة في تعلّم الرياضيات والعلوم وغيرهما من المواد، ما يزيد من خطر عزوفهم عن الدراسة، وضعف تحصيلهم الدراسي، وتسرّبهم من المدرسة في نهاية المطاف»، كما يحذّر التقرير، لافتاً إلى أنّ «تداعيات عدم إجادة القراءة، تتجاوز مجال التعليم، إلى انخفاض الدخل طيلة الحياة بنسبة تصل إلى 70 في المئة، وفق تحذيرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)».
أكثر من نصف الأطفال في مراكز الإيواء لم يلتحقوا بالتعليم الابتدائي
ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة




