بعد أشهر من مواجهة عسكرية فشلت في إخضاع إيران، عاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ليُلقي بما يبدو أنها ورقته الأخيرة في الحرب الهجينة، معلناً، عبر منصّته «تروث سوشال» قبل أيام، تدشين ما سمّاها «العملية الاقتصادية الأكثر سحقاً على الإطلاق ضدّ أيّ دولة»، واصفاً هذه العملية بـ«اليوم الموعود اقتصادياً»، ومتوعّداً إيران بـ«حرب اقتصادية وعزل على نطاق غير مسبوق». كما وجّه ترامب، في المنشور نفسه، إنذاراً صريحاً إلى حلفائه وشركائه، مهدّداً بأن «أيّ دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو كياناتها الحكومية بتوفير أيّ نوع من شريان الحياة لإيران، ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة». وأضاف، في تهديد للدول أو الكيانات التي قد تساهم في مسارات الالتفاف الإيراني على العقوبات الأميركية والغربية، أن «تهريب النفط، خطوط المبادلة، التحويلات النقدية، بيوت الصرافة، سجلّات السفن، الشركات الواجهة، كلّ ذلك يجب أن يتوقف الآن. أنتم تعرفون من أنتم».
وإذ بدا هذا الإعلان بمثابة إقرار ضمني بقصور الخيار العسكري عن تحقيق أهدافه، فهو آذن ببدء مرحلة جديدة عنوانها ابتزاز حلفاء واشنطن من خلال تهديدهم بالعقوبات، وخصومها أيضاً بالتلويح بتشديد العقوبات عليهم، وذلك في محاولة لمحاصرة «الثقوب المالية» التي تستفيد منها إيران – ربّما قبل مواجهة عسكرية لاحقة -. وفيما أجمعت الصحافة الغربية على أن ترامب يلجأ إلى هذه الخطوة لتغطية فشله، فهي رأت أن ما سمّاه الرئيس الأميركي «الإنزال الاقتصادي» سيزيد من معاناة الاقتصاد الإيراني، وسيضاعف الضغط على أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية، مشكّكةً في الوقت نفسه في قدرة هذا «الإنزال» على دفع طهران إلى «الاستسلام». وذهبت تلك القراءات إلى أن الإدارة الأميركية تخاطر بالانزلاق إلى مواجهة معقّدة مع حلفائها وخصومها الكبار في آن؛ ففي ظلّ التناقضات بين الأطراف الدولية، يبدو أن ثمة سيناريوَين لا ثالث لهما: إمّا تطبيق الإجراءات بصرامة وتفجير أزمة سياسية مع الدول التي تتعرّض للابتزاز – ولن تستجيب له بالضرورة -، أو تطبيقها جزئياً وإفقادها بالتالي فاعليتها.
وأتى هذا الإعلان في وقت أثمرت فيه الضغوط الأميركية إعلاناً إماراتياً، الثلاثاء، عن تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران. وكانت أرقام «منظمة التجارة العالمية» والبيانات الرسمية لعام 2024 كشفت أن الإمارات شكّلت «أكبر مصدّر» للواردات الإيرانية، متقدّمةً على الصين، بتوفير أكثر من 30% من إجمالي واردات البلاد – بقيمة 21 مليار دولار -. كما ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن العام نفسه شهد مرور نحو 62% من أصل 9 مليارات دولار عبر حسابات مراسلة تحتفظ بها بنوك أميركية، كانت مرتبطة بنشاط مالي إيراني سرّي، وتلقّتها شركات مقرّها في دبي. ووفقاً للوزارة، فإن شركات مقرّها الإمارات تمتلك أو تدير عدداً كبيراً من ناقلات «أسطول الظل» الإيراني.
فرض العقوبات الثانوية يضع الولايات المتحدة في طريق مواجهة حتمية مع الصين
ووفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، نقل مسؤولون أميركيون إلى نظرائهم الإماراتيين أن «استهداف تدفقات الأموال المرتبطة بـ»الحرس الثوري الإسلامي» قد يكون أشدّ تأثيراً في طهران من الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية». لكنّ المسؤولين في أبو ظبي يدرجون الإجراءات الأخيرة في إطار «تصعيد تدريجي، لا قطيعة شاملة مع طهران»، فيما من المتوقّع أن تتحرك الإمارات «خطوة خطوة، بدءاً من فرض قيود جديدة على الشحن، مع إمكان توسيع الحملة لتشمل كيانات مرتبطة بإيران». وفي هذا الإطار، تلفت الصحيفة إلى خشية صانعي السياسات الخليجيين من أن تضرّ استراتيجية واشنطن بـ«القطاعات الخليجية التي تعتمد على السياحة والتجارة (لا على النفط)، وأن تستفزّ في نهاية المطاف مزيداً من الرد العسكري الإيراني»، مضيفةً أنه من أجل ذلك يريد المسؤولون الإماراتيون إبقاء بعض قنوات الاتصال مع طهران «مفتوحة»، و«الحفاظ على خيار دبلوماسي إذا أخفقت حملة الضغط التي تقودها إدارة ترامب».




