كتبت صحيفة “البناء”: دخلتِ المواجهةُ الأميركيةُ الإيرانيةُ مرحلةً جديدةً مع تلويحِ طهران بالانتقالِ من استراتيجيةِ الصمودِ والاستنزافِ إلى الحربِ الهجوميةِ إذا بقيت شروطُها مرفوضة. فقد قال محمد مخبر، مستشارُ قائدِ الثورةِ الإسلامية، إنّ العدوَّ سيواجهُ في كلّ مرةٍ ينقضُ فيها التزاماتِهِ ويعودُ إلى الحربِ ظروفاً أشدَّ من السابق، وإنّ الاستراتيجيةَ الإيرانيةَ قد تنتقلُ إلى الوضعِ الهجوميّ إذا لم تُنفَّذِ الشروطُ الإيرانية. ولا يعني التصريحُ أنّ قراراً بعمليةٍ عسكريةٍ جديدةٍ قد صدر، لكنّه يرفعُ مستوى الرسالةِ الإيرانيةِ من التحذيرِ بردٍّ أقسى إلى التهديدِ بانتزاعِ زمامِ المبادرةِ وتوسيعِ نطاقِ الأهداف، وإعلاناً صريحاً عن رفضِ التأقلمِ مع حالةِ اللاحربِ واللاسلم، رغمَ التيقّنِ من أهميةِ الإمساكِ بمضيقِ هرمز.
يتزامنُ ذلكَ مع حربِ تصريحاتٍ حولَ مضيقِ هرمز. فبينما يقولُ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب إنّ الولاياتِ المتحدةَ تملكُ «السيطرةَ الكاملة» على المضيق، أعلنَ مقرُّ خاتمِ الأنبياءِ أنّ هرمز لا يزالُ تحتَ الإدارةِ والسيطرةِ الإيرانية، وأن لا سفينةَ تجاريةً أو ناقلةً تستطيعُ العبورَ بأمانٍ من دونِ موافقةِ القواتِ المسلحةِ الإيرانية. وتحسمُ حركةُ الملاحةِ السجالَ لمصلحةِ الروايةِ الإيرانية؛ فقد عبرت ثماني سفنٍ فقط في آخرِ يومٍ أحصتهُ البيانات، مقابلَ 130 إلى 140 سفينةً يومياً قبلَ الحرب، بينما باتَ الممرُّ الإيرانيُّ يستوعبُ نحو 90% من الحركةِ المتبقية، ووصلتِ النسبةُ في أحدِ الأيامِ إلى ثماني سفنٍ عبرَ الممرِّ الإيرانيّ مقابلَ صفر عبرَ الممرِّ العُمانيّ.
وتناقضُ بياناتُ شركةِ «كبلر» المتخصصةِ في تتبعِ السفنِ والحمولاتِ كلامَ وزيرِ الطاقةِ الأميركيّ كريس رايت عن خروجِ نحو تسعةِ ملايين برميلٍ يومياً عبرَ هرمز. فقد سجلتِ الشركةُ 2.77 مليون برميلٍ يومياً في أسبوعِ 27 تموز، ثم 1.74 مليوناً فقط في أسبوعِ 3 آب، وهذا يعني أنّ واشنطن تقدّمُ روايةً سياسيةً عن مضيقٍ مفتوحٍ وتدفقاتٍ متعافية، بينما تقولُ الناقلاتُ إنّ هرمز لا يزالُ شبهَ مغلق.
وبينما لا يوجدُ حتى الآنَ إعلانٌ رسميٌّ عن اتفاقٍ نهائيّ بينَ إيرانَ وعُمان، يبقى المؤكَّدُ بلوغَ التفاوضِ مرحلةً متقدمةً حولَ الإدارةِ المستقبليةِ للملاحةِ والخدماتِ الأمنيةِ والبحريةِ وكُلفَتِها، مع تثبيتِ السيادةِ الإيرانيةِ والعُمانيةِ بوصفِهما دولَتَي شاطئِ المضيق. لكنّ إيرانَ تؤكّدُ أنّ الاتفاقَ الفنيَّ مع مسقط لا يفتحُ هرمز تلقائياً؛ فالفتحُ يبقى مشروطاً بتغييرِ السلوكِ الأميركيّ ورفعِ الحصارِ عن الموانئِ الإيرانيةِ وتنفيذِ الالتزاماتِ الماليةِ والسياسيةِ ووقفِ الحرب.
وفي موازاةِ أزمةِ هرمز، تتسعُ الأسئلةُ داخلَ الولاياتِ المتحدةِ حولَ جاهزيةِ قواتِها وقدرتِها على مواصلةِ حربٍ طويلة. فقد كشفت «واشنطن بوست» أنّ الجيشَ الأميركيّ خسرَ ما لا يقلُّ عن 45 مسيّرةً من طراز MQ-9 ريبر، أي نحو 25% من أسطولِهِ المعلَن، بكلفةٍ محتملةٍ تتجاوزُ 1.3 مليار دولار. وأكّدَ مسؤولونَ أميركيونَ أنّ بعضَها أُسقِطَ بنيرانٍ إيرانيةٍ أو بنيرانِ حلفاءِ طهران، فيما تحطّمت مسيّراتٌ أخرى بعدَ انقطاعِ الاتصالِ بها.
وجاءَ قرارُ استبدالِ حاملةِ الطائراتِ «أبراهام لنكولن» بحاملةِ «جورج واشنطن» ليضيفَ سؤالاً جديداً. فالإعلانُ الأميركيُّ يتحدثُ عن مناوبةٍ مقرّرةٍ بعدَ انتشارٍ تجاوزَ 240 يوماً، لكنّ التقاريرَ تتحدثُ أيضاً عن نقصِ الطعامِ وموادِّ النظافة، وتلوّثِ المياه، وأعطالِ الصرفِ والمراحيضِ والمغاسل، وتراجعِ المعنوياتِ وعملياتِ انتحارٍ بإلقاءِ الجنودِ أنفسِهم في البحر. وعندما تُضافُ هذه الصورةُ إلى حوادثِ «هاري ترومان»، من النيرانِ الصديقةِ إلى الاصطدامِ وفقدانِ المقاتلات، وإلى الحريقِ وأزمةِ الصرفِ الصحيّ التي أصابت «جيرالد فورد»، يصبحُ التكرارُ مؤشراً إلى أزمةٍ بنيويةٍ في الجهوزيةِ والانضباطِ والروحِ القتالية، مع بقاءِ احتمالِ التخريبِ غيرِ المرئيّ فرضيةً قائمة.
وعلى الضفةِ الأخرى من حربِ الممرات، أعلنت حركةُ أنصارِ اللهِ استهدافَ مصفاةِ أرامكو في جازان بمسيّرتين، ردّاً على ما وصفتْهُ بالاعتداءاتِ السعوديةِ وانتهاكِ الأجواءِ اليمنية. ولم تصدرِ الرياضُ تأكيداً رسمياً للإصابة، لكنّ الحدثَ ينقلُ المواجهةَ من تهديدِ السفنِ والموانئِ السعوديةِ في البحرِ الأحمرِ إلى استهدافِ منشآتِ الطاقةِ داخلَ المملكة.
وفي المقابل، استضافت جدة يومَي 12 و13 آب اجتماعَ التخطيطِ الثالثَ للتحالفِ البحريّ الدفاعيّ متعددِ الجنسياتِ بقيادةِ السعودية، لاستكمالِ بنائِهِ المؤسسيّ ووضعِ آلياتِ القيادةِ والتنسيق. وكانت 14 دولةً قد أعلنت دعمَ المبادرةِ من أصلِ 43 دولةً والاتحادِ الأوروبيّ شاركَ ممثلوها في الاجتماعِ التأسيسيّ. وتتمثّلُ المهمةُ المعلنةُ للتحالفِ في حمايةِ الملاحةِ وإمداداتِ الطاقةِ في بابِ المندبِ والبحرِ الأحمرِ وخليجِ عدن. لكنّ الانتقالَ من الدعمِ السياسيّ إلى القدرةِ العملياتيةِ يحتاجُ إلى إعلانِ حجمِ القواتِ والقطعِ البحريةِ وقواعدِ الاشتباك، خصوصاً أنّ تجربةَ اثني عشرَ عاماً من الحربِ تؤكّدُ أنّ التفوقَ في عددِ السفنِ والطائراتِ لا يكفي لحسمِ المواجهةِ مع اليمن.
لبنانياً، عادَ وزيرُ الحربِ الإسرائيليُّ يسرائيل كاتس، بعدَ الاعتراضينِ الأميركيّ واللبنانيّ على إعلانِهِ نيةَ البقاءِ الطويلِ في «المنطقةِ الأمنية»، ليحتميَ بالنصِّ الذي وقّعتهُ الحكومةُ اللبنانية. فقالَ إنّ “إسرائيلَ” لن تغادرَ قبلَ نزعِ سلاحِ حزبِ الله. والحقيقةُ أنّ اتفاقَ الإطارِ لا ينصُّ على انسحابٍ إسرائيليّ كاملٍ ونهائيّ، بل على أنّ الانتهاءَ من نزعِ السلاحِ والتحقّقِ منهُ يجعلُ «إعادةَ الانتشارِ التدريجية» ممكنة. وإعادةُ الانتشارِ ليست انسحاباً، كما أنّ جعلَها ممكنةً لا يعني إلزامَ “إسرائيلَ” بها ولا يحددُ موعداً لتنفيذِها.
اعترضَ رئيسُ الحكومةِ نواف سلام، عن حقٍّ، على التدميرِ المنهجيّ للقرى ومنعِ السكانِ من العودةِ وتعطيلِ إعادةِ الإعمار. لكنّه تجاهلَ أنّ حکومتَه وقّعت اتفاقاً ربطَ القضايا الثلاثَ بنزعِ سلاحِ حزبِ الله واكتمالِ عملياتِ التحقّق. ولو كانَ الانسحابُ وإعادةُ الانتشارِ يحملانِ المعنى نفسَه كما تقولُ الحكومة، لكانَ استخدامُ كلمةِ الانسحابِ أقصرَ وأسهلَ وأوضح. أمّا اختيارُ العبارةِ الملتبسة، مع حذفِ الجدولِ الزمنيّ وتحويلِ إعادةِ الانتشارِ إلى مجرّدِ احتمالٍ مشروط، فقد منحَ كاتس فرصةَ التنمرِ على لبنانَ والاحتماءَ بمكاسبِ اتفاقٍ لم يقرأْهُ رئيسُ الحكومةِ جيداً، أو قرأَهُ وقرّرَ تجاهلَ الخطيئةِ التي ارتكَبَها.
وفيما انجلى غبارُ معركةِ القوانين في ساحةِ النجمة، وطفت الثغراتُ والفخاخُ المخفيةُ في بنودِ قوانينِ الإعلامِ والإعدامِ والعفوِ العامّ وإصلاحِ المصارفِ على سطحِ المصالحِ السياسيةِ والطائفيةِ والحساباتِ الانتخابية، بقيت جبهةُ الجنوبِ أرضاً مفتوحةً للتوحّشِ «الإسرائيليّ» بتدميرِ الحجرِ وقتلِ البشرِ وإعدامِ كلِّ مقوّماتِ الحياةِ بضوءٍ أخضرَ أميركيّ وتواطؤِ السلطةِ التي تُمعِنُ بارتكابِ شتّى أنواعِ الموبقاتِ بالتكافلِ والتضامنِ مع أغلبيّةٍ نيابيةٍ توقّعُ وتصادقُ على القوانينِ من دونِ قراءتِها!
وتسبّبت تصريحاتُ وزيرِ الحربِ “الإسرائيليّ” بإحراجٍ كبيرٍ لرئيسَي الجمهوريةِ والحكومة. ووفقَ معلوماتِ “البناء”، فإنّ عون وسلام استوضحا من السفيرِ الأميركيّ ميشال عيسى أبعادَ كلامِ كاتس والموقفَ الأميركيّ منه، والتشديدَ على أنّ بقاءَ الجيشِ “الإسرائيليّ” في الجنوبِ واستمرارَ الاعتداءاتِ سيعيقُ مسارَ المفاوضاتِ ويضعُ الدولةَ في موقفٍ محرج. وطلب عون وسلام من سفراءِ دولٍ عربيةٍ وغربيةٍ تكثيفَ الضغوطِ الأميركيةِ على “إسرائيل” لوقفِ اعتداءاتِها، والالتزامَ بجهةٍ محايدةٍ وآليةٍ محددةٍ للتحقّقِ من الانسحابِ “الإسرائيليّ” وانتشارِ الجيشِ اللبنانيّ في المناطقِ التجريبية.
إلا أنّ الضغوطَ الأميركية، وفقَ مصادرِ “البناء”، نجحت بثنيِ موقفِ السلطةِ اللبنانيةِ عن مجرّدِ التلويحِ بتجميدِ المفاوضاتِ في روما التي ستنعقدُ مطلعَ أيلول بحضورِ الوفدينِ التفاوضيينِ اللبنانيّ و”الإسرائيليّ”، على أن يُحدَّدَ جدولُ أعمالِ التفاوضِ خلالَ الأسبوعِ الذي يلي تاريخَ التفاوض.
ونفى مسؤولٌ لبنانيٌّ ما وردَ في تقريرٍ بأنّ لبنان اتفقَ مع “إسرائيل” على قائمةٍ مختصرةٍ بالدولِ التي يمكنُها “إرسالُ قواتٍ للتحقّقِ من نزعِ سلاحِ حزبِ الله”، قائلاً: “إنّ بيروت تُتابعُ هذه المسألةَ مع واشنطن”. وأوضح مسؤولٌ لبنانيٌّ لـ “رويترز” أنّه لا يوجدُ اتفاقٌ من هذا القبيل، وأنّ بيروت لا تزالُ تُجري محادثاتٍ مع الولاياتِ المتحدةِ بشأنِ هذه المسألة.
ووفقَ تقديرِ جهاتٍ أمنيةٍ ودبلوماسيةٍ غربية، لا توجيهاتِ من المستوى السياسيّ للجيشِ الإسرائيليّ بالانسحابِ من الجنوب، بل هناك تعليماتٌ للبقاءِ في الخطِّ الأصفرِ بالحدِّ الأدنى لوقتٍ طويل، والاستمرارِ بالعملياتِ العسكريةِ لتدميرٍ كاملٍ لقرى النسقينِ الثاني والثالثِ بعد تدميرِ النسقِ الأول؛ لتكريسِ المنطقةِ العازلةِ وتحويلِها إلى أرضٍ محروقةٍ غيرِ قابلةٍ للحياةِ حتى لو حصلَ اتفاقٌ على وقفِ النارِ وعودةِ النازحين. ولفتت التقديراتُ لـ “البناء” إلى أنّ العملياتِ العسكريةَ “الإسرائيليةَ” ليست ذاتَ طابعٍ أمنيّ وعسكريّ فحسب، بل مشروعٌ حربيٌّ ممنهجٌ ومتدرّجٌ ومتكاملٌ لإعادةِ هندسةٍ جغرافيةٍ وسكانيةٍ وأمنيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ للجنوب، انطلاقاً من عقيدةٍ أمنيةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ لاحتلالِ جنوبِ الليطاني وضمّهِ لاحقاً إلى “إسرائيل”. والأخطرُ وفقَ التقديراتِ أنّ المشروعَ الإسرائيليَّ لا يرتبطُ بفوزِ الليكود والأحزابِ الدينيةِ في الانتخاباتِ المقبلة، ولا ببقاءِ نتنياهو على رأسِ الحكومة، ولا بسلاحِ حزبِ الله، بل بعقيدةٍ أمنيةٍ وخطةٍ استراتيجيةٍ “إسرائيليةٍ” قائمةٍ على تغييرِ الخرائطِ والحدودِ الجيوسياسيةِ مع الدولِ المحيطةِ بـ “إسرائيل” في لبنان وسورية وغزة. مضيفةً أنّ ربطَ “إسرائيل” وقفَ النارِ بالانسحابِ هو الذريعةُ الإعلاميةُ لتبريرِ تطبيقِ مشروعِها الكبيرِ في المنطقة.
وواصلَ جيشُ الاحتلالِ “الإسرائيليّ” تطبيقَ أجندتِهِ التدميرية، ونفّذَ تفجيراً ضخماً في بلدةِ الطيبةِ في قضاءِ مرجعيون جنوبيَّ لبنان. ودخلت جرّافاتٌ “إسرائيليةٌ” إلى بلدةِ بني حيان في قضاءِ مرجعيون جنوبيَّ لبنان، وقامت بجرفِ المنازل، كما نفّذت تفجيراً عنيفاً في البلدة.
وأفادت “الوكالةُ الوطنيةُ للإعلام” عن تفجيراتٍ نفّذَها الجيشُ “الإسرائيليّ” في بلدةِ مجدل زون والأوديةِ المجاورةِ في الجنوب، فيما أفادت قناةُ “المنار” عن تحرّكٍ لقوةِ مشاةٍ إسرائيليةٍ في المنطقةِ الواقعةِ بين بلدتَي عيتا الجبل وبيت ياحون في الجنوب. واستهدفَ قصفٌ مدفعيّ بلدتَي المنصوري وربّ ثلاثين.
سياسياً، استقبلَ رئيسُ الجمهوريةِ جوزاف عون رئيسَ الحكومةِ نواف سلام، وعرضَ معه الأوضاعَ عموماً، وفي الجنوبِ خصوصاً، في ضوءِ استمرارِ الاعتداءاتِ “الإسرائيليةِ” وتدميرِ وتفجيرِ المنازلِ والممتلكاتِ في عددٍ من القرى والبلدات. وتطرّقَ البحثُ إلى زيارةِ رئيسِ مجموعةِ التنسيقِ العسكريّ الخاصةِ بلبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد، كما عرضا المواضيعَ المطروحةَ على جدولِ أعمالِ جلسةِ مجلسِ الوزراءِ التي انعقدت في السرايِ الحكوميّ أمس.
وشدّدَ سلام في مستهلّ الجلسةِ على أنّ عملياتِ التدميرِ المنهجيّ للقرى في الجنوبِ التي تقومُ بها “إسرائيل” تشكّلُ خرقاً لقواعدِ الحربِ وجنيف، واعتبرَ أنّ تصريحاتِ يسرائيل كاتس مرفوضة. وقال سلام: “لا يزايدنّ أحدٌ على وفائِنا للجيش، ومن بابِ حرصِنا عليه كان هدفي عدمَ السماحِ لأيّ تأويلٍ بأنّه على خلافٍ مع أيّ طرفٍ لبنانيّ. أكنّ كلّ احترامٍ وتكريمٍ لوزيرِ الدفاعِ وغيابُهُ لن يطول، فلا أحدَ يصطادُ في الماءِ العكر، فنحن حكومةُ 24 وزيراً، ولسنا 24 حكومةً، وهذا الأمرُ سيُحلّ قريباً”. كما أكّدَ الرئيسُ سلام أنّ الجيشَ هو لجميعِ اللبنانيين.
ولم ينجح انعقادُ مجلسِ الوزراءِ ولا تصريحاتُ سلام الاحتوائيةُ في طيّ الخلافِ بين رئيسِ الحكومةِ ووزيرِ الدفاعِ ميشال منسّى، فيما جاء اعتذارُ الأخيرِ إلى أهالي شهداءِ الجيش، ثم زيارةُ قائدِ الجيشِ إلى اليرزة، ليمنحا الأزمةَ بُعداً يتخطّى حدودَ التباينِ السياسيّ إلى الخلافِ حولَ تفسيرِ الصلاحياتِ الدستوريةِ لرئيسِ الحكومةِ وللوزير.
لكنّ الحدثَ كان في وزارةِ الدفاع، حيث زارَ قائدُ الجيشِ العماد رودولف هيكل على رأسِ وفدٍ ضمّ أعضاءَ المجلسِ العسكريّ وكبارَ ضباطِ قيادةِ الجيش، وزيرَ الدفاعِ وشكرهُ على مواقفهِ الداعمةِ للمؤسسةِ العسكرية، وتقديراً لمواقفهِ تجاهَ شهداءِ الجيشِ وعائلاتِهم. وتوجّهَ العماد هيكل إلى منسّى بالقول: “لم ولن تخذلَ عائلاتِ الشهداءِ أبداً، رفعتَ لنا رأسَنا ورفعتَ رأسَ الجيش”، وذلك تعقيباً على بيانِ وزيرِ الدفاعِ الوطنيّ.
وكان منسّى أصدرَ صباحاً بياناً اعتذرَ فيه من شهداءِ الجيشِ اللبنانيّ وأهاليهم، وقال فيه: “أعتذرُ لأنني وقفتُ أمامَ وجعِكم، ولم أملكْ ما يوازي عظمةَ التضحيات. أعتذرُ لأنّ دماءَ أبنائِكم أمانةٌ في أعناقِنا، ولأنني لم أستطعْ أن أحميَ حقَّهم كما يستحقون، ولم أستطعْ أن أرفعَ صوتَ الجيشِ حين كان يجبُ أن يُسمَع، فصمتَ الكلامُ في مجلسِ النواب”. وختمَ وزيرُ الدفاعِ بيانَهُ بالقول: “لكنني أعدُهم: لن يكونَ الصمتُ قدراً، ولن يكونَ خذلانُ الأمسِ خاتمةَ الحكاية”.
وكشفت مصادرُ نيابيةٌ لـ “البناء” أنّ وزيرَ الدفاعِ ميشال منسّى لم يكُن محصّناً من المرجعِ المحسوبِ عليه بما فيه الكفايةِ لكي يخوضَ معركةَ رفضِ قانونِ العفوِ بصيغتِهِ الحاليةِ حتى النهاية، طالما أنّ أغلبَ الأطرافِ وافقت على الصفقةِ النيابيةِ تحتَ عنوانِ “التوافق الوطنيّ”. وتساءلت: لماذا لم يقِف رئيسُ الجمهوريةِ مع وزيرِه، لا سيما أنّه كان قائداً سابقاً للجيشِ وناشدَ مراراً السلطاتِ السياسيةَ لإنصافِ الجيشِ على كافةِ الصعد؟
وعُلمت “البناء” أنّ عدداً من النوابِ قصدوا رئيسَ الجمهوريةِ لتسجيلِ ملاحظاتِهم على قانونِ العفوِ وشرحوا نتائجَهُ السياسيةَ والقانونيةَ والأمنيةَ والاجتماعيةَ الكارثيةَ على البلادِ بخاصةٍ في ظلّ الظروفِ الراهنة، وتمنّوا على عون ردّ القانونِ لإجراءِ مزيدٍ من الدرسِ والتعديلات، إلا أنّ أجواءَ النوابِ استبعدت أن يقدمَ عون على ردِّ القانونِ لئلا يصطدمَ مع الطائفةِ السنّيةِ ويزيدَ التوترَ مع الحكمِ السوريّ الجديد.
وفي سياقِ ذلك، عُلِمَ أنّ وزيرَ الخارجيةِ السوريّ أسعد الشيباني أجرى اتصالاً برئيسِ الحكومةِ نواف سلام عقبَ إقرارِ قانونِ العفو، مهنئاً وشاكراً له جهودَهُ لإنهاءِ هذا القانونِ وإخلاءِ سبيلِ مئاتٍ من الموقوفينَ الإسلاميين.
ولفتَ مصدرٌ نيابيٌّ لـ “البناء” إلى أنّ الصفقةَ التي هرّبتها الحكومةُ اللبنانيةُ عبرَ الاتفاقيةِ القضائيةِ التي وُقّعت بين نائبِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ طارق متري ووزيرِ العدلِ عادل نصار من جهةٍ وبين السلطاتِ السوريةِ من جهةٍ ثانية، وأُخليَ بموجبِها سبيلُ مئاتٍ من الموقوفينَ الإسلاميينَ السوريين، فتحت شهيةَ الموقوفينَ الإسلاميينَ اللبنانيينَ وأهاليهم وداعميهم في سورية للضغطِ السياسيّ والشعبيّ والطائفيّ لصدورِ قانونِ عفوٍ عنهم.
أما قانونُ الإعلامِ الذي هُرّبَ على عجلٍ من دونِ حتى انتظارِ إطلاعِ النوابِ على بنودهِ والتعديلاتِ عليه، فعلمت “البناء” أنّ الاتحادَ الأوروبيّ ومنظمةَ “الأونيسكو” وسفاراتِ دولٍ غربيةٍ في لبنان ضغطوا على السلطةِ اللبنانيةِ التنفيذيةِ والتشريعيةِ لتمريرِ قانونَي الإعدامِ والإعلام. وأكّدَ أكثرُ من نائبٍ في كتلٍ نيابيةٍ مختلفةٍ لـ “البناء” أنّ أغلبيّةَ النوابِ لم يطلعوا ولم يقرأوا بنودَ قانونِ الإعلامِ الـ 120 ولم يعرفوا بأنّ هناك تعديلاتٍ عليه إلا قبلَ ساعتينِ من انتهاءِ الجلسةِ الصباحيةِ، حيثُ وُزّعت التعديلاتُ على النوابِ للاطلاعِ عليها حتى بدأَ التصويتُ برفعِ الأيدي.
وقالت مصادرُ نقابيةٌ لـ “البناء” إنّ التواصلَ قائمٌ بين لجنةٍ من نقابتَي الصحافةِ والمحررين وعددٍ من النوابِ لتأمينِ عشرةِ أعضاءٍ للطعنِ بقانونِ الإعلام، كما ستزورُ اللجنةُ رئيسَي الجمهوريةِ والمجلسِ النيابيّ لردِّ القانونِ وإعادتهِ إلى اللجانِ للدرس.
وفي سياقِ ذلك، شدّدَ نقيبُ المحرّرينَ جوزيف القصيفي في تصريحٍ على أنّ “قانونَ الإعلامِ عاطل، وهو عار، وكان يجبُ ألّا يُقرّ”. وسألَ القصيفي عن “السرِّ الذي جعلَ هذا القانونَ يمرُّ بهذهِ السرعة”، مشدّداً على أنّ هذا القانونَ هو “إعدامٌ للإعلام”، موضحاً “أنّنا طلبنا من رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون ردّ قانونِ الإعلام”. ولفتَ إلى أنّه “إذا لم يتّحد الصحافيونَ ضدّ قانونِ الإعلام، فإنّ الدورَ سيأتي عليهم”.