أصاب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الهجوم على إيران كثيرين بالصدمة. وقد جاءت هذه الصدمة نتيجة عاملين أساسيين.
الأول، أن اللغة التي استخدمها ترامب في الأيام التي سبقت القرار أوحت بصورة قوية بأن الضربة باتت وشيكة، ما جعل التراجع عنها مفاجئاً.
أما العامل الثاني، فهو أن تعليق الهجوم يعزز الانطباع بأن إيران استطاعت تثبيت موقعها لاعباً فاعلاً ومؤثراً في الإقليم وعلى الساحة الدولية، وأن تجميد الخيار العسكري يمنحها، في هذه المرحلة على الأقل، عناصر قوة إضافية في أي مسار تفاوضي مقبل.
بطبيعة الحال، لن تتوقف الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة عن محاولة الحد من مفاعيل هذه القوة أو تقليصها. ولعل أبرز هذه العناصر يتمثل في ملف الأموال الإيرانية المجمدة.
ومن يتابع مسار التفاوض بين واشنطن وطهران يلاحظ أن القضية الأكثر تعقيداً وحساسية ليست مضيق هرمز، ولا حتى الملف النووي، ولا الساحة اللبنانية، بل ملف الأموال المجمدة.
صحيح أن مضيق هرمز يمثل عنواناً للاقتصاد العالمي، وأن البرنامج النووي يشكل أولوية بالنسبة إلى “إسرائيل”، وأن لبنان يدخل في إطار التزامات إيران واستراتيجيتها الإقليمية، إلا أن الأموال المجمدة، بوصفها إحدى أبرز نتائج منظومة العقوبات المالية التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران منذ عقود، تبقى الملف الأكثر تأثيراً في مجمل مسار التفاوض، لأنه ينعكس بصورة مباشرة على بقية الملفات.
الولايات المتحدة تنظر إلى نفوذها العالمي باعتباره قائماً، ليس على القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً على سيطرتها على العقد المركزية في الاقتصاد والمال العالميين، وهي تعتبر أن هيمنة الدولار، والنظام المالي الدولي، وشبكات التحويلات المصرفية، تشكل أدوات قوة لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والقواعد العسكرية. ومن ثم، فإن أي تراجع في قدرتها على استخدام هذه الأدوات أو فرض إرادتها من خلالها يُعد، من منظورها، مؤشراً إلى تراجع نفوذها البنيوي داخل النظام الدولي.
ولهذا السبب، شكّلت العقوبات المالية أحد الأعمدة الأساسية في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. وقد تناولت هذه المسألة دراسات وكتباً عديدة، من أبرزها كتاب «فن العقوبات» لريتشارد نيفيو؛ أحد المسؤولين الأميركيين الذين شاركوا في تصميم منظومة العقوبات على إيران.
يذهب نيفيو إلى أن العقوبات على إيران مثلت نموذجاً عملياً لفلسفة أميركية تقوم على استخدام القوة الاقتصادية بوصفها مكملاً للقوة العسكرية، وبديلًا منها في كثير من الأحيان أيضاً. ويرى أن التجربة الإيرانية أصبحت نموذجاً يمكن الاستفادة منه في التعامل مع خصوم آخرين، مثل روسيا وكوريا الشمالية.
وبحسب نيفيو، شكّلت إيران مختبراً استراتيجياً أثبت، من وجهة نظره، أن الولايات المتحدة قادرة على توظيف نفوذها المالي العالمي لإجبار خصومها على إعادة النظر في حساباتهم، من خلال التحكم بمستوى “الألم الاقتصادي”، بحيث تشعر الجهة المستهدفة بأن تعديل سلوكها أقل كلفة من مواصلة المواجهة.
إن حصول إيران على أموالها المجمدة أو التي يمكن اعتبارها مسروقة من قبل واشنطن، من شأنه أن يشكل ضربة مباشرة للاستراتيجية الأميركية التي قامت على توظيف العقوبات المالية كأداة رئيسية للضغط والإكراه. كما سيُعد، في نظر كثير من الدول المعادية أو الخصمة لواشنطن مؤشراً على تراجع قدرة الولايات المتحدة على توظيف هيمنتها الاقتصادية لتحقيق أهدافها السياسية، بما ينعكس على مكانتها وهيبتها داخل النظام المالي العالمي.
ماذا يعني أن تستعيد إيران نحو مئة مليار دولار من أموالها؟
يعني ذلك، أولاً، توفير موارد مالية ضخمة تسمح لإيران بتعزيز قوتها الشاملة، من خلال تنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية، وتحسين أوضاعها المالية والنقدية، ورفع قدراتها الدفاعية، فضلاً عن زيادة قدرتها على دعم حلفائها ومساندتهم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
كما أن استعادة هذه الأموال ستُفسَّر بوصفها انتصاراً لدولة لم تتخلَّ، رغم سنوات الحصار والعقوبات، عن مبادئها وخياراتها الاستراتيجية، وتمكنت في نهاية المطاف من استعادة جزء أساسي من حقوقها المالية.
ومن شأن ذلك أيضاً أن يعيد الاعتبار، داخل الولايات المتحدة، إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي نص على رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والذي لم تلتزم به واشنطن. وبرغم ذلك، دأب الرئيس دونالد ترامب على مهاجمة هذا الاتفاق ومهاجمة إدارة باراك أوباما التي وقعته، معتبراً أن تقديم مثل هذه التنازلات لإيران يعكس ضعفاً في الموقف الأميركي.
المعضلة التي تواجه واشنطن تكمن في أن إيران نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ورقة استراتيجية تعوّض جزئياً خسارتها لأدواتها المالية، وتمكّنها من امتلاك عنصر ضغط مقابل العقوبات، ويمنحها قدرة على إحداث نوع من التوازن في مواجهة الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
ومن هنا يمكن فهم الجهود الأميركية الهادفة إلى تقليص فاعلية هذه الورقة؛ فقد توجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى البحرين مباشرة بعد توقيع مذكرة التفاهم، وأصدر بياناً لتشديد الحصار السياسي على إيران.
كما عملت واشنطن على الدفع باتجاه تفعيل ما بات يُعرف بـ”الممر العُماني” في مضيق هرمز، في محاولة لإفقاد إيران قدرتها على التأثير في المضيق.
يهدف هذا المسار إلى وضع دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، وإظهار طهران باعتبارها الطرف الذي يهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
في المقابل، تبدو إيران، في ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب الأخيرة، أكثر تمسكاً بورقة مضيق هرمز، لأنها ترى فيه أحد أهم عناصر الردع التي تملكها، والورقة التي تستطيع من خلالها حماية مصالحها، والدفاع عن حقوقها، والتعويض عن أموالها المسروقة.
في المحصلة، فإن الولايات المتحدة، إذا كانت قد سعت، وفق ما يورده ريتشارد نيفيو في كتاب «فن العقوبات»، إلى تقديم تجربة العقوبات على إيران بوصفها نموذجاً يمكن تعميمه في التعامل مع خصوم آخرين، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن نجاح إيران في الحد من فاعلية هذه الاستراتيجية ومنع واشنطن من تحقيق أهدافها الكاملة سيحوّل التجربة الإيرانية، بدورها، إلى نموذج مضاد، وسيبعث ذلك برسالة إلى كثير من الدول، مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت الفاعلية في استخدام أحد أهم أسلحة الهيمنة التي اعتمدتها طوال العقود الماضية لتوظيف نفوذها المالي والاقتصادي في إدارة الصراعات وفرض إرادتها على الدول.