البيت الذي كان مفتوحاً للجميع: كيف أحرق العدوان ذاكرة ثمانية عقود
مقالات

البيت الذي كان مفتوحاً للجميع: كيف أحرق العدوان ذاكرة ثمانية عقود

25/07/202609:09:15

عندما عاد سعد عبد العزيز الزين إلى دارته في كفررمان، لم يكن يبحث عن الجدران التي بقيت واقفة. كان يبحث عن رسائل والده التي رافقته في سنوات اغترابه، وألبومات الطفولة، ورسومات أولاده الأولى، وصور عائلية لم يكن لها نسخ أخرى، ومخطوطات ووثائق مرّت بين أيدي رجال صنعوا جزءاً من تاريخ هذا البلد. فلم يجد سوى الرماد.

في التاسع من أيار 2026، أصابت غارة إسرائيلية دارة الزين مباشرة، فأسقطت سقوفها وقناطرها الحجرية. وبعد أسبوعين، في الخامس والعشرين من أيار، عادت الطائرات لتستكمل ما بدأته، فأحرقت الحديقة وألحقت أضراراً جسيمة بدارة يوسف الزين المجاورة. لم يكن الاستهداف يطاول حجارةً فقط، بل ذاكرة امتدّت ثمانية عقود. يقول سعد الزين إن «البيوت يمكن أن تُبنى من جديد، أمّا الذاكرة فلا». بالنسبة إليه، لم تكن الخسارة منزلاً، بل «اقتلاع جذور». ومع ذلك، لا يتحدّث عن الدارة بوصفها نهاية، بل بداية جديدة.

منذ الأيام الأولى لعودته، أزال ركام الحديقة، وبدأ يفكر في إعادة بناء البيت واستعادة هويته قدر المستطاع، ليبقى كما كان دائماً مفتوحاً له ولعائلته ولكل من يقصده. لم تكن عبارة «تفضّلوا…أهلاً وسهلاً، البيت بيتكم» مجرد تحية يستقبل بها ضيوفه، بل اختصاراً لفكرة كاملة. فما إن يعبر الزائر البوابة الحجرية حتى يجد نفسه في فضاء يروي تاريخاً: أشجار صنوبر هرمت مع البيت، و«الحاووز» الحجري في قلب الحديقة، وقناطر من الحجر تعلوها أسقف القرميد الأحمر، فيما تبدو الدارة كأنها قطعة من جبل عامل بقيت خارج الزمن.

قصة البيت تعود إلى عام 1945 حين شيّد عبد العزيز الزين المنزل بمحاذاة دارة والده يوسف الزين، التي شكّلت محطة دائمة للحياة السياسية والاجتماعية في الجنوب. بين الدارتين، لم يكن هناك فصل بين العام والخاص، تُناقش شؤون البلاد في الغرف، فيما تعبق الطبقة السفلية برائحة التبغ الذي عاش منه أبناء المنطقة لعقود. حتى العمارة لم تكن ترفاً، بل امتداداً لعلاقة الناس بالأرض؛ سقوف مرتفعة، وحجر صخري، وقرميد يحمي البيت من تقلّبات الفصول. عندما ورث سعد الزين الدارة، لم يرث بيتاً قديماً يحتاج إلى ترميم، بل ذاكرة كاملة. بعد تحرير الجنوب عام 2000، بدأ رحلة طويلة لإعادتها إلى الحياة بعدما أصابها عدوان الاحتلال.

لم تدمّر الحرب منزلاً أثرياً فحسب بل أصابت مكاناً اختزن جانباً من الذاكرة السياسية والاجتماعية والثقافية
أعاد بناء القناطر، ورمّم «الحاووز»، واستعاد ملامح البيت الأصلية، ثم حوّله إلى مساحة تحفظ ذاكرة الجنوب. في غرفه، جمع أدوات المزارعين الذين صنعوا هوية الريف الجنوبي: المناجل، والمعاول، و«المورج»، و«الفدان»، إلى جانب مدفع عثماني وقطع تراثية وأسلحة قديمة. وعلى الجدران، علّق صوراً ووثائق ورسائل وصحفاً ومخطوطات تؤرّخ لعائلة ارتبط اسمها بمحطات سياسية ووطنية، من يوسف الزين إلى عبد العزيز الزين والنائب عبد اللطيف الزين. لم تكن تلك المُقتنيات زينةً لمتحف، بل أرشيفاً لذاكرة الجنوب.

لكن قيمة الدارة لم تكن في مُقتنياتها وحدها، بل في الحياة التي احتضنتها. بقيت أبوابها مفتوحة للندوات والأمسيات الثقافية واللقاءات العامة، وجمعت حول طاولة واحدة رجال دين من طوائف مختلفة، وسياسيين ومثقّفين ومزارعين وشباباً من أبناء البلدة. لم يكن سعد يبحث عن اتفاق بينهم، بل عن مكان يتشاركونه. كان يؤمن بأن البيت الذي يغلق بابه يفقد معناه، وأن التراث لا يُختزل في الحجر، بل في قدرته على جمع الناس.

وحتى «معمل الدخان» أسفل المنزل، رفض أن يتركه شاهداً على مهنة اندثرت. حوّله إلى معرض للمونة الجنوبية، يجمع إنتاج المزارعين ويسعى إلى تسويقه، انطلاقاً من قناعة رافقته دائماً: أن حماية الأرض تبدأ بمن يزرعها ويعيش منها.
وخلف الحديقة، تمتد مقبرة العائلة. كان سعد يبدأ كل زيارة بقراءة الفاتحة عن أرواح والدته وأخيه وأعمامه وعماته وجدّاته، فيما يرقد جدّه في قلب المقبرة. بالنسبة إليه، لم يغادر الراحلون المكان يوماً، بل ظلوا جزءاً من روحه.
ثم جاءت الحرب.

لم تدمّر منزلاً أثرياً فحسب، بل أصابت مكاناً اختزن جانباً من الذاكرة السياسية والاجتماعية والثقافية لكفررمان. سيُعاد بناء البيت، كما يقول صاحبه، لكنّ الرسائل، والصور، والمخطوطات التي احترقت في دقائق، لن يعيدها حجر جديد.

نور حمود – الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24