الحرب على النحل والنحالين: 84 شهيداً وآلاف الخلايا المدمرة
مقالات

الحرب على النحل والنحالين: 84 شهيداً وآلاف الخلايا المدمرة

20/07/202606:18:35

أصابت الحرب الإسرائيلية على لبنان النحالين في أعمالهم وممتلكاتهم، وفي أرواحهم أيضاً. بعدما دمّر العدوان المناحل، استشهد عدد من العاملين في هذا القطاع أثناء محاولتهم الوصول إلى خلاياهم أو إنقاذها.

منذ عام 2024 وحتى اليوم، ارتفع عدد شهداء من النحّالين في جنوب لبنان إلى 84 شهيداً، وفق عضو الهيئة الإدارية في جمعية مزارعي الجنوب محمد حيدر حسن، الذي يؤكد أن «الاستهداف طال نحّالين في مختلف القرى الجنوبية، بينها مجدل زون، عيترون، الناقورة، بنت جبيل، دير الزهراني، شحور، الصرفند وغيرها».

ويشير حسن إلى أن «كثيرًا من الشهداء تجاوزت خبراتهم حدود تربية النحل، إذ كانوا من الخبراء في إنتاج الملكات وتطوير السلالات». ويستذكر أحد نحّالي بلدة جميجمة الذي أمضى أكثر من خمسة وعشرين عاماً في إنتاج ملكات النحل وتوزيعها على مختلف المناطق اللبنانية، قبل أن يستشهد. كما يروي قصة نحّال آخر ورث المهنة عن والده، وكان يعمل أيضاً في إنتاج الملكات، ليستشهد هو، بعدما كان شقيقه وابنه قد استشهدا قبله، وجميعهم كانوا يعتمدون على تربية النحل كمصدر رزق.

تعرض قطاع تربية النحل في الجنوب لشلل شبه كامل

ويؤكد أن «معظم النحّالين استُهدفوا أثناء توجههم إلى مناحلهم لتفقد الخلايا أو إطعام النحل». ويستعيد حادثة أحد النحالين القدامى الذي لاحقته طائرة مسيّرة إسرائيلية من بلدة بيت ليف حتى صربين. وبعد نجاته من الصاروخ الأول، عاد لاحقاً لاستكمال طريقه، قبل أن يُستهدف مجدداً في منطقة «عين الجرب» قرب بلدة السلطانية، حيث استشهد، تاركاً خلفه نحو 240 خلية نحل.

ولا يختلف الواقع الميداني كثيراً عما يصفه رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في صيدا والجنوب محمد صالح، الذي يعتبر أن «قطاع تربية النحل في الجنوب تعرض لشلل شبه كامل». ويقول إن «الحرب لم تترك أثراً على النحل وحده، بل على مجمل البيئة الطبيعية»، مضيفاً: «في كثير من مناطق الجنوب لم يعد هناك نحل، ولا طيور، ولا دواجن، ولا حتى حياة برية كما كانت، حيث دُمّرت المزارع بشكل واسع».

ويلفت صالح إلى أن الأهالي الذين اضطروا إلى النزوح لم يتمكنوا من إنقاذ مواشيهم وحيواناتهم، إذ نفقت أعداد كبيرة منها بعدما تُركت أياماً طويلة من دون رعاية، ما ضاعف حجم الخسائر في القطاعين الزراعي والحيواني.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد أن «الغرفة حاولت مساعدة النحالين ضمن الإمكانات المتاحة، عبر دعم هولندي أتاح توزيع أكثر من عشرة آلاف طرد نحل على المتضررين»، مشيراً إلى أن «إعادة إحياء القطاع كانت ستصبح شبه مستحيلة لولا هذا الدعم الخارجي». لكن المساعدة، بحسب النحالين، بقيت محدودة أمام حجم الكارثة.

في بلدة الشهابية، يعيش النحال مصطفى رشيد نازحاً منذ نحو سنتين، بعدما دمر الاحتلال بلدته مجدل زون، ما أعاق أي محاولة للعودة إليها. هناك، كان رشيد يملك 200 خلية نحل تشكل مصدر الدخل الوحيد لعائلته. قبل أيام فقط، تمكن من الوصول إلى مناحله برفقة الجيش، بعدما فُتحت الطريق إلى المنطقة، ليجدها محترقة بالكامل. يقول رشيد: «من أصل 200 خلية، لم يبقَ سوى 18 خلية فقط، أما البقية فاحترقت بالكامل». ويؤكد أن «العودة إلى العمل ما زالت مستحيلة في ظل استمرار المخاطر الأمنية».

أما النحال محمود شعلان، فاختار المجازفة بدل انتظار الخسارة. ففي الثاني من آذار الماضي، ومع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، كانت خلاياه لا تزال في ذروة موسم الإنتاج على ساحل صور، حيث يقصد معظم نحالي الجنوب هذه المنطقة للاستفادة من «مرعى الربيع» وموسم أزهار الليمون.

وعلى الرغم من المخاطر، اتخذ قرار العودة إلى الجنوب خلال الحرب لإنقاذ مناحله. وعلى أربع مراحل، تمكن من نقل نحو ٨٠ خلية من أصل ١٢٠ إلى منطقة آمنة في شرق صيدا، مستفيداً من فترات الهدوء النسبي، والعواصف الشتوية التي كانت تخفف من حركة الاستهداف.

لكن إنقاذ النحل لم يكن يعني إنقاذ الموسم. فبحسب شعلان، خسر النحالون موسم الربيع بالكامل، وهو الموسم الذي يعوّلون عليه لاسترداد كلفة ستة أشهر من العمل والإنفاق على المناحل. ويقول إن كثيرين استدانوا أو حصلوا على قروض بانتظار بيع إنتاج العسل، إلا أن الحرب أطاحت بكل الحسابات، فلم يتمكن معظمهم من قطف «ولو غراماً واحداً» من العسل.

ويضيف أن الوزارة وعدت بالمساعدة في نقل المناحل إلى مناطق آمنة، إلا أن شيئاً لم يتحقق، ما دفع كثيراً من النحالين إلى اتخاذ قرارات فردية والمخاطرة بحياتهم لإنقاذ ما أمكن.

من أصل 200 خلية، لم يبقَ لأحد النحالين سوى 18 خلية فقط، أما البقية فاحترقت بالكامل

وبعد الهدنة، عاد شعلان لتفقد الخلايا التي بقيت في الجنوب، ليكتشف أن معظمها نفق نتيجة غياب الرعاية طوال أشهر، فلم يبق من ٤٠ خلية سوى نحو ١٠ خلايا فقط.

وفي موازاة الخسائر البشرية والمادية، ترتفع أصوات النحالين احتجاجاً على ما يعتبرونه غياباً كاملاً لوزارة الزراعة عن هذا الملف. يؤكد محمد حيدر حسن أن جميع الاتصالات التي أجرتها الجمعيات والنقابات مع الوزارة لم تؤدِ إلى أي نتائج، فيما لم يحصل أي نحال متضرر على تعويض حتى اليوم، رغم توثيق خسارة آلاف خلايا النحل بالصور والمستندات.

ولهذا، تستعد نقابة النحالين وجمعية النحالين وجمعية مزارعي الجنوب لتنفيذ تحرك أمام وزارة الزراعة في ٢١ من الشهر الجاري، للمطالبة بخطة إنقاذ وتعويض المتضررين، بعدما وجد النحالون أنفسهم، وفق تعبيرهم، وحيدين في مواجهة خسارة أرزاقهم، تماماً كما واجهوا الحرب وحدهم.

زينب عوض – الأخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24