
أخبار لبنان نشر نص مذكرة جنبلاط التي فصّل فيها موقفه من “اتفاق الإطار”.. ماذا جاء فيها؟
08/07/202616:20:43
نشر المجلس المذهبيّ لطائفة الموحّدين الدّروز نصّ المذكّرة التي قدّمها الرئيس السابق للحزب الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط إلى المجلس، خلال الجلسة الاستثنائيّة لهيئته العامّة، التي عُقدت يوم الثلاثاء في 7 تمّوز 2026.
وكان المجلس قد تبنّى مضمون المذكّرة، وأكّد ما ورد فيها، بعدما نشر خلاصة عنها في البيان الإعلاميّ الصادر عقب الجلسة.
“اتفاق الإطار تحول خطير في مقاربة الصراع مع الاحتلال”
وفي المذكّرة، حذّر جنبلاط من أنّ “اتفاق الإطار” الموقّع بين لبنان و”إسرائيل”، برعاية الولايات المتّحدة، يكشف عن تحوّل خطير في مقاربة الصراع اللبنانيّ الإسرائيليّ، إذ لا ينطلق، بحسب رأيه، من أولويّة إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة، بل يعيد تعريف أسباب النزاع، ويربطها بوجود سلاح غير نظاميّ داخل لبنان، وفي مقدّمه سلاح حزب الله.
ورأى أنّ الاتفاق ينقل مركز المشكلة من الاحتلال الإسرائيليّ إلى الداخل اللبنانيّ، ويجعل “انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة مشروطًا بما تعتبره إسرائيل والولايات المتّحدة نجاحًا لبنانيًّا في نزع السلاح وتفكيك البنى العسكريّة”.
انسحاب مشروط وإعادة انتشار تدريجيّة
بعد قراءة بنود الاتفاق الأربعة عشر، اعتبر جنبلاط أنّ أخطر ما يتضمّنه هو عدم فرض التزام فوريّ وواضح على “إسرائيل” بالانسحاب من الأراضي اللبنانيّة، والاكتفاء بالحديث عن “إعادة انتشار تدريجيّة” مرتبطة بالتحقّق من تنفيذ لبنان التزاماته.
وبحسب المذكّرة، يعني ذلك عمليًّا تحويل الاحتلال من خرق للقانون الدوليّ، واتفاقيّة الهدنة الموقّعة عام 1949، والقرار الأمميّ 1701، واتفاق الطائف، إلى ورقة ضغط مشروطة.
كما يتيح هذا الواقع لـ”إسرائيل”، وفق المذكّرة، البقاء في الأراضي اللبنانيّة بذريعة أنّ لبنان لم ينجز نزع سلاح الجماعات المسلّحة، أو لم يثبت قدرته على احتكار القوّة والسلاح.
دور أميركيّ يتجاوز الوساطة
ولفت جنبلاط إلى أنّ الاتفاق يمنح الولايات المتّحدة دورًا يتجاوز الوساطة إلى ما وصفه بـ”الوصاية التنفيذيّة”، من خلال الإشراف على عمليّات التحقّق، وتنسيق الآليّات العسكريّة، وربط المساعدات العسكريّة والاقتصاديّة المقدّمة إلى لبنان بشروط سياسيّة وأمنيّة.
وأشار إلى أنّ إعادة الإعمار تصبح، في هذا السياق، مشروطة بمسار أمنيّ داخليّ، الأمر الذي يحوّل حاجة لبنان إلى النهوض الاقتصاديّ وإعادة بناء مناطقه المتضرّرة إلى أداة ضغط على قراره السياديّ.
وتوقّفت المذكّرة عند البند الثالث عشر المتعلّق بوقف الأعمال العدائيّة أو “المعاكسة” في المحافل السياسيّة والقانونيّة الدوليّة، معتبرةً أنّه من أخطر بنود الاتفاق.
وحذّرت من إمكان استخدام هذا البند لتقييد حقّ لبنان في تقديم الشكاوى ضدّ “إسرائيل”، أو المطالبة بالتعويضات، أو ملاحقة الانتهاكات أمام الأمم المتّحدة والمحافل الدوليّة.
ورأى جنبلاط أنّ الاتفاق، بدلًا من أن يحفظ للبنان حقوقه القانونيّة، يفتح الباب أمام تفسير إسرائيليّ واسع قد يعتبر أيّ تحرّك لبنانيّ ضدّ الاعتداءات عملًا معاديًا أو مخالفًا لروح الاتفاق.
مناطق تجريبيّة تؤدي لتقسيم الجنوب
كما حذّرت المذكّرة من خطورة الحديث، في البند الثالث، عن إنشاء مناطق نموذجيّة أو تجريبيّة، معتبرةً أنّ هذا الطرح قد يؤدّي عمليًّا إلى تقسيم الجنوب إلى مراحل ومناطق أمنيّة خاضعة لآليّات التحقّق.
ويعني ذلك، بحسب المذكّرة، ربط عودة السكّان وإعادة الإعمار بترتيبات ميدانيّة تقرّرها آليّات مشتركة لا يملك لبنان وحده السيطرة عليها.
وأضافت أنّ تزامن هذه الترتيبات مع إنشاء “إسرائيل” بوّابات عبور أو نقاط تحكّم ميدانيّة من شأنه تكريس واقع أمنيّ جديد على الأرض، وتحويل الانسحاب من حقّ لبنانيّ كامل، تكفله قرارات الأمم المتّحدة واتفاقيّة الهدنة، إلى عمليّة مشروطة ومجزّأة ومفتوحة زمنيًّا.
اتفاقيّة الهدنة أكثر حماية للبنان
وفي مقارنة بين “اتفاق الإطار” واتفاقيّة الهدنة اللبنانيّة الإسرائيليّة لعام 1949، رأى جنبلاط أنّ الاتفاقيّة القديمة، على الرغم من مرور عقود على توقيعها، تبدو أكثر حماية للموقع اللبنانيّ؛ فقد انطلقت اتفاقيّة الهدنة من مبدأ وقف الأعمال العسكريّة بين القوّات النظاميّة، واحترام خطّ الهدنة المتطابق مع الحدود الدوليّة بين لبنان وفلسطين، ومنع أيّ عمل عدائيّ أو عبور عسكريّ.
كما نصّت على تشكيل لجنة هدنة مشتركة برئاسة الأمم المتّحدة، وليس برعاية أميركيّة منفردة، ما منحها طابعًا دوليًّا واضحًا.
وشدّدت المذكّرة على أنّ اتفاقيّة الهدنة نصّت على عدم مساس أحكامها بحقوق أيّ من الطرفين، أو مطالبه، أو مواقفه في التسوية النهائيّة.
وبذلك، لم تطلب الاتفاقيّة من لبنان التنازل عن أوراقه السياسيّة أو القانونيّة، ولم تربط أمنه الداخليّ بانسحاب “إسرائيل”، كما لم تجعل استمرار الاحتلال نتيجةً لفشل لبنانيّ داخليّ.
ورأى جنبلاط أنّ الاستناد الواضح إلى اتفاقيّة الهدنة كان سيتيح للبنان التمسّك بإطار قانونيّ يحظر العدوان، ويؤكّد الحدود الدوليّة، غير المذكورة في “اتفاق الإطار”، ويضع الخروقات تحت رقابة الأمم المتّحدة، ويحفظ الحقوق اللبنانيّة.
كما كان من شأن هذا الإطار، بحسب المذكّرة، إلزام “إسرائيل” بالانسحاب غير المشروط، في حين لم يأتِ “اتفاق الإطار” على ذكر الانسحاب بصورة صريحة، بل تحدّث عن إعادة تموضع قوّات الاحتلال.
مقارنة مع اتفاق 17 أيّار
وفي مقارنته باتفاق 17 أيّار 1983، اعتبر جنبلاط أنّ “اتفاق الإطار” الحاليّ لا يقلّ خطورة عنه، بل قد يكون أكثر خطورة في بعض جوانبه، فاتفاق 17 أيّار نصّ صراحةً على إنهاء حالة الحرب، وعلى انسحاب القوّات الإسرائيليّة من لبنان وفق ملحق محدّد، لكنّه تضمّن ترتيبات أمنيّة وتطبيعيّة، وقيودًا على علاقات لبنان العربيّة، ما جعله يُعدّ اتفاقًا يمسّ السيادة اللبنانيّة ويقيّد موقع لبنان الإقليميّ.
أمّا “اتفاق الإطار”، فرأت المذكّرة أنّه يتجنّب أحيانًا استخدام اللغة المباشرة المتعلّقة بالتطبيع، لكنّه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إعادة تشكيل الداخل اللبنانيّ نفسه، وهو، بحسب جنبلاط، لا يكتفي بفرض ترتيبات أمنيّة حدوديّة، بل يطلب تفكيك بنية عسكريّة وسياسيّة داخل لبنان، ويربط المساعدات وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيليّ بنتائج هذا المسار.
وبذلك، يتحوّل الاتفاق إلى تدخّل في بنية الدّولة اللبنانيّة وتوازناتها الداخليّة، بدلًا من أن يكون مجرّد اتفاق أمنيّ مع “إسرائيل”.
كما أشارت المذكّرة إلى أنّ اتفاق 17 أيّار تضمّن التزامات متبادلة نسبيًّا، على الرغم من اختلالها وخطورتها، بينما يمنح “اتفاق الإطار” إسرائيل موقع الطرف الذي يراقب وينتظر ويتحقّق، في حين يتحمّل لبنان وحده عبء التنفيذ الداخليّ.
ورأى جنبلاط أنّ هذا الخلل يجعل الاتفاق الحاليّ أكثر قابليّة للاستخدام من جانب “إسرائيل”، إذ يمكنها، عند مطالبتها دوليًّا بالانسحاب، التذرّع بأنّ الاتفاق ربط هذه الخطوة بنزع السلاح والتحقّق من إنجازها.
معادلة تهدّد السّلم الأهليّ
وخلصت المذكّرة إلى أنّ خطورة “اتفاق الإطار” لا تكمن في بنوده فحسب، بل في الفلسفة التي يقوم عليها، إذ لا يعالج الاحتلال بوصفه سببًا مركزيًّا للنزاع، بل يحوّله إلى نتيجة مرتبطة بالوضع الداخليّ اللبنانيّ.
كما اعتبرت أنّ الاتفاق لا يحفظ حقّ لبنان في مواجهة الانتهاكات بالوسائل القانونيّة والسياسيّة، بل يضع قيودًا فضفاضة على تحرّكه الدوليّ، ولا يعيد الاعتبار إلى اتفاقيّة الهدنة التي وفّرت للبنان حماية قانونيّة أمميّة.
وبدلًا من ذلك، يستبدل الاتفاق، بحسب المذكّرة، الإطار الأمميّ بإطار أميركيّ إسرائيليّ يفتح الباب أمام وصاية أمنيّة وسياسيّة جديدة.
وحذّر جنبلاط من أنّ لبنان قد يجد نفسه أمام معادلة خطيرة، تقوم إمّا على الدخول في مواجهة داخليّة حول السلاح، بما قد يهدّد السّلم الأهليّ، وإمّا على القبول ببقاء الاحتلال والتهجير والاعتداءات تحت عنوان عدم اكتمال شروط التنفيذ.
وفي الحالتين، وفق ما خلصت إليه المذكّرة، تكون “إسرائيل” قد نجحت في تحويل احتلالها من خرق واضح للقانون الدوليّ إلى مسألة تفاوضيّة مرتبطة بالأوضاع الداخليّة اللبنانيّة، وهو ما اعتبرته أخطر نتائج الاتفاق.
الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...