
مقالات “قوموا لله”.. حين تكتب “قبضة المقاومة” فصلاً خالداً في مفاهيم الثورة والشهادة
05/07/202607:41:51
صورة الفتح المبين التي جسّدتها قبضة السيد الشهيد علي الخامنئي التي يحقّ لها أن تختصر سيرة أربعين عاماً من القيادة إلى الشهادة، وأنْ تعيد كتابة معنى الثبات في زمنٍ اعتاد فيه العالم أن يرى الانكسار يتلو القوة، والانبطاح يخلف العنفوان.
تلك الصورة هي قبضة يدٍّ لم تنفتح، حتى في آخر لحظة من حياته الجهادية، حتى وهي تواجه الموت غادراً، فاستشهاد القائد الأمة، لم يترك خلفه خطاباً مكتوباً يُختصر فيه مغزى هذه المرحلة، بل ترك يداً مضمومة، صلبة، شهد عليها خلفه السيد مجتبى الذي فسّرها بأنها البيان الأخير، والوصية التي تمثّل تجسيداً للثبات والصمود في مواجهة الاستكبار العالمي.
ومن رحم هذه القبضة، لا من رحم خطاب أو بيان، ينبثق اليوم سؤال أعمق من مجرّد التاريخ لرحيل رجل بحجم أمة: كيف تتحوّل لحظة تشييع إلى مفهوم سياسي وعقائدي متكامل، يُعيد صياغة العلاقة بين معنى الثورة ومعنى الشهادة، ويفتح أمام مسير نظرة الوداع، من طهران إلى النجف وكربلاء وصولاً إلى مشهد الرضا (ع)، أفقاً جديداً يُختصر في شعارٍ واحد: قوموا لله؟
إنه تشييع يشبه الزلازل في تأثيره، لا لأنه يُسلّم الأمانة إلى بارئها، بل لأنه يمثّل لحظة استعراض تاريخي لحجم الفراغ الذي يتركه رجل شكّل، بموقعه الفقهي والسياسي المزدوج، أحد أعمدة التوازن الإقليمي والدولي في زمن تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع جغرافيا العقائد على نحو؛ نادراً ما يتكرّر في التاريخ المعاصر.
لذا فإنّ أية مقاربة لهذه المحطة تستدعي تجاوز سطحية التوصيف العابر، نحو قراءة تُعيد بناء المشهد من جذوره، بدءاً من نشأة هذا الرجل وتكوينه، مروراً بالأثر الذي تركه في معادلة المنطقة والعالم، وصولاً إلى علاقة إيران مع الجوار العربي والإقليمي وبخاصة العراقي، إذ إنّ مراسيم وداعه التي تحتضنها دوحتَي النجف وكربلاء المقدّستين إلى جانب طهران وقم ومشهد ليست مجرّد بروتوكول ديني لشخصية بحجم السيد الخامنئي، بل محطة فاصلة في تاريخ معاصر يُكتب الآن بحروف الانتصار المقتدر الذي حقّقه محور المقاومة في مواجهتهم الكربلائية أمام أميركا و”إسرائيل”.
إنّ السيد الخامنئي لم يكن مجرّد مسؤول تنفيذي ورث موقعاً سياسياً ودينياً، بل كان نتاج مسار تكوّن في محطات متلاحقة بدأت من رحم نهضة الإمام الخميني في منتصف حزيران/يونيو عام 1963، واستمرت في سنوات السجن والمواجهة مع نظام الشاه قبل الثورة، ثم من خلال سنوات حرب الثمانينيات، حيث كان حضوره في الجبهات جزءاً من تكوينه الشخصي والسياسي معاً، قبل أن يتسلّم موقع القيادة عام 1989 خلفاً للإمام الخميني بعد وفاته، في لحظة انتقال دقيقة كانت تحمل في داخلها أسئلة كبيرة عن قدرة المؤسسة الثورية على الاستمرار بعد رحيل مؤسسها.
وقد أجاب السيد الشهيد الخامنئي عنها عملياً، من خلال أربعة عقود من القيادة التي لم تشهد مثيلاً في أية تجربة سياسية معاصرة في المنطقة، من حيث الاستمرارية والثبات على خطّ واحد، على الرغم من تبدّل الظروف الدولية والإقليمية بشكل جذري في هذه المدة الطويلة.
وما يستحقّ التوقّف عنده بعين الكاتب الموضوعي، بعيداً عن نقيضَي لغة المديح أو لغة التحامل، هو أنّ هذا الرجل أعاد صياغة موقع إيران في النظام الإقليمي والدولي من خلال أداة لم تكن متوافرة بالشكل نفسه لأيّ زعيم إقليمي آخر، وهي الجمع بين الشرعية الفقهية العليا والقرار السياسي التنفيذي.
هذا الجمع الذي يمثّل جوهر نظرية “ولاية الفقيه” كما طوّرها الإمام الخميني ثمّ استمرّ عليها خلفه السيد الخامنئي؛ هو ما جعل من القرارات الكبرى في الملف النووي، وفي العلاقة مع الغرب، وفي دعم حركات المقاومة من لبنان إلى فلسطين إلى اليمن إلى العراق وعديد من الدول والمجتمعات المستضعفة أو التي شهدت احتلالاً غربياً ـــــ صهيونياً، تُصدّر من موقع يصعب مجاراته أو منافسته داخل البنية السياسية الإيرانية نفسها، فكيف بمن هم خارجها؟.
ولعلّ المحطة الأبرز التي يجب أن تُقرأ بعمق، هي محطة لم يُلتفت إليها بالقدر الكافي في كثير من المقاربات التحليلية، هي الخطاب الذي اختاره السيد الخامنئي بشأن القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية للأمة الإسلامية جمعاء، لا قضية عربية محصورة بنطاق ضيّق مناطقي.
فمنذ توليه القيادة، ظلّ الموقف من فلسطين معياراً تُقاس عليه شرعية أيّ تقارب سياسي مع طهران، وهو ما أبقى العاصمة الإيرانية حاضرة بقوة في أيّ نقاش حول مستقبل القضية، حتى من قِبل من يختلف معها سياسياً أو مذهبياً.
وهذا الثبات، الذي امتدّ في خضم تبدّل إدارات أميركية وإسرائيلية متعاقبة وتغيّر موازين القوى الإقليمية عدة مرات، هو ما يفسّر اليوم اتساع دائرة الحداد على رحيله، لتشمل عواصم لم تكن في ظاهر الأمر على علاقة مباشرة بطهران، لكنها كانت حاضرة في خطابه الثابت تجاه فلسطين وما يلامس وجدانها العميق.
أما على الصعيد العراقي، وهنا تكمن الزاوية التي تستحقّ أعمق قدر من التحليل الموضوعي البعيد عن الإنشائية، فإنّ العلاقة بين السيد الخامنئي ومسار الدولة العراقية الحديثة بعد عام 2003، لم تكن علاقة عابرة أو ظرفية، بل كانت جزءاً من نسيج معقّد من التقاطعات والتفاهمات بين الحوزتين العلميتين الكبيرتين في النجف وقم المقدّستين.
فحين واجه العراق تحدّيَ تنظيم “داعــــش” عام 2014، وصدرت فتوى الجهاد الكفائي من المرجعية الدينية متمثّلةً بالسيد علي السيستاني التي شكّلت اللحظة المؤسسة للحشد الشعبي، كان الدعم الذي قدّمته طهران، بمختلف مستوياته، تعبيراً عملياً عن استجابة للفتوى ــــ وهذا يلجم مؤقتاً إشكالية الخلاف بين حوزتَي قم والنجف المقدّستين-، وقراراً لإرادتين عراقية وإيرانية في مواجهة عدو مشترك هدّد استقرار المنطقة بأسرها.
وهذا التاريخ المشترك، بكلّ ما فيه من تعقيد وتقاطعات، لا يخلو من اختلافات في وجهات النظر بين النجف وقم حول طبيعة العلاقة بين الدين والسلطة، هو ما يجعل من تشييع السيد الخامنئي في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة إلى جانب طهران وقم ومشهد المقدّستين، أكثر من مجرّد بروتوكول ديني، بل هو إعلان موضوعي بأنّ مصير العراق وإيران، على مستوى الأمن والاستقرار الإقليمي، أصبح واحداً، ولا يمكن فصل أحد طرفيه عن الآخر من عدّة زوايا للتفكير الإيراني وعقيدته الثورية:
الزاوية الأولى: علاقة الشهيد الخامنئي بمفهوم “الاستمرارية المؤسساتية” بوصفها فلسفة حكم لا مجرّد إجراء انتقالي‘ إذ إنه تسلّم القيادة عام 1989 في لحظة هشّة، عقب رحيل السيد الخميني مباشرة، ولم يكتفِ بإدارة الدولة؛ بل عمل بصبر استراتيجي نادر على ترسيخ بنية مؤسساتية تتجاوز حضوره الشخصي في مجلس خبراء القيادة، حرس الثورة بوصفه ذراعاً عقائدية وعسكرية، المؤسسة الحوزوية. هذه البنى الثلاثية، هي ما تُفسّر اليوم دقة الاختيار والانتقال إلى خليفته (السيد مجتبى الخامنئي) من دون أن تشهد الجمهورية الإسلامية تلك الفجوة التي راهن عليها خصومها لعقود؛ بثبات لا يُقرأ بوصفه جموداً؛ بل من خلال وعي متراكم بأنّ استمرار “الخط الرسالي” أكبر من أيّ فرد، وأنّ المشروع هو (مشروع الدولة) الذي صُمّم أصلاً ليكون أكبر من عمره الشخصي (يرحمه الله).
الزاوية الثانية تتعلّق بالبعد الفقهي للسيد الخامنئي: إذ إنه لم يكن مرشداً أعلى بالتسمية فقط؛ بل فقيهاً له اجتهاداته الخاصة في الفقه السياسي، الذي أعاد فيه صياغة نظرية “ولاية الفقيه” بما يتجاوز الصيغة الكلاسيكية التي طرحها السيد الخميني، ليؤسس لمفهوم يدمج بين الشرعية الدينية والقدرة على المواجهة الفعلية.
وهذا الاجتهاد هو ما أعطى لمدرسته صلابة استثنائية، وبخاصة حين تعرّضت الدولة للاستهداف المباشر في العقوبات الاقتصادية وحربَي الـ 12 يومياً وشهر رمضان؛ لأنّ الطعن في القرار السياسي للنظام لم يكن يجد أرضاً خصبة بسهولة، إذ كان متشابكاً بعمق مع بنية الشرعية الدينية نفسها التي يصعب تفكيكها من الخارج.
في ثالث الزوايا التي تستحقّ قراءة متجدّدة، تلك المتعلّقة بمفهوم “السيادة التقنية”: يصعب فهم صمود إيران أمام موجات متلاحقة من العقوبات من دون العودة إلى القرار الاستراتيجي الذي اتخذه السيد الشهيد منذ التسعينيات بالاستثمار الكثيف في الكفايات المحلية والفرص الاقتصادية المحيطة بجغرافية إيران، في مجالات عديدة من الطاقة إلى الصناعات الدفاعية إلى المنظومات الصاروخية والفضائية والاكتفاء الذاتي من الصناعة والزراعة والموارد الأخرى.
هذا القرار الذي واجه انتقادات بوصفه مكلفاً مالياً لبلد يعيش تحت قيظ الحصار الدولي؛ تحوّل مع تراكم الزمن إلى الضمانة التي مكّنت إيران من خوض حرب الاثني عشر يوماً من موقع الردع لا الخضوع، ثمّ خوض حرب شهر رمضان التي ارتقى فيها السيد شهيداً، من دون أن تنهار البنية الدفاعية التي أسهم في بنائها؛ فالرجل الذي استُهدف واستُشهد في مقرّ إقامته لم تسقط معه منظومة الردع، بل أثبت غيابه المفارقة الأبلغ: أنّ البنية التي صنعها أقوى من قوة الصدمة التي عاشتها إيران فور نبأ استشهاده.
وثمّة زاوية رابعة، تتعلّق بالصورة الشخصية للرجل بمعزل عن السياسة: إذ إنك تشاهد ذلك الزهد العلني في نمط المعيشة في دولة تملك موارد ضخمة، والمتابعة الدقيقة للشأن الثقافي والأدبي، وتشاهد ذلك الخطيب الذي لم يتوقّف عن إلقاء خطب الجمعة ولقاء الشباب حتى في أحلك لحظات الحصار والحرب.
هذه الصورة هي ما جعلت خطابه قادراً على التأثير في شرائح تتجاوز القاعدة السياسية الضيّقة للنظام، لتصل إلى وجدان فئات واسعة في دول الإقليم وشعوبها، ممن وجدوا في خطابه تماسكاً فكرياً نادراً.
أما الزاوية الخامسة فهي الإقليمية والدولية والسياسة الخارجية: إذ لا يمكن لقراءة موضوعية في مسيرة السيد الخامنئي أن تتجاوز دوره المحوري في صياغة السياسة الخارجية الإيرانية طوال أربعة عقود، فقد أدار هذا الملف بعقلية من يرى في (الصبر الاستراتيجي) أداة أكثر فعّالية من الاستعجال السياسي، فبنى علاقات متقدّمة مع موسكو وبيجين وغيرها من دول الأثر والتأثير، لم تكن ارتجالية بل مُحاكاة بدقة متناهية عزّزت من الثقة المتبادلة مع الشركاء الأقوياء والاستراتيجيين، وجعل من إيران شريكاً موثوقاً في معادلة (الشرق الصاعد) أو (الشرق الجديد)، في وقت كانت فيه طهران تحت أقسى أنواع العزلة الغربية.
وعلى صعيد الملف النووي، الذي مثّل لعقدين كاملين محور الصراع بين طهران والغرب، اتّبع السيد الخامنئي نهجاً يصعب اختزاله في خطاب التصعيد أو خطاب التهاون، بل كان أقرب إلى توازن دقيق بين الإصرار على الحقّ السيادي في التخصيب لأغراض سلمية، وبين الانفتاح المشروط على التفاوض كلما رأى أنّ المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، وهو ما تجلّى في مسار الاتفاق النووي عام 2015 وما تلاه من تعقيدات بعد الانسحاب الأميركي منه، إذ ظلّ خطابه ثابتاً على فكرة أنّ التفاوض لا يعني التنازل، وأنّ الصمود في الملف النووي كان جزءاً من معركة أوسع على السيادة الوطنية بأكملها وهذا ما أثبتته نتائج حربَي الـ12 يوماً وشهر رمضان.
أما على صعيد القوة الصاروخية، فإنّ السيد الخامنئي يُعدّ من أبرز من أدرك باكراً أنّ الردع الإقليمي لا يُبنى فقط على القوة الجوية التقليدية التي تفوّقت فيها قوى أخرى تاريخياً، بل على تطوير منظومة صاروخية محلية الصنع، مستقلة عن أيّ توريد خارجي قابل للحظر أو التعطيل، وهو ما جعل من البرنامج الصاروخي الإيراني، على مرّ سنوات من التطوير المتراكم، أحد أهمّ أدوات الردع التي غيّرت موازين القوى في المنطقة، وأرغمت خصوماً إقليميين ودوليين على إعادة حساباتهم العسكرية مراراً. وقد أدار هذا الملف بمنطق من يرى أنّ القوة العسكرية يجب أن تبقى أداة دفاعية رادعة، لا أداة استعراضية، وهو ما انعكس في الخطاب الرسمي الإيراني الذي ظلّ يربط بين تطوير القوة الصاروخية وبين حقّ إيران المشروع في الدفاع عن سيادتها، بمعزل عن أيّ تأويل توسّعي.
وفي الملف الاقتصادي، تبرز عقليته بوضوح أكبر، فقد أدار اقتصاداً وطنياً بأكمله تحت وطأة حصار غربي متصاعد امتدّ لأربعين عاماً، بمنطق “اقتصاد المقاومة” الذي تبنّاه كإطار نظري وعملي معاً، يقوم على تقليل الاعتماد على النفط كمصدر ريعيّ وحيد، وتعزيز الإنتاج المحلي في الصناعات الاستراتيجية، وبناء شبكة تجارية موازية مع شركاء غير غربيين قادرة على تجاوز قيود العقوبات.
وعلى الرغم من صعوبات هذا النهج وتكاليفه الاجتماعية الباهظة على الداخل الإيراني، فإنّ استمرار الدولة الإيرانية بوظائفها الأساسية طوال هذه العقود، من دون انهيار شامل كما توقّع كثير من المحللين الغربيين مراراً، يُحسب لصالح هذه العقلية الإدارية التي جمعت بين الصبر الاستراتيجي وبين رفض الخضوع للضغط الاقتصادي كأداة لانتزاع تنازلات سياسية.
وإذا كان لا بدّ من قراءة استشرافية لوجه إيران المقبل، فإنّ أصدق توصيف لها ليس صيغة سؤال قلق عن المجهول، بل تأكيد لمنطق البناء المؤسساتي الذي صُمّم تحديداً لمواجهة لحظة الفراغ هذه.
فالخلف ـــــ السيد مجتبى الخامنئي ـــــ الذي بُيّع قائداً للثورة الإسلامية، لا يصعد إلى موقع ملغوم بالتحدّيات وحسب، بل يرث منظومة كاملة من حرس الثورة، مجلس الخبراء، البنية الفقهية والعقدية في قم، اقتصاد الثورة، وعقيدية الصبر الاستراتيجي، التي صُمّمت جميعها لتعمل بثبات يتجاوز شخص القائد الواحد، وليُترجم الوعي المتراكم على مرّ ثلاثة عقود من إدارة الأزمات إلى استمرارية فعلية لا إلى ارتجال.
لذا فإنّ الإرث الذي يتركه الخامنئي أكبر من أن يُحصر في خطاب سياسي أو موقف عسكري؛ إنه إرث رجل أعاد تعريف معنى الصمود في وجه أعتى منظومات الضغط الدولي، وجمع بين الفقه والسياسة بطريقة جعلت من الصعب الفصل بينهما، وترك خلفه بنية مؤسساتية مصمّمة لتستمر في غيابه.
ولعلّ أهمّ ما ينبغي أن تخرج به القراءة المنطقية لهذه المحطة التاريخية الفاصلة؛ هو أنّ وداع السيد الخامنئي من العراق، بقدر ما هو إعلانٌ لردّ الجميل لقيادة استثنائية سطع نجمها لأربعة عقود في رابعة الجمهورية الإسلامية، هو أيضاً إعلان ولادة لمرحلة جديدة في العلاقة بين إيران والعراق لا تُبنى على حسابات السياسة العابرة، بل على إدراك متجدّد بأنّ أمن العراق واستقراره مرتبط عضوياً بأمن الجوار الإيراني واستقراره، وبخاصة في مواجهة التحديات الإقليمية المقبلة، والخارطة الجيوسياسية الجديدة التي أفرزتها الحرب على إيران في المنطقة، وبخاصة خارطة التحالفات السياسية والشراكات الإقتصادية البديلة عن الاقتصاد الكلاسيكي، وتغيّر أنماط قوى الردع على وفق موازين المصالح المشتركة.
وبذلك، فإنّ مشهد التشييع هو مساحة تلاقٍ للحزن مع الاحترام، الوفاء مع الذاكرة، والعاطفة مع الوعي، إذ إنّ العراق يمتلك أصالةً تاريخية في تحويل الحزن إلى معنى قيميّ وثوريّ، يبعث على النهوض والصمود بوجه الظلم والاستكبار، ولنا في كربلاء الحسين (عليه السلام) أسوةً حسنة في نمذجة هذه المفاهيم وتخليدها.
وهكذا، فإنّ العالم الذي يترقّب اليوم (مواراة الثرى) لشخصية دينية وسياسية شاملة فريدة من نوعها في واقعنا المعاصر، يقف أيضاً أمام لحظة تأسيسية جديدة، يَكتب فيها التاريخ، من دوحتَي كربلاء والنجف إلى مشهد المقدّسة، فصلاً عراقياً ـــــ إيرانياً مشتركاً، عنوانه “قوموا لله”.
محمد الخزاعي-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...