
مقالات كيف أعفت السلطة اللبنانية العدو من استحقاق الانسحاب؟
01/07/202614:06:00
لم يخف قادة العدو حقيقة أن الهدف من اتفاق الاطار محاولة إعادة صياغة البيئة السياسية التي نشأت بعد التفاهم الأميركي–الإيراني، بما يحد من مفاعيله ويعيد توجيهها بما يخدم المصالح “الإسرائيلية”.
والمسألة بالنسبة إليهم ليست وضع ترتيبات ميدانية أو إنشاء آليات متابعة، وإنما إرساء مرجعية ستتحكم بمستقبل الجنوب اللبناني، بعيدًا عن الاتجاه الذي فرضه التفاهم الأميركي–الإيراني عبر ربط الاستقرار الإقليمي بالحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية وسلامتها بما يعني الانسحاب “الإسرائيلي”.
لذلك، لا يمكن فصل توقيت اتفاق الإطار عن هذا السياق الإقليمي. فقد جاء بعد الحرب مباشرة، وفي مرحلة كانت فيها المفاوضات الأميركية–الإيرانية قد أفضت إلى تفاهمات شملت الملف اللبناني تقضي بوقف العدوان كمقدمة للانسحاب.
وإذا كان هذا المسار يفضي سياسيًا إلى ممارسة ضغوط على “إسرائيل” لإنهاء وجودها العسكري في الأراضي اللبنانية باعتباره أحد أسباب استمرار التوتر، فإن من مصلحة “إسرائيل” إعادة إنتاج إطار سياسي جديد يحول دون تحول هذه التفاهمات إلى التزام عملي يفرض عليها الانسحاب.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اتفاق الإطار بوصفه محاولة استباقية لاحتواء مفاعيل التفاهم الأميركي–الإيراني قبل أن تتحول إلى وقائع سياسية ملزمة.
فبدل أن يكون إنهاء الاحتلال هو الاستحقاق الذي تفرضه التفاهمات الإقليمية، أعاد الاتفاق صياغة المرحلة التالية على قاعدة مختلفة، تجعل أي تغيير في الوجود العسكري “الإسرائيلي” مرتبطًا بجملة من الشروط الأمنية والسياسية التي يفترض أن ينفذها الجانب اللبناني.
وبذلك، لم يعد الاتفاق يدور حول إنهاء الاحتلال بقدر ما أصبح يدور حول إدارة شروط بقائه أو إعادة تنظيمه.
وتبرز هذه المقاربة بصورة أوضح عند التوقف أمام اللغة التي اعتمدها الاتفاق.
فمن اللافت أنه يخلو بصورة كاملة من أي إشارة إلى “الانسحاب”، ويستعيض عنها في جميع مواضعه بتعبير “إعادة الانتشار”.
وليس هذا الاختيار مجرد تفصيل لغوي أو تفضيل اصطلاحي، بل يعكس رؤية سياسية وقانونية مختلفة لطبيعة الوجود “الإسرائيلي” في الأراضي اللبنانية ومستقبله.
فالانسحاب ليس مجرد كلمة، بل يحمل حمولة قانونية وسياسية واضحة، لأنه يعني إنهاء وجود قوة أجنبية على أرض لا تملك حق البقاء فيها، ويكرس مبدأ زوال الاحتلال باعتباره التزامًا واجب التنفيذ.
أما إعادة الانتشار، فهي مفهوم عسكري وأمني مختلف، يفترض استمرار وجود القوة نفسها مع تعديل مواقعها أو حجم انتشارها أو طبيعة تموضعها تبعًا لتقديراتها الأمنية.
وبهذا المعنى، فإن إعادة الانتشار لا تتحدث عن إنهاء الوجود العسكري، وإنما عن إعادة تنظيمه.ومن هنا، فإن تغييب كلمة “الانسحاب” ليس أمرًا عفويًا، ولا سيما في وثيقة يفترض أنها تعالج مستقبل الأراضي التي لا تزال القوات “الإسرائيلية” موجودة فيها.
فلو كان المقصود هو تثبيت التزام واضح بإنهاء الاحتلال، لكان من الطبيعي استخدام المصطلح الذي يحمل هذا المعنى القانوني والسياسي.
أما استبداله بصورة منهجية بمفهوم إعادة الانتشار، فيوحي بأن الاتفاق يتجنب إنشاء أي التزام صريح يفرض على “إسرائيل” مغادرة الأراضي اللبنانية، ويترك مستقبل وجودها العسكري مرتبطًا باعتبارات أمنية تحددها هي.وهنا يلتقي مضمون الاتفاق مع توقيته.
فإذا كان التفاهم الأميركي–الإيراني قد فتح الباب أمام مقاربة تجعل إنهاء الاحتلال جزءًا من تثبيت الاستقرار الإقليمي، فإن اتفاق الإطار يسعى إلى إعادة تعريف هذا المسار من أساسه.
فبدل أن يكون الانسحاب نقطة البداية، تصبح الأولوية لتنفيذ متطلبات أمنية وسياسية داخل لبنان، وفي مقدمتها ما يتصل بسلاح المقاومة ودور الدولة اللبنانية. وهكذا تنتقل القضية من إلزام “إسرائيل” بإنهاء احتلالها إلى إلزام لبنان بتنفيذ شروط تسبق أي تغيير في “الانتشار العسكري الإسرائيلي”.
ويؤدي هذا التحول إلى نقل مركز الثقل السياسي بصورة جوهرية. ففي المقاربة التي تجعل الانسحاب هو الأصل، يقع الضغط السياسي والقانوني على “إسرائيل” باعتبارها القوة المحتلة.
أما في المقاربة التي يعتمدها اتفاق الإطار، فإن مركز الضغط ينتقل تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية، التي تصبح مطالبة بإثبات قدرتها على تنفيذ التزامات أمنية وسياسية قبل أن يصبح أي تعديل في الوجود “الإسرائيلي” ممكنًا.
وبذلك، يتحول الاحتلال من قضية يفترض إنهاؤها إلى ورقة تفاوضية مفتوحة، ترتبط باستمرار بتقدير “إسرائيل” لمدى تحقق شروطها الأمنية.
والقرار النهائي يكون بيد العدو الذي له أن يقرر أن التهديدات الأمنية لا تزال قائمة لأن معيار إعادة انتشار القوات هو أمني.
ولا تقتصر وظيفة هذا التحول على إدارة العلاقة مع لبنان، بل تمتد أيضًا إلى العلاقة مع الولايات المتحدة.
فإذا تعرضت “إسرائيل” لضغوط أميركية لتنفيذ ما قد ينتج عن التفاهم مع إيران، يصبح بإمكانها الاحتجاج بأن وضع قواتها لم يعد خاضعًا للتفاهم الأميركي–الإيراني وحده، بل أصبح محكومًا أيضًا باتفاق إطار يربط أي تغيير في انتشارها بجملة من الالتزامات والشروط الجديدة.
وبهذا المعنى، يوفر الاتفاق لـ”إسرائيل” أداة سياسية وقانونية لإعادة تفسير التفاهم الأميركي–الإيراني، وليس مجرد تطبيقه.
وعليه، فإن خطورة اتفاق الإطار لا تكمن فقط في ما نص عليه، بل أيضًا في ما تجنب النص عليه. فغياب كلمة “الانسحاب” من جميع بنوده، وحلول مفهوم “إعادة الانتشار” محلها بصورة مقصودة، يكشفان عن تصور سياسي لا يعامل إنهاء الاحتلال بوصفه نتيجة حتمية للمسار الجديد، وإنما بوصفه احتمالًا يبقى خاضعًا لمعادلات أمنية تحددها “إسرائيل”.
ومن هنا، يمكن فهم الاتفاق باعتباره محاولة لقطع الطريق على تحول التفاهم الأميركي–الإيراني إلى مرجعية سياسية وقانونية تفرض إنهاء الوجود العسكري “الإسرائيلي” في الأراضي اللبنانية، عبر إنشاء مرجعية بديلة تعيد تعريف القضية كلها: من احتلال ينبغي أن ينتهي، إلى انتشار عسكري لا يتغير إلا عندما ترى “إسرائيل” أن شروطها الأمنية قد تحققت، والجميع يعلم أن التهديدات ستبقى الذريعة التي تبرر فيها احتلالها وهو العنوان الذي بررت من خلاله عمليات التوسع خلال العقود السابقة.
المصدر: العهد (جهاد حيدر)
جاري تحميل الخبر التالي...