كيف سينعكس الفشل الإسرائيلي في جبهتي إيران ولبنان على غزة؟
مقالات

كيف سينعكس الفشل الإسرائيلي في جبهتي إيران ولبنان على غزة؟

27/06/202608:00:22

لم تتوقّف آلة العدوان الإسرائيلي على غزة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ولم تمنع المواجهة العسكرية على الجبهتين الإيرانية واللبنانية من مواصلة الاحتلال الإسرائيلي لسياسة الاغتيالات، والاستهداف العشوائي والمتعمّد للمدنيين، وقتل ما يزيد عن ألف شهيد فلسطيني، خلال الأشهر الثمانية الأخيرة، بينما التزم الطرف الفلسطيني بالاتفاق وتجنّب الردّ على العدوان، في مسعى منه لمنع عودة حرب الإبادة، والتهجير.

أثناء اندلاع الحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، اكتفت “إسرائيل” بسياسة العدوان المركّز على غزة، ولجأت إلى القضم التدريجي والمتواصل للأراضي التي لا تسيطر عليها بحسب اتفاق وقف إطلاق النار، ووسّعت احتلالها لما يقرب من 70% من قطاع غزة وحشرت نحو 2 مليون فلسطيني في شريط ساحلي ضيّق لا يتجاوز  150 كلم٢، وحرمتهم من الحدّ الأدنى من حقوقهم الإنسانية، بيد أنّ المستوى السياسي الإسرائيلي امتنع حتى الآن من اتخاذ قرار بعودة الحرب بالشكل والأسلوب والمستوى الذي كانت عليه قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بيد أنّ التهديد بعودة الحرب على غزة لم يتوقّف، وتزايد بشكل لافت بعد توقيع مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة.

لم يخفِ الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وأوساط اليمين الإسرائيلي غضبهم من الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب بسبب الاتفاق مع إيران، والذي أبرم من فوق رأس بنيامين نتنياهو وحكومته، وسارعت المعارضة الإسرائيلية إلى استغلال الاتفاق لتوجيه انتقادات لاذعة لنتنياهو، وحمّلته الفشل الاستراتيجي الذي منيت به “إسرائيل” بسبب عدم قدرة نتنياهو على تحويل ما أسموه بالإنجاز العسكري على جبهات المواجهة مع محور المقاومة إلى إنجاز سياسي، بسبب رغبة نتنياهو في استمرار الحرب إلى ما لا نهاية لدوافع حزبية وشخصية، الأمر الذي انعكس على توجّهات الرأي العامّ الإسرائيلي، وأظهرت استطلاعات الرأي مؤشّرات على تراجع شعبية نتنياهو وتراجع عدد المقاعد التي سيحصل عليها ائتلافه الحاكم في الانتخابات المقبلة.

تتأثّر السياسة الإسرائيلية تجاه غزة في المرحلة المقبلة بعدد من المحدّدات:

أولاً: موقف المستوى العسكري

تتفق قيادة “جيش” الاحتلال الإسرائيلي وأذرعها المختلفة، على عدم التخلّي عن السيطرة الأمنية على قطاع غزة، والعمل ضمن سياسة منع التهديد وإزالته قبل تحوّله إلى تهديد، ما دفعها لعدم الالتزام بوقف إطلاق النار تحت ذريعة القضاء على عناصر التهديد، وترى القيادة العسكرية أنّ قدرات المقاومة في غزة تراجعت بشكل ملحوظ، بيد أنها تسعى للتعافي، من خلال تجنيد عناصر جديدة، وتدريبها، وتسليحها، وتعتقد أنّ مهمة القضاء على المقاومة في غزة لم تستكمل في ضوء رفضها “نزع السلاح”، وترى أنّ هذا الرفض يمنحها شرعيّة العودة إلى الحرب، كما أنّ المستوى العسكري، ولا سيما قيادة المنطقة الجنوبية، ترى أنّ الحسم العسكري مع المقاومة في غزة يجب أن ينتهي باخضاع كامل للطرف الفلسطيني، ويعتقد أنّ لديها خططاً عدوانية على المنطقة الوسطى في غزة التي لم تتوغّل فيها برياً، ولم تستكمل عدوانها على مدينة غزة بحسب خطتها العسكرية قبل وقف إطلاق النار، وتعتقد الأوساط العسكرية أنّ المهمة في غزة ستكون أكثر سهولة في حال استؤنف القتال بسبب خلو غزة من الأسرى الإسرائيليين، واغتيال عدد كبير من كوادر المقاومة.

إنّ موقف المستوى العسكري تجاه غزة لا ينفصل عن التغييرات والتعيينات للمواقع القيادية والتي تمّت تحت تأثير مباشر من نتنياهو ووزير أمنه إسرائيل كاتس والتي لا تخلو من الاعتبارات السياسية.

ثانياً: موقف الائتلاف الحاكم وتيار اليمين المتطرّف

تمثّل التوجّهات الأيدلوجية لليمين الإسرائيلي المتطرّف عاملاً رئيسياً في صناعة القرار الإسرائيلي، في ضوء ما يعتبره اليمين فرصة تاريخية نادرة لتحقيق طموحاته وخططه لحسم الصراع مع الفلسطينيين على وجه التحديد، والهيمنة على الشرق الأوسط، والقضاء على التهديدات الخارجية، وترى الأحزاب اليمينية المتطرفة أنّ هدفها الاستراتيجي لم يتحقّق بالكامل في غزة، والمتمثّل في تهجير نحو مليون فلسطيني على الأقل والاستيطان في غزة وفرض حكم عسكري إسرائيلي، ومن أجل استكمال هذا المخطط واقتراب نهاية ولايتها الحكومية، تدفع أحزاب اليمين المتطرّف وتياره وقواعده الانتخابية نحو استئناف الحرب على غزة.

ثالثاً: موقف نتنياهو

موقف نتنياهو تجاه قطاع غزة يبنى على عدد من الاعتبارات الداخلية والخارجية وتقديره للفوائد التي يمكن أن يجنيها من عودة الحرب على غزة، لا سيما في ضوء فشله في “مشروعه الخاص” بالقضاء على التهديد الإيراني “الوجودي”، وفشله في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استئناف الحرب على إيران، وعدم التوصّل إلى اتفاق معها، وفشله في فصل الجبهات، بعدما فرضت إيران ربط الجبهات في الاتفاق مع الولايات المتحدة وتحديداً الجبهة اللبنانية، إلى جانب الاستحقاقات التي سيضطر لدفعها على صعيد وقف إطلاق النار في لبنان والانسحاب من الأراضي التي احتلّها، الأمر الذي انعكس على شعبية نتنياهو وتراجع حزبه في استطلاعات الرأي العامّ، كما أنّ تراجع مستوى التقارب بين نتنياهو وترامب والانتقادات المتبادلة بين حلفاء نتنياهو ونائب الرئيس الأميركي فانس تؤثّر على الناخب الإسرائيلي الذي لا يرغب في غالبيته الخلاف مع الإدارة الأميركية، وكان نتنياهو يراهن على أنّ علاقته الودّية والحميمية مع ترامب ستشكّل رافعة له في الانتخابات المقبلة، وعاملاً في إنقاذه من المحاكمة.

تراجع شعبية نتنياهو وتياره، وسعيهم لرفع رصيد مقاعد الائتلاف الحاكم وتخطّي عتبة الـ 61 مقعداً في الكنيست المقبلة، وفشلهم على الجبهتين الإيرانية واللبنانية وتوجّهات أحزاب اليمين المتطرّف وموقف المستوى العسكري كلّها عوامل تدفعه باتجاه استئناف القتال في غزة.

رابعاً: الموقف الأميركي

تتأثّر المقاربة الأميركية تجاه غزة بعدة عوامل:

– الاتجاه العامّ لدول منطقة الشرق الأوسط باستثناء “إسرائيل”، تدفع نحو إخماد الحرائق وليس إشعالها، في ضوء التداعيات التي خلّفتها الحرب على إيران، على الصعيد الاقتصادي، وخطر الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، وترى أنّ  المسار التفاوضي والدبلوماسي هو المسار الصحيح الذي سيفضي لوقف الحرب على الجبهات كافة بما فيها غزة، وأنّ العودة إلى الحرب على غزة ستؤثر بشكل مباشر على مسار المفاوضات مع إيران ويمكن أن تعيد الصراع إلى المربّع الأول.

– المخاوف الأميركية من انعكاسات استئناف الحرب على غزة على الاتفاق مع إيران، في ضوء الخشية من مزيد من التورّط والانجرار إلى حرب طويلة مع إيران وحلفائها، وارتفاع مستوى المعارضة الداخلية الأميركية للحرب، إلى جانب المؤثرات على الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد التراجع الحاد في شعبيته، والمخاوف من خسارة حزبه الانتخابات النصفية المقبلة.

– الموقف الشخصي للرئيس ترامب الذي تفاخر بإنجازه الدبلوماسي الوحيد تقريباً بانهاء الحرب على غزة وتشكيل مجلس سلام برئاسته، وأنّ أيّ اخفاق سيعتبر انتكاسة للدبلوماسية الأميركية بقيادته، كما أنّ تصريحات ترامب تؤكّد أنّ غزة لم تعد تشكّل تهديداً على “إسرائيل”، ما يشير إلى عدم منح الأخيرة الضوء الأخضر لاستئناف الحرب مجدّداً، كما أنّ آخر ما يرغب به ترامب قبيل الانتخابات النصفية مشاهد القتل والدمار والجوع في غزة التي ستنشر على نطاق واسع عبر منصات المعارضة الأميركية، وستؤدّي إلى تراجع فرص حزبه في الفوز في الانتخابات النصفية المقبلة.

– إلى جانب الاعتبارات الأميركية تدفع دول العالم كافة باستثناء “إسرائيل” للبدء بخطوات تطفئ حرائق الحروب، فالعالم سئم الحرب لما لها من انعكاسات على الاقتصاد والاستقرار والأمن الدولي، ويرى أنه يجب منح الدبلوماسية فرصة لتسوية النزاعات، من أجل مصالحها أولاً واستجابة للرغبة الشعبية الرافضة للحروب.

– المقاربة الوحيدة التي قد تدفع ترمب لمنح نتنياهو الضوء الأخضر لشنّ حرب على غزة، هي نجاح الضغوط من التيار المتحالف مع “إسرائيل” داخل الحزب الجمهوري، والذي لا يزال يملك المال وعدداً من منصات الإعلام، في دفع ترمب لتعويض نتنياهو بعد الاتفاق مع إيران وإجباره على وقف إطلاق النار مع لبنان، بمنحه الضوء الأخضر لشنّ عدوان واسع على غزة، وكما نجح نتنياهو والتيار المؤيّد له داخل الحزب الجمهوري في دفع ترامب للدخول في حربين على إيران، قد ينجحون مجدّداً في غزة.

في ضوء مواقف مختلف الأطراف، لا يبدو أن المشهد الحالي في غزة سيشهد استقراراً على الصعيد الميداني والإنساني، ولا سيما أنّ نتنياهو غير معنيّ بتهدئة ولا بتسوية قبيل الانتخابات الإسرائيلية نهاية أكتوبر الجاري، ولا سيما في ضوء فشله على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، ولا يمكن استبعاد سيناريو عودة حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والعمل على فرض الرؤية الإسرائيلية الأمنية والسياسية في غزة، وذلك بهدف تعويض فشله في منع الاتفاق الإيراني الأميركي وتحسين رصيده الانتخابي، وإرضاء الائتلاف اليميني الحاكم، بيد أنّ العامل الوحيد القادر على كبح العدوان الإسرائيلي مجدّداً على غزة هو دونالد ترامب، ورغبته في مزيد من الاستقرار في المنطقة، بيد أنّ ترمب قد يرضخ لاسترضاء اليمين الجمهوري الأميركي الداعم لـ”إسرائيل”، الرافض لمسار الاتفاق مع إيران، ويغضّ الطرف عن عدوان جديد على غزة، تحت حجج رفض الطرف الفلسطيني نزع سلاحه.

وسام ابو شمالة-الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24