
مقالات معركة “فصل الساحات” تكرّس وحدتها: ركع العدو وانتصرت إيران!
17/06/202608:45:43
ركع العدوّ. تمامًا كما قال الإمام الشهيد القائد السيّد علي الخامنئي قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب على إيران.
بقيت إيران واقفة وانهار كلّ من خطّطوا ضدّها بالنفط وبالأمن وبالعسكر، تمامًا كما قال سيّد شهداء الأمّة السيّد حسن نصر الله.
انتصرت إيران، ومعها محور المقاومة، ضدّ الاستكبار، لا في المنطقة فقط، بل في كلّ العالم، انتصار الدّم على السّيف.
انتصرت إيران وكرّست مبدأ وحدة الساحات، بالسلاح وبالدبلوماسية في الحرب التي خاضها الأميركي-“الإسرائيلي” واضعًا على رأس أهدافها فصل الساحات في محور المقاومة، والفصل بين الجمهورية الإسلامية في إيران كقوّة تدعم وتساند وتواجه وتصمد وبين حركات المقاومة في المنطقة.
بند لبنان الذي فرضته إيران في ورقة التفاهم بكلّ قوّة، رغم التنازلات الأميركية التي عُرضت عليها مقابل التخلّي عنه، ورغم كلّ التهديدات التي تعرّضت لها بسبب تمسّكها به، أفهم العالم أجمع أنّ محور المقاومة غير قابل للتفكك، وأكثر من ذلك، سعى ترامب ونتنياهو بالتكافل والتضامن كلّ سعيهما لفصل الملف اللبناني عن طاولة المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فبلغا مرحلة تضاربت فيها مصالحهما، بحيث بات الأميركي يدرك ومعه العالم أنّ كلفة حماية “إسرائيل” لم تعد تُحتمل وهي أكثر بكثير ممّا يمكن الحصول عليه أو كسبه بالمحافظة عليها.
بكلام آخر، دخلا معًا المعركة ليفككا ساحات المحور، فتعارضت مصالحهما، ووجد نتنياهو ومعه كلّ كيان الاحتلال نفسه وحيدًا في مأزق غير مسبوق: يضرب الضاحية كي يعطّل الاتفاق، فتصبح الضربة بابًا لتنازل أميركي جديد، على حساب “إسرائيل” وسبيلًا إلى تسريع المضيّ نحو ورقة التفاهم. وفيما تتراصف جميع دول العالم للثناء على ورقة التفاهم التي قد تؤدي إلى استقرار في المنطقة، يصمت نتنياهو لساعات تحصيها منصّات الإعلام العبري ومعها سيل من التقريع، وتجد “إسرائيل” نفسها وحيدة، للمرّة الأولى، بلا سند!
انتصرت إيران، وشهد العالم كلّه هذا النّصر بعينين جاحظتين، غير مدركتين تمامًا كيف يمكن لدولة محاصرة منذ ما يقارب الأربعين سنة أن تكسب حربًا بدأت باغتيال قادتها ورؤوس نظامها، وأن تكسب جولات دبلوماسية من دون تنازل عن حقوقها، بل بفرض بنود كان مجرّد الحديث عنها قبل أشهر يُعدّ بالنسبة للكثيرين ضربًا من الأحلام!
انتصرت إيران، بالشكل الذي جعل الأميركي المعتدي يعجز عن تحقيق أيّ هدف من أهدافه المعلنة للحرب، ليخرج ذليلًا وهو يكرّر عبر أحمق بيته الأبيض أنّه تمكّن من منع إيران من صناعة سلاح نوويّ، وهو أمر لم يكن أصلًا من ضمن خطّة إيران النووية، أي ببساطة منعهم من شيء لا يريدون صنعه أصلًا، ولو أرادوا لصنعوه، وأنّه تمكّن أيضًا من فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، أي تمكّن من تحقيق أمر كان محقّقًا بالأصل.
لقد دخل الأميركي المنطقة واستهدف إيران في سبيل “تغيير الشرق الأوسط”، وقد تغيّر فعلًا، لكن مع اختلاف جوهريّ: أصبحت إيران باعتراف العالم القوّة المحورية في ما يسمّى الشرق الأوسط.
بعيدًا عن صولات وجولات ترامب عبر منصّته “تروث” وكلّ الترّهات التي لم يجد من بين مستشاريه من يعي الحقيقة كفاية لمحاولة نصحه بالكفّ عن التهريج المملّ، ما حدث على أرض الواقع كان صادمًا بالنسبة للعقل الإبستينيّ العاجز عن فهم معنى ارتباط الشعوب بأرضها وبسيادتها، فقد اعتاد هذا العقل على التعامل مع عقول تنصاع وقلوب ترتجف.
في إيران، عاش ترامب صدمة إدراكية ليس من السّهل استيعابها بسرعة: وجد أن ثمّة شعبًا قد تختلف توجّهاته الفكرية والسياسية، لكنّه لا يخون بلده ولا يسمح للخونة المندسين في صفوفه بالتأثير على خياراته الجوهرية والتي لا مساومة فيها.
شعب قادر على تحمّل القصف كما تحمّل مفاعيل الحصار الاقتصادي طيلة سنين، وجاهز للبذل كما بذل في كلّ المراحل السابقة في درب نصرة المستضعفين في الأرض. شعب لا يتخلّى عن مبادئه وعن عاطفته وعن ارتباطه بهويّته وعن ثقته بنظامه، بثورته، بثقافته وبشرفه الوطني، ولذلك لا يزيده سفك دماء قادته وأبنائه إلّا تمسّكًا بالحقّ. هذه الطينة من الشعوب تشكّل بحدّ ذاتها صدمة لدى عقل اعتاد شراء النفوس واستعباد العقول وإرهاب الناس.
على مستوى آخر، وجدت العنجهية الأميركية ممثلّة بدونالد ترامب أن التفوّق العسكريّ يصبح غير مجدٍ في مواجهة قوّة تؤمن بحقّها وتدافع عنه بكلّ ما لديها، وأنّ المقدّرات الحربية الفائقة يمكنها أن تؤلم المعتدى عليه كثيرًا، إلّا أنّ تألّمه هذا لا يحتّم انكساره بل قد يتحوّل إلى دافع أكبر للمواجهة والمقاومة.
الأمر نفسه واجهه الأميركي في ميدان الدبلوماسية، وقد دخله بذهنية من جاء ليضع شروطه وينتظر إقرار إيران له، من دون أن يمرّ بذهنه أنها جمهورية ثورية لن تقرّ له إقرار العبيد، ولن تعطيه بيدها إعطاء الذليل. وقد يكون افترض أنّ الوفد المفاوض الإيراني يشبه ذاك اللبناني في مفاوضاته مع كيان العدو، وفد العار الذي ذهب لينسّق علانية مع العدو ضد بلده! اصطدم ترامب بالجذرية الإيرانية في التفاوض، وصفع نرجسيّته أنّه أمام وفد لا يّهدَّد، ولا سبيل لترهيبه بغية دفعه إلى تنازلات عن حقوقه الطبيعية، ولا يمكن إغراؤه ببعض التنازلات الأميركية كي يتخلّى عن مساندته للحقّ بالمقاومة. ظلّ ترامب يراوغ ويتأرجح بين التهريج والتهويل ويعيش تخبّطاته واضطراباته على الهواء مباشرة حتى اضطر لرجاء الإيرانيين القبول بورقة تفاهم تتضمّن موافقة أميركية على كافة شروطهم، على أن يجري توقيعها يوم الجمعة المقبل لتنطلق من بعدها جولات تفاوضية حول الملفات غير المتفق عليها حتى الآن.
رغم ذلك، يدّعي ترامب ومعه أبواق كثيرين من أدواته من مختلف الجنسيات تحقيق نصر عظيم على الجمهورية الثورية، لكنّه يفعل ذلك بحذر، لأنّه على ما يبدو يدرك الآن أنّ حتى ترّهاته قد تعود عليه بردود تضاعف سرعة سقوطه وتزيد من وضوح هزيمته.
مفهوم أن يبحث ترامب، المعروف بأحمق البيت الأبيض، عن صورة انتصار يقدّمها لشعبه، ويحفظ من خلالها ماء وجهه الذي أُريق عند صلابة الموقف الإيراني وتمسّكه بثوابته مهما غلت الأثمان، ومن الطبيعي أن يخرج مهلّلًا بنصر لم يحدث، ولن، بناء على التقارير الصحفية الصادرة حول تدنّي قدراته العقلية واضطراباته النفسية. ويدرك الأميركيون جيّدًا شكل الحضيض الذي أوصلتهم إليه إدارته التي سرّعت من سقوط إمبراطورية نهب الشعوب وسلب مقدّراتها. ومفهوم أيضًا أن يتحاشى بعض المتأمركين الإقرار بما أنجزته الجمهورية الإسلامية في إيران حتى الآن، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، فهذا الإقرار قد يكلّفهم الكثير وأقلّه التوبيخ من السفراء والمبعوثين الأميركيين في المنطقة والذين يقومون بإملاء التعليمات عليهم بشكل شبه يوميّ، حول الواجب قوله والممنوع.
من جهته، شهد الإعلام العبريّ بكلّ توجهاته حالة وجوم وصدمة بعد الإعلان عن ورقة التفاهم، وسط صمت نتنياهو الذي زاد من حدّة الغضب والخيبة في الكيان الاستيطاني، الذي كان ينتظر خضوع إيران، ومعها كافة حركات المقاومة، والذي استمع منذ السابع من أكتوبر إلى وعود كان يطلقها نتنياهو حول أولوية الأمان للمستوطنين ولا سيّما في شمال فلسطين، وإزالة التهديدات المتعلقة بالملف النووي وبالصواريخ البالستية وبحركات المقاومة. ورقة التفاهم بدّدت كلّ تلك الآمال الواهمة، فما وجد الإعلام الصهيوني كلمات تعبّر عن مدى خيبته: “صباح صعب”، “كارثة استراتيجية”، “إخفاق استراتيجي، بالإضافة إلى أسئلة وعناوين ظلّلت كيان الاحتلال بالشعور بالهزيمة، ويبدو المشهد عظيمًا حين يدرك المرء أن دولة الوليّ الفقيه فعلت به كلّ هذا، لتكون الضربة “الدبلوماسية” بذات القوّة التي تمتعت بها الصواريخ الإيرانية وهي تسقط فوق مدن كيان الاحتلال.
“انتصرت إيران”، جملة يصعب على البعض تصديقها كما قد يصعب عليهم الإقرار بسطوع الشمس، ويصعب على البعض فهمها لأنها تعبّر عن إرادة حرّة تذكّرهم بإرادتهم المسلوبة، ويصعب على البعض الإقرار بها لأنها تعني هزيمتهم حرفيًا. وكلّ هذا البعض مجتمعًا، لا يملك إخفاء الحقيقة أو التعتيم على الواقع مهما تراكمت المحاولات الحثيثة في هذا الشأن، وإن واصل الغرق في صدمته الإنكارية التي مهما طالت ستنتهي يومًا بأنّ يقرّ بما أنجزت إيران، أو يصبح كما ترامب، مجرّد أحمق يتساءل الناس عن قدرته العقلية، أو كما نتنياهو، حائر متورّط في مأزق لا مخرج منه، سوى بالاستسلام!
ليلى عماشا
جاري تحميل الخبر التالي...