
مقالات هل انتهت الحرب؟
12/06/202609:34:05
تبدو رؤية المشهد الإقليمي ضبابية وغير واضحة لدى عامة الناس من الرأي العام في البلد والمنطقة. ويسأل كثيرون عما آلت إليه الأمور مؤخرًا وراهنًا.
هل انتهت هذه الحرب؟ هل تنجح المفاوضات السياسية والدبلوماسية في وضع حد للحرب والعمليات العسكرية؟ هل تُسدَل الستارة على المشهد الأخير من هذا الحدث الكبير وهذا المخاض الطويل؟ قد يذهب البعض بعيدًا في الإفراط بالتفاؤل؛ وفي المقابل، قد يذهب البعض الآخر بعيدًا في التشاؤم.
فأين نحن بميزان الواقعية السياسية؟
على ما يبدو، فإن مديات الحرب الزمنية لم تعد طويلة. فثمة استحقاقات تفرض نفسها على الأجندة. ومن بينها الإنتخابات البرلمانية الإسرائيلية والإنتخابات النصفية الأميركية في آخر تشرين الأول/أكتوبر ومطلع تشرين الثاني/نوفمبر تباعًا. لم تدع الحرب أوزارها بعد في المنطقة، بمعنى أن حالة الحرب لم تنته بعد، وهي ما تزال قائمة؛ ولكنها استنفدت كل أوراقها، أو لنقل أنها استنفدت كل خياراتها واحتمالاتها، ولم يعد هناك الكثير مما يمكن القيام به في سياق هذه المواجهة المفتوحة، إن في ميدان المواجهة العسكرية والأمنية، أو في ميدان المواجهة السياسية والدبلوماسية والإقتصادية.
أما بميزان الأرباح والخسائر، فإن مخرجات هذه الحرب صارت معروفة ومعلومة بشكل كبير وإلى حد بعيد.
ولم يعد ممكنًا إحداث تغيير جذري أو نوعي في نتائج هذه الحرب المباشرة وغير المباشرة، مع الإلتفات لأهميتها وخطورتها، حتى وإن شهدنا بعد المزيد من التصعيد، المحدود أو المحدد، والموضعي أو الظرفي، بقصد التأثير المتبادل في مسار العملية التفاوضية ومخرجاتها.
وقد أصبح بالإمكان مباشرة احتساب هذه المخرجات وهذه النتائج، لكل من العمليات العسكرية والمفاوضات الدبلوماسية، بالنسبة إلى كل الأطراف أو الجهات، ولا سيما واشنطن وطهران وتل أبيب، وربما أيضًا بقية القوى الدولية والإقليمية، المعنية أو الضالعة، بطريقة أو بأخرى، في هذا الحدث وهذا المخاض.
فهذه الحرب لن تنتهي بالضربة القاضية، ولن تفضي إلى انتصار ساحق في مقابل هزيمة ماحقة. هي حرب طويلة نسبيًّا، لم يكن لأي أحد فيها القدرة على الحسم العسكري، أو حسم الموقف العسكري. ولا سبيل لسبرها وفهمها سوى باحتساب النقاط فيها.
كما أن رهانات الحرب تفرض نفسها هنا. والمقصود كيفية تطور أو تغير أو حتى تبدل الرهانات على الحرب، على ضوء المعطيات الميدانية وبحسب المستجدات ذات الصلة.
بات هناك فجوة لا لبس فيها، ما بين أميركا وإسرائيل، ولا سيما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على رأس الإدارة الأميركية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على رأس الحكومة الإسرائيلية، حيث يميل ويتجه الجانب الأميركي إلى إنهاء الحرب مع إيران في منطقة الشرق الأوسط، قبل الإنتخابات النصفية الأميركية المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، بينما يريد الجانب الإسرائيلي استمرار حالة الحرب الإقليمية، ويصر على استمرار حالة التصعيد على خط جبهة لبنان، حتى الإنتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة في تشرين الأول/أكتوبر القادم.
على أية حال، من الواضح أن مسارات ما بعد الحرب، أي مسارات الحلول السياسية، من خلال المفاوضات الدبلوماسية، ومن بعد العمليات العسكرية، أو بالأحرى بالتزامن وبالتوازي معها، ثم بعدها، هي متداخلة ومتلازمة، من مسار باكستان بين أميركا وإيران، إلى مسار لبنان، أو لنقل مسار أميركا بين لبنان وإسرائيل، حتى وإن رفض أو أنكر البعض ذلك، إن في الداخل أو في الخارج، بدافع من المكابرة والمعاندة، كما الإنقطاع أو الإنفصال عن الواقع.
وثمة مؤشرات أو إرهاصات تدفع بهذا الإتجاه، تُضاف إلى الإشتراطات الإيرانية بهذا الخصوص عبر التصريحات والتسريبات المتلاحقة للعديد من المسؤولين الإيرانيين، من البرلمان والحكومة والخارجية إلى الحرس، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: زيارة قائد الجيش في لبنان إلى باكستان تلبية لدعوة نظيره قائد الجيش الباكستاني، وتسريب زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب ومسؤول العلاقات الدولية في الحزب إلى الدوحة، وما إلى ذلك من خطوات ومباحثات ومحادثات، قد تشي أو تفيد بشيء من هذا القبيل…
من هنا، أخذت إحتمالات الحرب المستقبلية تتراجع وتنخفض، دون أن يعني ذلك أنها تنتفي بالكامل وبالمطلق؛ ولكنها لم تعد مرجحة، وكذلك مستوياتها لم تعد مرتفعة ومتقدمة. لذلك، ربما يمكننا أن نعتبر أن الحرب قد انتهت، قبل أن تنتهي، بشيء من الحيطة والحذر.
فقد سقطت أوهام الرهانات الواهية والخاوية على جدوى وفعالية الخيار أو الإحتمال أو المسار العسكري، بالرغم من كل قدرات ومقدرات القوة العسكرية، المركبة والمفرطة، ومظاهرها ومخاطرها.
مع ذلك، فإن طريق الدبلوماسية لا يقل خطورة ووعورة عن طريق الحرب. وقد لا تخلو من بعض المطبات والعقبات والعراقيل والتعقيدات والتقييدات. وقد تشهد بعض الضغوطات والتدخلات والضربات والصفعات، وبعضها قد تكون خاطفة وغادرة، وكذلك قوية وعنيفة، إلى حين الوصول أو التوصل إلى إعلان تثبيت وقف إطلاق النار وإعلان انتهاء الحرب، بصرف النظر عما إذا كان ذلك سيقود حتمًا وقطعًا، وبالضرورة وبالتبعية، إلى اتفاق شامل ونهائي على بقية القضايا والمسائل والملفات كافة، بمجرد وقف النار ولمجرد انتهاء العمليات القتالية والأعمال العدائية.
تبقى الإشارة إلى مسألة مهمة بعين المراقب العلمي ومنظار المراقبة العلمية. ثمة تغيير ما طرأ على الإستراتيجية الإيرانية، وكذلك العقيدة الإيرانية، بعد هذه الحرب وهذا العدوان. فقد يكون من المفيد التوقف عند مؤشرين بالتحديد بقصد التأمل والتفكر: التصعيد بين إيران و “إسرائيل” أولًا، على خلفية اعتداء الأخيرة على الضاحية الجنوبية ومبادرة الأولى إلى التدخل والرد؛ والتصعيد بين إيران وأميركا ثانيًا، على خلفية سقوط أو إسقاط المروحية الأميركية واستعداد الأولى للرد على الثانية على الفور، وربما استدراجها إلى لعبة الفعل ورد الفعل. لقد تغير النمط السلوكي لإيران.
هو لم يعد ولن يعود، مع نظرية الردع الإستراتيجي، كما كان، قبل هذه الحرب وهذا العدوان، مع نظرية الصبر الإستراتيجي. إن الجهل بهذا التغيير، أو التجاهل له، قد يعبر عن شيء من القصور في النظرة والمقاربة والإحاطة، بل قد يعكس شيء من التقصير في التقييم والتقدير للموقف وللمستقبل.
التسويات والصفقات
لا بد من الخروج، بطريقة أو بأخرى، من حالة المراوحة وكسر حالة الجمود في السياسة والدبلوماسية وفي ميدان المعركة. فالأمور تأخذ تدريجيًّا وجهة التفاهمات والتسويات والصفقات. وهذا الإتجاه يتصاعد ويتعزز يومًا بعد يوم.
مع ذلك، “إسرائيل” لا تريد، حتى تاريخه، التوقف عن التصعيد ووقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان، في الوقت الذي تريد فيه كل من أميركا وإيران منع انفلات الأوضاع الإقليمية من جديد؛ وربما أكثر من ذلك!
فكيف يمكن الخروج من عنق الزجاجة وإيجاد الإخراج أو المخرج من هذا التيه في هذه الدوامة؟
غسان ملحم-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...