التصعيد الاسرائيلي ومآلاته
مقالات

التصعيد الاسرائيلي ومآلاته

26/05/202610:38:58

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال

يشهد المسرح اللبناني ـ الإسرائيلي في المرحلة الراهنة تصعيداً مركباً لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ردود فعل ميدانية معزولة، بل باعتبا ره جزءاً من إعادة تشكيل إقليمية لقواعد الاشتباك، تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية واللبنانية ضمن بيئة تفاوضية ـ عسكرية شديدة التعقيد. فالتصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، والتلويح بتوسيع بنك الأهداف ليشمل الضاحية الجنوبية لبيروت وربما البنية التحتية اللبنانية، يأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متوازية: مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، ومسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية غير المباشرة برعاية أميركية، ومسار إعادة إنتاج الردع الإسرائيلي بعد اهتزاز صورته الاستراتيجية منذ الحرب الأخيرة.

إن إسرائيل لا تتعامل مع لبنان اليوم باعتباره ساحة مستقلة بذاتها، بل بوصفه جزءاً من “الجبهة الشمالية الكبرى” المرتبطة عضوياً بالملف الإيراني. لذلك فإن أي تصعيد ميداني في الجنوب أو في العمق اللبناني يُقرأ إسرائيلياً ضمن معادلة الضغط على طهران، وليس فقط ضمن معادلة الاشتباك مع المقاومة في لبنان. فكلما تقدمت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، تحاول إسرائيل رفع مستوى الضغط العسكري والإعلامي لإيصال رسالتين متوازيتين: الأولى إلى واشنطن، بأن أي تفاهم مع إيران يجب أن يتضمن تقليص نفوذ حلفائها الإقليميين، والثانية إلى طهران نفسها بأن إسرائيل قادرة على توسيع المواجهة إذا شعرت أن التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية تتم على حساب أمنها الاستراتيجي.

من هنا، يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي الحالي باعتباره جزءاً من “سياسة تحسين الشروط التفاوضية بالنار”. فإسرائيل تخشى أن يؤدي أي تفاهم أميركي ـ إيراني إلى تثبيت وقائع إقليمية جديدة تحدّ من حرية عملها العسكري، سواء في لبنان أو سوريا أو حتى في المجال البحري والغازي شرق المتوسط. ولذلك تعتمد استراتيجية مزدوجة: تصعيد ميداني مضبوط من جهة، وإبقاء باب التفاوض غير المباشر مفتوحاً من جهة ثانية.

أما في ما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية، فإن التصعيد يرتبط بها بشكل واضح، ولكن ليس بالمعنى التبسيطي المباشر. فالوفد العسكري اللبناني الذي يُفترض أن يناقش في واشنطن آليات تقنية وأمنية تتعلق بمراقبة الوضع العملاني جنوباً، يطرح عملياً إشكالية جوهرية: من يملك حق تعريف “التهديد”؟ إسرائيل تريد تثبيت مفهوم “حرية العمل والحركة”، أي حقها في تنفيذ ضربات استباقية أو عمليات مراقبة واغتيال داخل الأراضي اللبنانية متى اعتبرت أن هناك تهديداً ناشئاً. بينما يسعى الجانب اللبناني، مدعوماً بمواقف داخلية ودولية معينة، إلى إنشاء آلية مراقبة عربية ودولية تمنع إسرائيل من احتكار تفسير القرار الأمني أو استخدامه ذريعة دائمة للقصف وتدمير البنى التحتية.

وهنا تكمن العقدة الأساسية. فإسرائيل لا تريد فقط ترتيبات أمنية، بل تريد شرعنة عملية لتحركها العسكري المستقبلي داخل لبنان. لذلك تستخدم التصعيد الحالي كأداة تفاوضية مسبقة للضغط على الوفد اللبناني وعلى الوسطاء الأميركيين، بهدف فرض معادلة تقول: “إما القبول بآلية تضمن حرية العمل الإسرائيلي، أو استمرار الضربات والتوسيع التدريجي لبنك الأهداف”.

أما الربط بين التصعيد وذكرى عيد المقاومة والتحرير، فهو ليس مستبعداً من الناحية النفسية والسياسية. إسرائيل تدرك الرمزية المعنوية لهذا التاريخ في الوعي اللبناني المقاوم، وقد تلجأ في بعض الأحيان إلى رفع منسوب العمليات العسكرية أو التهديدات في المناسبات الرمزية بهدف كسر الأثر المعنوي والسياسي لهذه المناسبات. لكن ذلك يبقى عاملاً مكملاً لا عاملاً تأسيسياً في القرار العسكري الإسرائيلي، لأن القرار يرتبط أولاً باعتبارات الردع الإقليمي والتفاوض الاستراتيجي.

وفي ما يتعلق بالسؤال حول ما إذا كان الرئيس الأميركي السابق Donald Trump قد أعطى “إذناً” مباشرًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu لضرب الضاحية أو بيروت، فلا توجد معطيات موثقة علنية تؤكد وجود تفويض مباشر بهذا المعنى. إلا أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن إسرائيل تتحرك عادة ضمن هامش تنسيق واسع مع الولايات المتحدة، وليس بالضرورة عبر أوامر مباشرة. أي أن واشنطن قد تمنح “غطاءً سياسياً ضمنياً” أو تمتنع عن ممارسة ضغوط كابحة في مراحل معينة، من دون أن يعني ذلك إصدار أوامر عملياتية مباشرة.

أما الحديث عن “تحييد الضاحية وبيروت” بعد ما سُمّي “الأربعاء الأسود”، فهو يرتبط على الأرجح بجملة تفاهمات غير معلنة تتداخل فيها الوساطات الدولية والإقليمية، وربما أيضاً حسابات مرتبطة بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني. لكن من الصعب اعتبار أن هناك “تحييداً دائماً” أو اتفاقاً نهائياً يمنع استهداف بيروت. ما يوجد فعلياً هو إدارة مؤقتة لسقف التصعيد، تخضع للتبدل بحسب تطورات الميدان والمفاوضات.

وفي ما يخص العقوبات على بعض النواب اللبنانيين وعلى ضابطين من القوى المسلحة اللبنانية، فإنها تمثل جزءاً من استراتيجية الضغط السياسي ـ الأمني الأميركي. فالعقوبات هنا لا تستهدف فقط الأشخاص المعنيين، بل تحمل رسائل متعددة الاتجاهات: أولاً الضغط على البيئة السياسية اللبنانية لدفعها نحو مقاربة أكثر تشدداً تجاه سلاح المقاومة؛ وثانياً التأثير على بنية القرار الأمني اللبناني؛ وثالثاً تعزيز أوراق التفاوض الأميركية قبل لقاءات 29 أيار.

هذه العقوبات قد تؤدي إلى نتيجتين متعاكستين في آن واحد: فمن جهة يمكن أن تزيد الضغوط على الدولة اللبنانية في المفاوضات، ومن جهة أخرى قد تعزز الخطاب الداخلي الرافض لأي تنازلات تحت الضغط الخارجي، ما يعقّد قدرة الوفد اللبناني على المناورة.

أما تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz ونتنياهو بشأن توسيع الحرب، فهي تدخل ضمن سياسة “الردع عبر التهديد العلني”. إسرائيل تحاول إعادة تثبيت صورة الردع التي تضررت بفعل طول أمد المواجهة وعدم قدرتها على فرض حسم استراتيجي واضح. لكن تنفيذ تهديدات واسعة ضد بيروت أو الضاحية يبقى محكوماً بعوامل عدة، أبرزها:

موقف الولايات المتحدة وحدود الغطاء السياسي الممكن.

تقدير إسرائيل لحجم الرد المقابل.

وضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

مسار المفاوضات مع إيران.

تقدير المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لكلفة الانزلاق إلى حرب شاملة.

لذلك، فإن احتمال تنفيذ استهدافات جديدة في بيروت أو الضاحية يبقى قائماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تتجه فوراً إلى حرب شاملة. الأقرب هو استمرار نمط “التصعيد المضبوط”، أي استخدام الضربات المحدودة والمدروسة لفرض وقائع تفاوضية وأمنية جديدة، من دون الوصول ـ حتى الآن ـ إلى قرار استراتيجي بحرب مفتوحة واسعة النطاق.

في المحصلة، يبدو أن لبنان يقف اليوم عند تقاطع حساس بين مسارين: مسار التفاوض ومسار إعادة رسم قواعد الاشتباك. وإسرائيل تحاول استخدام القوة العسكرية لتحويل المفاوضات من نقاش حول وقف النار والسيادة اللبنانية إلى نقاش حول حقها المستقبلي في التدخل الأمني داخل لبنان. أما نجاحها أو فشلها في ذلك، فسيتوقف على موازين الردع الميداني، وعلى اتجاه المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وعلى قدرة الدولة اللبنانية والقوى الداخلية على إنتاج موقف تفاوضي موحد يمنع تحويل “حرية العمل الإسرائيلي” إلى قاعدة دائمة فوق السيادة اللبنانية.

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...