هندسة جيوسياسية قديمة جديدة
حين نقرأ خطة بلير بجانب رؤية الجنرال الإسرائيلي جيورا آيلاند، يتضح الانسجام شبه التام: فصل غزة عن الضفة، وتحويل القطاع إلى كيان إداري وأمني منفصل تحكمه آليات خارجية، وفرض وصاية دولية تحت عناوين “السلام” و”الإعمار”.
التمويل الخليجي يتحول هنا من مبادرة حسن نية إلى رافعة استراتيجية، إذ يصبح “المال مقابل الخضوع” قاعدة تُسوّق للاستقرار الإقليمي. وبالمقابل، تُربط مشاريع الإعمار بفتح مساحات أوسع للتطبيع، فيتحول الإعمار إلى جائزة مشروطة بقبول التفكيك السياسي الفلسطيني.
النتيجة المتوقعة لا تقف عند غزة وحدها، بل تُعيد رسم الخريطة الفلسطينية والإقليمية: فصل الضفة عن غزة، وتفكيك المضمون السياسي للقضية، وتحويل القرار الفلسطيني من إرادة وطنية إلى ترتيبات يقرّرها الآخرون.
الضمانات لا تحمي
ليس ما يُطرح اليوم جديدًا. التاريخ العربي والفلسطيني مليء بتجارب “الضمانات الدولية” التي انتهت بنكبات.
ففي 1982 خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت بناءً على اتفاق رعته قوى دولية، تعهدت بحماية المدنيين.
لكن انسحاب هذه القوى بعد أسابيع أفسح المجال لمجزرة صبرا وشاتيلا. الدرس صارخ: أي خطة تنزع السلاح وتترك الأمن بأيدي قوى دولية قابلة للانسحاب ليست إصلاحًا بل هي تمهيد لكارثة جديدة.
إرادة الشعوب تتجاوز الوصاية
اليوم تُعاد صياغة المشهد بأسماء جديدة: ترامب، بلير، آيلاند. لكن ما يغيب عن هذه المخططات أن الشعوب لا تُدار بالوصاية، وأن المقاومة ليست بندقية للإيجار بل هي عهدٌ متجذّر في الذاكرة الجمعية لكل بيت فلسطيني وعربي.
تحويل غزة إلى محمية دولية، وإقصاء الفلسطينيين عن تقرير مصيرهم، لن ينتج سلامًا بل أزمة أعمق. إن الدماء التي سالت في غزة والضفة ولبنان تقول بوضوح: لا سلام يُبنى على الإذعان، ولا مستقبل يُرسم بوصاية أجنبية.
المخاطر والسيناريوهات المستقبلية
رغم أن هذه الخطط تبدو في ظاهرها إنسانية أو إنقاذية، إلا أن تداعياتها تحمل أخطارًا بعيدة المدى. فهي أولًا تفكك البنية السياسية الفلسطينية، وتحوّل القيادة إلى جهاز إداري منزوع القرار.
وثانيًا، تفتح الباب لتدويل دائم للملف بحيث يُدار من عواصم بعيدة، ما يعقّد أي مسار تفاوضي قائم على الحقوق.
أما أمنيًا، فإن إحلال قوة متعددة الجنسيات محل المنظومات المحلية يخلق فراغًا قابلًا للانفجار عند أول انسحاب أو تبدّل في الإرادة الدولية.
يُضاف إلى ذلك خطورة تسييل حق العودة وتحويله إلى تعويضات ومغادرات توصف بأنها “طوعية”، بما يشرعن تهجيرًا مقنّنًا.
إقليميًا، يطال الخطر مصر عبر ضغوط متزايدة على سيناء ومعابرها، والأردن عبر اهتزاز معادلة الوصاية على المقدسات وطرح صيغ كونفيدرالية منزوعة السيادة، ولبنان عبر تثبيت استنزاف طويل الأمد في الجنوب، وسوريا عبر تعميق فصل الجنوب عن عمقه الوطني وتوسيع عمق أمني للكيان الصهيوني.
أما الخليج، فيُختزل دوره إلى مموّل يربط المال بالتطبيع ويحوّل أمن الطاقة إلى ورقة مشروطة سياسيًا.
اقتصاديًا، يُعاد تشكيل غزة على أسس تبعية: معابر ومشاريع بإدارة دولية، وخصخصة مقنّعة، واستبعاد لرأس المال الوطني، ما يحوّل الإعمار إلى أداة نفوذ طويلة الأمد.
وعلى مستوى السردية، يجري تبييض مشروع الوصاية بخطاب “السلام والإغاثة” وتشويه المقاومة بوصفها معطّلة للاستقرار.
أمام هذه المخاطر، تراوح السيناريوهات بين تمرير تدريجي يرسّخ الوصاية، أو فشل مبكر يقود إلى فوضى اقتصادية وأمنية، أو مقاومة سياسية تفرض مسارًا بديلا يعيد ربط غزة بالضفة، وصولًا إلى احتمال توسع الصراع إقليميًا إذا فُرضت الترتيبات قسرًا.
وتفادي الكارثة يستدعي بديلًا عربيًا – فلسطينيًا يربط الإعمار بالسيادة لا بالتفكيك، ويؤكد وحدة المسار والرقعة، ويضع الأمن في يد منظومة محلية بضمانات زمنية محدودة، ويعزز مسار القانون الدولي لكبح محاولات تحويل الحقوق إلى صفقات.
بين وصاية مفروضة وإرادة شعوب
ما بين خطط الانتداب الناعمة وصفقات الإذعان العلنية، يظل صوت المقاومة الحقيقة الوحيدة القادرة على كتابة مستقبل فلسطين والمنطقة.
ويبقى السؤال: هل تستوعب العواصم العربية أن ما يُفرض على غزة قد يكون نموذجًا يُعاد إنتاجه لاحقًا في ساحات عربية أخرى؟
هذا الوعي وحده كفيل بتحويل التحذير إلى وقاية، وتثبيت أن لا وصاية ولا تطبيع يمكن أن يُلغِيا إرادة الشعوب.
الميادين