–
المصطلح ينطلق في مراميه فقط من تحقيق مصلحة “إسرائيل” وتلبية هواجسها الأمنية وأطماعها التوسّعية، ولا يقرّ بأيّ حال من الأحوال بحقّ سكان قطاع غزة في تحديد مستقبل قطاعهم، واختيار الإدارة التي ستتولّى شؤونهم وتعبّر عن طموحاتهم وتطلّعاتهم المشروعة في الحياة الآمنة والكريمة ضمن دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
-تباين الرؤية العربية والإقليمية والدولية لماهية “اليوم التالي”. ففي الوقت الذي تريده واشنطن عبر دور محسوب للسلطة الفلسطينية مع مشاركة عربية أو دولية، وأحياناً تطرح مشاريع خارج السياق التاريخي والجغرافي، فإنّ الدول العربية تتحفّظ على المشاركة العربية والدولية خشية استغلال المظلة العربية لتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير من تبقّى من سكان القطاع إلى خارجه. في حين أنّ هناك دولاً أخرى كتركيا، قطر، وإيران تعتقد أنّ استبعاد “حماس” من المشاركة في إدارة شؤون القطاع ليست واقعية بحكم حضورها ونفوذها الشعبي.
– التداعيات المحتملة للمصطلح على الشرعية الفلسطينية من حيث زيادة الشكوك الدولية بقدرة وأهلية القوى الفلسطينية الفاعلة على الأرض في إدارة شؤون القطاع، وصولاً إلى زعزعة ثقة المجتمع الدولي بإمكانية وجود دولة فلسطينية تلتزم بتعهّداتها وبمسار السلام مع “إسرائيل”.
ولهذا تصرّ “تل أبيب” وواشنطن على خيارات تحاصر مستقبل الفلسطينيين كمنح “إسرائيل” سلطة الإشراف الأمني على القطاع وبقاء قواتها منتشرة ضمن أجزاء منه أو المطالبة بنشر قوات دولية.
– في مجمل النقاشات التي تتناول “اليوم التالي” يتمّ التركيز على البعد الإنساني وعملية إعادة إعمار القطاع المهدّم كاملاً فقط، وهو على أهميته إلا أنه يبقى غير كافٍ لتحقيق استقرار مستدام ما لم يترافق مع حلول سياسية تنطلق من تنفيذ قرارات الشرعية الدولية المعروفة، وإلزام “إسرائيل” بوقف حروبها واعتداءاتها واستيطانها، وإلا فإن الاستقرار لن يدوم.
وكما أنّ عملية طوفان الأقصى كانت دفاعاً عن انتهاك حرمة المسجد الأقصى، فإنّ عملية الإبادة التي تنفّذها حكومة نتنياهو منذ عامين بحقّ سكان قطاع غزة ستكون “وقوداً” لإشعال جذوة وفكرة المقاومة في عقول الأجيال القادمة.
سيناريوهات فاشلة
وعلى ذلك فإنّ السيناريوهات المطروحة للتحكّم بـ “اليوم التالي” تبدو فرص نجاحها قليلة استناداً إلى معطيات الواقع وحقائقه. فالسيناريوهات التي تستبعد مشاركة حركة حماس بشكل كامل تواجه صعوبة فعليّة في تطبيقها منذ البداية، بسبب الحضور الفاعل للحركة في المشهدين الشعبي والعسكري في غزة.
كما أنّ أيّ خطة سياسية تحتاج إلى تفويض دولي قوي متمثّلاً في صدور قرار أممي أو توفّر توافق إقليمي لتكون مقبولة، خاصة إذا ما تضمّنت نشر قوات دول عربية أو دولية والمساهمة في إعادة الإعمار. لكن إلى الآن ليس هناك توافق إقليمي أو دولي على سيناريو محدّد في هذا السياق.
مع الإشارة هنا إلى أنّ الشرعية والقبول المحلي ضروريان، وإلا ستتعرّض الإدارة الجديدة لرفض شعبي ومقاومة، خصوصاً إن تمّ التنكّر للحقوق الأساسية للسكان.
أما الشروط التي تضعها “إسرائيل” (مثل نزع السلاح، عدم إعادة إحياء البنى العسكرية لحماس) فهي غالباً ما ستكون نقطة توتر في التفاوض.
ولا ننسى بالطبع أنّ موارد إعادة الإعمار كبيرة وهائلة، ولا يمكن الانطلاق عملياً من دون تحفيز دولي كبير، وضمانات سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
أي أنّ هناك حاجة لتوافق إقليمي ودولي واسع حول “اليوم التالي” وليس فقط الاكتفاء بما تريده “إسرائيل”.
وحتى يتمّ الاتفاق على سيناريو لـ “اليوم التالي”، ستبقى “إسرائيل” مستمرة بحرب الإبادة التي تشنّها على الشعب الفلسطيني متذرّعة بالحاجة إلى “ضمانات” بعدم تشكيل القطاع، المدمّر عن أبيه، خطراً على كيانها المحتل!
الميادين