أخبار لبنان

“درب المرج” في لبنان: استكشاف خلاّب للطبيعة

يزداد عدد مجموعات اللجوء إلى البيئة بحثاً عن ملاذ آمن من شرور الحروب، والاضطرابات، والتوتر، بالإضافة إلى التلوث الشامل الذي يطال مختلف نواحي الحياة الحديثة، ومنها سوء التغذية، وما تسببه من ارتدادات صحيّة سيئة.

ويختصر هذا اللجوء ما بات منتشراً باطّراد فيما يعرف ب”المسارات” أو “الدروب”، وهي آليات يجد فيها كثيرون من الناشطين، ومتابعيهم، مجموعة من الفوائد، تبدأ بالابتعاد عن التوتر، والتلوّث، وإيجاد وسائل ترفيه، ورياضة مفيدة على المستويين العقلي والجسدي، إضافة إلى اكتشاف معطيات، ومواقع، وحقائق طبيعية لا يمكن الحصول عليها من أي مصدر آخر غير مكامنها في الطبيعة.

درب المرج

من المسارات المطلّة على مواقع لبنانية غير معروفة، وغير مُدرجة على الخرائط السياحية ذات الطابع الاستثماري، “درب المرج” في نطاق كامن بين 3 مناطق لبنانية هي الهرمل وعكار والضنية، ومن المرجّح أن تكون قلّة من الناس تعرف هذه المنطقة، أو سبق لها أن ارتادتها.

ينطلق الدرب من خراج بلدة مشمش العكارية في شمال لبنان على ارتفاع حوالى 1650 متر عن سطح البحر، بطول حوالى  10 كيلو متر، ويبدأ من نقطة تُعرف بـ “العيون”، ويستغرق ما بين الساعتين والأربع ساعات حسب صعوبة اختيار المسار.

يرشد المسار الدليل هاني ضناوي، ويحفّزه غالباً خبير التنمية المحليّة الناشط البيئي محمد عرابي، الذي أوضح لـ “الميادين نت” خلفية المسار ب”التعرف على مناطق طبيعية، وتنوعها البيولوجي، ومعاينة الانتهاكات، والإبلاغ عنها، للجهات المعنية في وزارتي البيئة والزراعة، ونشرها إعلامياً”.

وروى عرابي مندرجات المسار، ومحطّاته، ذاكراً إن موقع “العيون” يشتهر بزارعة بساتين التفاح، والورد، وبعض شجيرات الكستناء التي لا يتجاوز عمرها 10 سنوات، وفيها عدة بيوت قديمة، ومستحدثة لقربها من بعض الينابيع الصغيره، وهذه العيون هي عين الجرف، عين المغاره، عين المجوية، عين الحميض، عين الحجل، عين مقل الجواني، عين الوردة، عين النجاصة.

تروى البساتين المزروعة بالتفاح عموما عن طريق البرك الصغيرة الخاصة التي يشتهر بها سكان جرد مشمش لكثرتها إلا أنها لا تلبي الاحتياجات الخاصة في سنوات الجفاف وانخفاض المتساقطات.

أشجار نادرة

بعد كيلومتر واحد من الانطلاق، بدأت تبرز بعض أشجار غير مألوفة منها الأرز المعروف بـ “التنّوب”، واللزّاب-الشجرة الوحيدة التي تعيش فوق ارتفاع الـ 2000 متر، وخوخ الدب، والديشار، والبربريس، وبحسب عرابي، فإن المسار يصل إلى “مرج أبو حمار”، وهو عبارة عن سهل صغير يسمى المرج بسبب تربته الخصبة لأنه يقع بين تلالٍ، ومجرى للمياه، ويعتبر هو الشريان المُغذّي لينابيع بلدة مشمش.

يزرع المرج بالقمح، والحمص، ويشاهد عند طرفه نبع صغير يسمى نبع “مقل الجواني” يقصده الرعاة لري الماشيه.

المحطة التالية من المسار تصل  “شير كزبر” وهو عبارة عن صخور زرقاء صمّاء تمتاز بألوانها المتنوّعة، ودرجة انحدارها الشديد كأنها قُطعت بمنشار تستهوي المشاة لالتقاط الصور مع  شجر اللزاب الكثيف بلونه الزيتي في أسفله، وتمتاز صخور هذه المنطقه بأنها حجارة مقطّعةٌ كحجارة القلاع بأحجام مختلفه.

زعاطيطي: تآكل الصخور تحت وطأة الثلوج

هذا الموقع هو، بحسب الخبير الجيولوجي سمير زعاطيطي، سطح المخزن الكارستي الجوراسيك الناجم عن تآكل الصخور تحت وطأة الثلوج المتراكمة لشهور طويلة من السنة، ثم نتيجة ذوبان الثلوج، وتسرب السيول وانخساف السقف فوق الفراغات التي أحدثها الذوبان، تؤدي إلى توسعة الشقوق، والكسور، وكلما اتسعت الشقوق تسارع الجرف، واتسعت الفسحات، وتعمقت إلى عمق الصخور، وتكوين المخزون المائي الجوفي في جرود منطقة مشمش.

من بعد الشير يتابع المسير بدرب يدعى الحريق، وهو درب شبه مستقيم يتميز بتنوعه البيئي لاحتوائه على تشكيلة متنوعة من أشجار الأرز، والشوح، واللزّاب، والسرو، والعرعر، والعفص، والقيقب، ويحتوي على آثار أراضٍ زراعية تزرع بالحبوب، أهملها أصحابها بسبب النزوح الداخلي والبحث عن سبل معيشة اخرى.

ينتهي المسير من محلة الحريق ليسلك طريقه في إطلالة مميزه على “سيرة الحلاّنة”  (زريبة الماعز)، حيث يطل النظر على جبل المكمل، حيث أعلى نقطة في الشرق الأوسط (3080متر)، وقرنة الأربعين المكللان بالثلوج في أول إطلالة للثلج هذا الموسم، ويستمر الثلج عليها أكثر من 6 شهور في السنة، تغذي المياه الجوفية.

ثمّ إطلالة على منطقة القلّة باتجاه جرد حرار، ومرج الطويل، وهي تقع على مفترق ثلاثة أقضيه هي: عكار، الضنيه، والهرمل، كما إنها تطلّ على أهم نبع يشكل رافداً لنهر البارد الواقع في وادي حقل الخربة الذي يلتقي بوادي جهنم في نقطة أكثر انخفاضاً، والنبع معروف بـ”نبع الدلب”.

جيولوجيا وغابات

يصل المسير إلى عقبة الصنوبر المتميزة بالتضاريس والتشققات الصخريه والأشجار المعمّرة على علو لا يتعدى 1750 مترا وانخفاض لا يقل عن 1650 متراً في غابات تطل على وادي حقل الخربه- عين المشلة حتى منطقة القمامين  أعالي الضنية، مروراً بزاروب يسمى “الخرفيش”، فزاروب مغارة ابو زامر وصولاً إلى مطلّ “حقل القيس”.

ومن محيط يعرف بـ”حرف التنوب”، الذي يشكل مصيفاً لأهل مشمش، يصل المسير إلى منطقة حقل القيس الغنيه بأشجار الأرز المتميزة بأشكالها، وحجمها وعمرها الزمني، إضافة إلى شجرة الغبيرة والتي تتميز باعتبارها المنطقه الوحيده المحمية من مالكيها حيث يمنعون القطع او الرعي الجائر في نطاقها.

مع نهاية المسير في  منطقة حقل القيس يسلك المسير باتجاه المحطة الاخيرة من الدرب والاستراحة في محلة عين النجاصه التي لا تبعد عن المنازل القديمة والمستحدثة اكثر من 200 متر، والتي تعتبر مياهها مصدراً للشرب والاستعمال حيث كانت تنقل على ظهر الدواب، أو لإرواء قطعان الماشية، وبذلك يكون الدرب قد استكمل دورته.

يختتم المسار باستراحة لا بد أن تكون طويلة بعد عناء، وفيها تُطرح تساؤلات، وهواجس حول أسباب السماح او التغاضي عن قطع الأشجار المعمرة والنادرة فيها، أو حرق الدواليب المطاطيّة في حرمها لاستخراج الحديد منها، وإنشاء المرامل، ومقالع الصخور، وشق الطرقات خلالها، إضافة إلى فوضى بيئية وعمرانية تنتهك جمال المنطقة.

الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى