مقالات

الحرية التجارية مهدَّدة

تعاني التجارة الدولية من مشاكل كبرى نتيجة التعريفات الجمركية المرتفعة التي وضعها الرئيس ترامب، كما نتيجة التعريفات المعاكسة التي وضعت في وجهها.

تأسست العولمة على التجارة الدولية الحرة التي يبدو أنها لن تستمر كذلك.

معظم النمو الاقتصادي الدولي حصل منذ الحرب العالمية الثانية نتيجة الحرية التجارية للسلع التي أفادت الجميع وإن بدرجات مختلفة. كما  تأسست منظمة التجارة العالمية لتحافظ على هذه الحرية التجارية، لكن يبدو أن أعمالها معرقلة نتيجة التعريفات الموضوعة وتخبط السياسات بشأنها.

تساهم الحرية التجارية في رفع مستوى فعالية الانتاج وتخفيض التكلفة، في المقابل نتج عن العولمة اتساع الشرخ المالي والمعيشي بين الميسورين والفقراء، كما فسر «بيكيتي» في كتابه عن «رأس المال في القرن ال 21».

فوائد العولمة أصبحت معروفة اذ أدخلت الى المجتمع الاقتصادي العالمي ملايين المنتجين كما المستهلكين الجدد ورفعت كمية ونوعية السلع والخدمات الى مستويات لم يشهدها العالم من قبل.

نتج عن هذه الثورة تطوير مدني لا سابق له، كما انحدار غير مسبوق في جودة البيئة أي ارتفاع خطير في مستوى التلوث.

 يحاول ترامب اليوم عبر التعريفات الجمركية فرض عودة الشركات الصناعية الأميركية الى أميركا بالاضافة الى جذب استثمارات الشركات غير الأميركية التي تنتج في الخارج وتبيع في الداخل الأميركي. تعود اليوم العولمة الى الوراء أو أن الطريق عكسية.

لم يأتِ التطور الصيني مثلا من الداخل فقط بل من الاستثمارات الغربية المباشرة في كل القطاعات.

هنالك انقسام كبير فيما يخص نتائج العولمة، لكن الصراع لن يحسمه الجدال النظري بل الاحصائيات التفصيلية الدقيقة.

هنالك من يقول أن العولمة تسمح للأغنياء والشركات الكبرى بالسيطرة على الاقتصاد، وآخرون يقولون أن العولمة تسمح للشركات الصغيرة كما للفقراء بالنهوض بفضل توسع الفرص وتواصلها عالميا.

لا شك أن العولمة متعثرة اليوم لكنها باقية في منافعها ومساوئها، والمطلوب تحفيز المنافع وتخفيف المساوئ عبر تحديث القواعد وتدخل القطاع العام لمنع الجشع والاحتكار.

منذ سنة 1950 وحتى 2008، ارتفع حجم التجارة الدولية 32 مرة مقابل 8 مرات للناتج العالمي مما أوصل نسبة التجارة من الناتج الى 30%.

لم يحصل هذا من لا شيء، وانما من اتفاقيات «الغات» الثمانية التي حررت التجارة العالمية خاصة أمام الصناعة.

منذ 2008، يرتفع الناتج العالمي معدل 5,2% سنويا مقابل زيادة التجارة الدولية سنويا 4,6% فقط. هنالك تغيير كبير في مراكز القوى ومدى قوتها مما يشير الى تحول اقتصادي عالمي غير مسبوق.

حصة الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية واليابان وكندا من التجارة العالمية انخفضت من 70% في سنة 1994 الى 50% في سنة 2013 مما يشير الى انتعاش مناطق أخرى خاصة في أسيا.

انخفاض النسب لا يعني انخفاض الأرقام بل العكس صحيح اذ استفاد الجميع من التجارة.

تنحصر التجارة الدولية عمليا في شركات قليلة تقوم بها. تتمتع هذه الشركات بالنفوذ وتستفيد من اتفاقيات وسياسات تصب في مصلحتها بل هي وراءها.

فالعلاقة العضوية بين المال والسلطة ما زالت قوية في كل الدول قبل العولمة ومعها.

دور المجتمع المدني الوطني والعالمي ما زال خجولا اذ يحتاج الى الدعم السياسي والمالي المتعثر. هنالك تحالف قوي غير ظاهر عابر للدول بين السلطة والمال في وجه المجتمع المدني، مما يجعل نتائج المعركة محسومة قبل بدئها.

اللواء

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى