يحتفي أهل المقاومة في السادس عشر من شباط من كل عام بذكرى الشهداء القادة، الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي والحاج عماد مغنية، ومعهم وباسمهم بجميع شهداء المقاومة منذ الطلقات الأولى حتى الساعة، فالمناسبة تختزن سيرة هذه الطريق كلّها، منذ أن اختارت العين أن تقاوم المخرز وتكسره، وتنتصر بالدم على السيف، ما جعل العالم المستكبر يستخدم كلّ ثقله ووسائله في محاولة إنهائها، وفشل. 

تميّزت هذه المسيرة منذ انطلاقتها بأنّ قادتها شهداء، قل استشهاديين، ما عكس مصداقيّتها العالية والتزامها الكليّ بالشعارات التي ترفعها، وبالخطّ الذي ترسمه باتجاه أهدافها. 

بالدرجة الأولى، جرت العادات في كلّ الحروب في العالم أن يدير “القادة” المعارك من بعيد، وأن تكون حياتهم بعيدة عن ساحات القتال، وكأنّ القيادة عمل إداريّ وامتياز يتمتّع به حامل صفة القائد.

لكنّ القادة الشهداء المحتفى بهم في هذا اليوم من كلّ عام، سطّروا حكاية مختلفة عن القيادة، فكانوا رؤوس حربة المواجهات وسادة النّزال وأهل الالتحام، وكانت شهاداتهم في الميدان، الميدان الذي خاضوه استشهاديين، مقبلين غير مدبرين، موقنين بأنّ الدّم وقود معركة الحقّ، ورافع الرايات الثورية.

الموقف سلاح..

تشهد جبشيت وسائر قرى الجنوب على الشيخ الثوريّ الذي أبى الخضوع وواصل الجهاد بكلّ أشكاله، في مرمى النيران المعادية.

كان الشيخ راغب يتنقّل داخل جبشيت وبين القرى مدرّعًا بالحقّ وبشجاعة من عرف الحقّ ونصره. كان العدوّ في تلك المرحلة يستبيح كلّ شيء، وضجيج الانهزامية “المحليّة” يعلو ويكاد يهزم إرادة القتال في النفوس.

وهنا، كان دور الشيخ راغب المحوري: تحصين إرادة القتال، وخوض المواجهة ضدّ العدوّ وعملائه على الأرض: من البيت ومن المسجد وفي ساحات القرى؛ “الموقف سلاح..”، وكان الشيخ راغب بشخصه وبكلّه، يقاتل بكلّ ما أوتي من ثبات على الموقف.

في ليلة الجمعة 16 شباط 1984، اغتاله أحد عملاء العدو عند باب بيته. بيته الذي كان ملتقى للثائرين العارفين بحقّهم، والجاهزين لبذل النفوس في هذه الدرب.

توهّم العدو في تلك الليلة، أن الشعلة التي أوقدها الشيخ راغب في النفوس ستخمد وتنطفئ، وأنّ إرادة القتال التي بثّها في القلوب ستُهزم تحت ثقل الحزن. شيّع الآلاف الشيخ راغب في جبشيت، في مرمى النار “الإسرائيلية” وأمام أعين العملاء المتخفين، وكان حدادهم تجديدًا للعهد: سنقاتل.

الوصية الأساس..

انطلق موكب الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي من جبشيت التي جاءها ليحيي ذكرى استشهاد الشيخ راغب، في 16 شباط 1992، على مرأى الطيران المعادي. عند طريق تفاحتا، أمطرت الطائرات الموكب بالصواريخ الحارقة، فاستشهد السيد عباس مع زوجته، أمّ ياسر، وطفلهما.

في خطابه الأخير، وخلال إحياء ذكرى الشيخ راغب، أوصى السيد عباس بحفظ المقاومة، كخيار وحيد لمواجهة الاحتلال.

وكان قد أكّد مرارًا على أن “القرارات” لا تمنع “إسرائيل”، ما يمنعها هو السلاح، السلاح فقط. في الميدان وعند الثغور، ببزّته العسكرية، كان السيد عباس رفيق المجاهدين.

لم يكن يومًا كلامه مجرّد خطاب تعبويّ يطلقه قائد، بل نهج حياة يلتزمه قبل أن يدعو الآخرين إلى التزامه، لذلك، أقرّ العدوّ بعد اغتياله أنّ تلك العملية “ليست انتقامًا بل هي احباط للتهديدات اللاحقة”.

وهنا الهزيمة الكبرى للعدوّ وبلسان رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك أوري ساغي: “لو كنا نعلم حجم ردّ حزب الله لأعدنا النظر في القرار”، إذ تبيّن أنّ وهم “إسرائيل” المتكرّر والذي يفترض أنّ قتل القادة ينهي المقاومة ويزيل تهديدها، قد ورّطها في نتائجه العكسية: دم القادة يرفع روح القتال.

“الروح هي لي بتقاتل..”

بعد سنين من العمليات النوعية والتي تكثّفت بعد اغتيال السيد عباس الموسوي، حرّرت المقاومة الجنوب في أيار 2000، وأجبرت العدو على الفرار تاركًا خلفه طابورًا من العملاء.

وبعدها بست سنوات، تمكّن المقاومون من تنفيذ عملية أسر محكمة بهدف تحرير المعتقلين في سجون الاحتلال ومن بينهم عميد الأسرى سمير القنطار، الأسير الذي واصل درب المقاومة بعد خروجه من الأسر حتى ارتقى شهيدًا.

جُنّ جنون الصهاينة الذين كانوا في طور التحضير لحرب انتقامية على لبنان تعيد ماء وجههم الذي أراقه اندحارهم عام 2000، فشنّوا هجومًا واسعًا تحوّل إلى هزيمة جديدة عليهم، وكان نصر تموز 2006.

“زمن الانتصارات” الذي أوجع العدوّ وأصابه في كلّ مقتل، كان روحًا تقاتل، بل تتقن القتال منذ الفتوّة: عماد مغنية.

اسم له صدى ترتجف منه القلوب في كلّ أروقة الاستكبار حول العالم. قائد لا يقترب من الأضواء، يحترف الخفاء، ولا يغادر الميدان.

طالته يد الغدر العميلة على أرض سوريا، في كفرسوسة دمشق، صباح 14 شباط 2008. ومرّة أخرى، ظنّ العدوّ أن بقتل “القائد” يُهزم أهل العسكر، ليتبيّن له وللعالم كلّه، كما قال سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله، أن عماد مغنية قد ترك خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين الجاهزين للشهادة.

وبعد، تستمرّ المسيرة، بالدم. معركة الحقّ تتواصل، يرتقي فيها القادة والجنود، ويعلو فيها منسوب البذل وتشتدّ مع البذل العزيمة على القتال.

هذه المقاومة التي تتسامى في كلّ مرّة يغرق فيها العدوّ في وهم إنهائها عبر اغتيال قادتها.

اليوم، في 16 شباط 2026، لم يكن العدوّ ليتوقّع أن يتحلّق أهل المقاومة ليجدّدوا العهد ويواصلوا الدرب، بعد أن رميَ قائدهم وحبيبهم السيد نصر الله بأطنان من المتفجرات داخل غرفة عمليات المقاومة في أيلول 2024، فصار سيّد شهداء الأمّة.

لقد قالها السيّد حسن في إحياء ذكرى القادة الشهداء في 16شباط 2024، “العدو الذي يظن أنه بقتله لِقادتنا ومجاهدينا وعائلاتنا وللنساء والأطفال وأن هدمه للمنازل وحرقه للحقول يمكن أن يدفعنا الى التراجع، أن يجعلنا نضعف أو نشعر بالهوان أو نتخلى عن المسؤولية؟ أبداً.

هذا الكلام كما قلت ينطبق على كل دول وشعوب المنطقة ومحور المقاومة، شهادة هؤلاء القادة في ذكراهم السنوية تُجيب، استشهاد الشيخ راغب أعطى دفعاً جديداً وحضوراً قوياً، استشهاد السيد عباس وأم ياسر وحسين واستشهاد الحاج عماد واستشهاد كل الشهداء، لا المجازر ولا الحروب ولا الدمار، شهادة كل هؤلاء الشهداء والجرحى، حضور هؤلاء المجاهدين، الناس الصامدين، كل هؤلاء يُجيبون”.

ليلى عماشا-العهد

كلّما أبحرنا في شخصيته، كلما ازددنا عطشًا لمعرفة المزيد. هو ابن بلدة النبي شيت البقاعية، ولد عام 1952، وما زالت روحه تسكن روابي الجنوب وسهوله، ووجع الناس في البقاع وعنفوانه.

إنه سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي، الرجل الذي حمل منذ طفولته ملامح الجدّ وحنين الأرض. مضى إلى النجف طالبَ علمٍ، لكن قلبه بقي معلّقًا بتراب لبنان.

في النجف تفتّحت في روحه بذرة المقاومة، وحين عاد إلى الوطن، كان من المؤسسين الأوائل لمسيرةٍ أرادها دفاعًا عن الكرامة قبل الأرض، ضمن إطار حزب الله.

بدا أبًا يمسح بيديه تعب المجاهدين وأحزان الناس. لم تكن كلماته شعاراتٍ عابرة، بل عهدًا نابضًا بالصدق. «سنخدمكم بأشفار عيوننا» ليست عبارةً قالها، بل التزامًا محفورًا في الروح. وبيقين المؤمن العارف قال: «إسرائيل سقطت»، لا بوصفها خبرًا آنيًا، بل إيمانًا راسخًا بأن الباطل إلى زوال.

وفي السادس عشر من شباط 1992، نال سماحته إحدى الحسنيين مع زوجته وطفله، لكن دمه لم يكن خاتمة المشهد، بل رسم خريطة مرحلةٍ أشد حضورًا وامتدادًا. بقيت وصيته الأساس تتردّد كنبضٍ في القلوب: حفظ المقاومة.

وصيةٌ صارت أنشودة أملٍ لا ينتهي، حفظ المقاومة… حفظ الحلم… وحفظ تلك الشعلة التي لا تنطفئ، لأن الشهادة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها.

ومن هنا، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على عروجه المبارك، لا يزال الحنين إليه يتوقّد كل عام. كُتب وقيل الكثير في رحاب السيد “أبو ياسر”، لكن ما لم يُحكَ بعد يبقى أوسع وأعمق من أن يُختصر في كلمات. نبحث عن ذكراه في خطاباته وصوره، في ملامحه التي وثّقتها عدسات قليلة، فحفظتها الذاكرة قبل أن تحفظها الصور، لنُشبع بعضًا من شوقٍ لسيّدٍ ربما لم يعش بعضُنا عصره، لكنه عاش على نهجه وخطّه الخميني المبارك.

ومن هذا المعنى، وفي ذكرى القادة الشهداء، ينشر موقع “العهد” الإخباري صورًا حصرية للسيد عباس الموسوي، القائد الذي يردّد لأجله كثيرون: “يا هَنا مَن عاش عصرك”…

فاطمة سلامة-العهد

أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن أننا “أمام تحديات وضغوطات وتكالب القوى العظمى وتآمرها في هذا العالم الذي تتكشف وتتوالى صوره الحقيقية أمام البشرية”، مشددًا على أن “التغول الأميركي لم يعد في منطقتنا فحسب بل أصبح على العالم، على أوروبا، وعلى كندا”.

وخلال المراسم التي نظمها حزب الله بمناسبة ذكرى الشهداء القادة عند نصب مكان استشهاد سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي في بلدة تفاحتا، وبحضور شخصيات وفعاليات، تساءل الحاج حسن: “هل المطلوب منا أن نستسلم أمام هذا التغول الأميركي و”الإسرائيلي” ونسلّم ما لدينا من قوة لنصبح في ساحة الاستسلام والتنازلات المتتالية والمتوالية؟

أم أن علينا كلبنانيين، إذا أردنا السيادة الحقيقية، أن نحدد معنى السيادة؟ هل تكتمل السيادة والعدو يحتل ويستمر في الاحتلال ويوسّع احتلاله؟ وهل تتحقق السيادة والعدو يقوم يوميًا بالقتل على أرض تقول الدولة إنها بسطت سلطتها عليها؟

وهل تتحقق بقتل الأطفال مثل الطفل علي حسن جابر وسكوت الدولة عن هذا القتل، أو حين يتسلل العدوّ إلى القرى ويخطف المواطنين اللبنانيين، وآخرهم المواطن عطوي عطوي من الهبارية؟ وهل السيادة عندما يدخل العدوّ ويدمر مزيدًا من البيوت وأنتم تقولون إنكم بسطتم سلطة الدولة على الجنوب؟”.

وأضاف: “نحن نريد علاقة مستقرة مع أركان الدولة ولا نريد توترًا، ونريد علاقة منتجة ومفيدة للبلد، لكن نريد تفسيرًا لكيفية الحديث عن بسط السيادة فيما كلّ ما يحدث أن بسط السيادة هو بالاتّجاه اللبناني، أما بالاتّجاه “الإسرائيلي” فصفر.

أما الحديث عن الذرائع فدعوكم منه، ففي سورية لم يعد هناك مقاومة ولا جيش ولا تهديد، بل حديث عن سلام، ومع ذلك “إسرائيل” تضرب ولن تصل إلى اتفاق لأن مطالبها تعجيزية، من منطقة منزوعة السلاح إلى البقاء في الجولان وحرية الحركة في الأجواء والأراضي، وهذا يمكن أن يُطلب من لبنان في أي لحظة”.

وتابع الحاج حسن: “قدمتم تنازلات، إلى أين أدت؟ إلى مزيد من التنازلات بلا نتيجة وقدمتم للأميركيين كلّ ما يطلبون، ماذا أعطاكم الأميركيون حتّى اليوم؟ لا شيء.

قدّموا لبلدكم ولأبناء بلدكم الذين ينتظرون منكم أن تكونوا مسؤولين عنهم لا مسؤولين عليهم. عندما تكون مسؤولًا عنهم فأنت مسؤول عن حمايتهم ومصالحهم ومستقبلهم وأمنهم وحياتهم”.

وختم الحاج حسن بالتأكيد على أن “أهم نقطة في المواجهة هي أن نكون في مستوى مقبول من التفاهم الوطني، على المستوى الرسمي والشعبي والحزبي، لمواجهة الأخطار، لا أن نكون متنافرين ومتخاصمين، ولا أن تصدر أصوات من مسؤولين أو نواب أو قوى سياسية أو إعلاميين تنظّر للعدو وتبرر له أو تدعو إلى القتل”.

وأضاف: “في كلّ عام يأتي علينا السادس عشر من شباط وقادتنا الشهداء سبقونا إلى ربّ رحيم جبار عظيم، قادوا القافلة في حياتهم وقادوا قافلة الشهداء بشهادتهم، وعاهدناهم وسيبقى عهدنا وولاؤنا لهم، بل لرب العباد ولنبي الرحمة ولإمام الحق والعدل ولصاحب العصر والزمان ولقائد الأمة وللأمين العام سيبقى العهد والوعد والوفاء والولاء حتّى نلقى الله مضمخين بدمائنا شهداء أو نلقاه برضا منه وقبول”.

العهد

تكريمًا لعطاءات الشهداء الذين صنعوا العزّة وصانوا كرامة لبنان، نظّم حزب الله حفلًا تكريميًا لشهداء مدينة النبطية، برعاية رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، وحضور مسؤول منطقة جبل عامل الثانية في الحزب الحاج علي ضعون، وإمام المدينة العلامة الشيخ عبد الحسين صادق، إلى جانب عوائل الشهداء وحشد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية والعسكرية والتربوية.

استُهلّ الحفل بآياتٍ من القرآن الكريم، تلاها النشيدان الوطني اللبناني ونشيد حزب الله، ثم كانت كلمة راعي الحفل النائب محمد رعد الذي أكد أنّ النبطية في سنّ رشدها تؤكد التزامها الدائم بنهج الاستشهاد دفاعًا عن الدين والإنسان والوطن.

وقال رعد إنّ شعار شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب “الموقف سلاح والمصافحة اعتراف” يبقى مرجعًا ووصيّة أساسية، فيما يشكّل موقف السيد عباس الموسوي “الوصية الأساس في حفظ المقاومة”.

وأشار إلى أنّ تلال النبطية وهضابها شهدت أروع العمليات ضد مواقع إسرائيل في الطهرة، علي الطاهر، الدبشة، السويداء، الوادي الأخضر، سهل الميدنة، أرنون وقلعة الشقيف، موضحًا أنّ هذه المواقع “تكشف حجم الجرائم والمجازر الإسرائيلية بحق المدنيين، وسلوك العدو المتوحش وطمعه في الأرض والإنسان”.

وأضاف رعد: “نقف اليوم وقفة وفاء وتجديد عهدٍ لأحبّاء قضوا في سبيل الله دفاعًا عن الوطن ونصرةً للمظلومين في غزة وفلسطين والمنطقة، ومن أجل تثبيت الحق والسيادة والكرامة في لبنان”.

وكشف أنّ مدينة النبطية قدّمت 130 شهيدًا توزّعوا على 71 عائلة، بينهم 95 شهيدًا من تشكيلات القطاع، مؤكّدًا أنّ “صورهم خُلّدت في القلوب وأسماؤهم نُقشت في ذاكرة المقاومة”.

وشدّد على أنّ “العدو الذي دمّر بيوت الأهالي وأسواقهم فعل ذلك طمعًا باحتلال البلد وزرع اليأس، لكنه فشل وسيبقى يفشل، لأنّ لبنان محصّن بمعادلة الشعب والجيش والمقاومة”، معتبرًا أنّ “النصر الإلهي حتمي للمؤمنين، وأنّ المجاهدين سيظلون أوفياء لعهدهم”.

وانتقد رعد الذين يسعون إلى تحميل المقاومة مسؤولية الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكدًا أنّ “العدو هو السبب الحقيقي وراء هذه الاعتداءات بدافع أطماعه ومشروعه التوسّعي”. وأضاف أنّ “من يطالب بنزع ذرائع المقاومة إما يجهل طبيعة العدوان أو يراهن خطأً على حماية أصدقاء الخارج بعد التنازل”.

كما شدّد على أنّ مفتاح أمن لبنان واستقراره ليس في تلبية شروط إسرائيل، بل في إلزامها بوقف اعتداءاتها، داعيًا إلى “تعزيز الاصطفاف الوطني لمواجهة الأطماع الإسرائيلية والابتعاد عن سياسات إضعاف الجبهة الداخلية”.

ورأى رعد أنّ من “مصلحة البلاد عدم الربط بين إعادة الإعمار ومعاملات المواطنين وأيّ ضغوط خارجية”، مشيرًا إلى أنّ تأجيل الانتخابات النيابية غير مقبول “لأنّه مطلب دستوري ورئاسي ووزاري، والعدو له مصلحة في تعطيله”.

وختم كلمته بالتأكيد على أنّ “الشهداء سيبقون مناراتٍ تهدي إلى العزّة والكرامة، وأنّ الشعب الوفي ومدرسة المجاهدين سيبقيان مرجعية نتعلّم منها دروس التضحية والوفاء”.

واختُتم الحفل التكريمي بفقراتٍ منوّعة وكلمةٍ باسم عوائل الشهداء، الذين جدّدوا العهد على التمسّك بنهج المقاومة مهما عظُمت التضحيات، تلاها مجلس عزاء حسيني بصوت القارئ الشيخ عبد الله روماني وسط أجواءٍ من الوفاء للشهداء الأبرار.

تعتبر عملية اقتحام موقعي علمان الشومرية الأولى في 18 نيسان/إبريل1987، واحدة من أكثر العمليات تحضيرًا وإعدادًا من قبل المقاومة الإسلامية في لبنان بمرحلة الثمانينيات، فهي تطلبت 7 أشهر من الإعداد، منذ كانت فكرة وطرحًا قدمه الشهيد القائد أحمد علي شعيب. 

ورغم أن الاستعداد المشارك فيها تجاوز سريتين معززتين من المشاة أي ما يفوق الـ 200 مجاهد، جلّهم من مجاهدي التعبئة العامة، إلا أن معظمهم كان مختارًا بعناية، وخضعوا لمرحلة اختبار في معسكرات التدريب، أحدها وأهمها في بلدة الشرقية الجنوبية، قرية الشهيد القائد أحمد شعيب الذي قام بتدريب واختبار عشرات العناصر الذين شاركوا في العملية طيلة صيف العام 1986.

ويمكن الجزم أن الزيارات المتكرّرة للسيدين الشهيدين سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي (قدس) وسيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (قدس) في ذلك الصيف لمعسكر الإمام الحسين (ع) في الشرقية، كان بهدف الاطلاع على الزرع الجليل الذي أخذ الشهيد القائد أحمد شعيب ينشئه مازجًا فيه روحه العاشقة بأرواح متدربيه، حتّى صاروا روحًا كربلائية واحدة تجمعت في أجساد العشرات من رجال الله في تلك المرحلة من البدايات في قرية الشرقية التي كانت معسكرهم الحسيني الأثير للسير على طريق مملكة عشقهم الكربلائية إلى أحد أصعب المواقع الصهيونية الرابضة على بعد كيلومترات على صدر الوطن فوق مجرى الليطاني ووادي الحجير.

الميزة في المعسكرات التي صُقل فيها المشاركون في عملية علمان الشومرية أن بلدة الشرقية وأخواتها مزجت الروح باللياقات العسكرية، فصار المتخرج منها يحمل رتبة مجاهد على طريق القدس، لا يعرفه إلا ربه، مجهولًا في الأرض معروفًا في السماء.

ربيع العام 1986 أقرت قيادة المقاومة الإسلامية خطة توسيع العمليات في البر والبحر ضدّ العدوّ والانتقال إلى المرحلة الثالثة من البرنامج الجهادي لتحرير لبنان من محتليه، وهي رفع مهاجمة المواقع الصهيونية مباشرة إلى مستوى الأولوية القصوى.

تم ذلك بعد اطمئنان القيادة أن العدد والعدة باتا يلبيان متطلبات المرحلة الثالثة؛ فقد خضع المئات من المجاهدين لدورات تأهيل وتطوير وبدأت تتأسس تشكيلات بأعداد مناسبة من الاختصاصات اللازمة للأعمال النوعية المقررة والتركيز على الوجود الصهيوني في الشريط المحتل.

وكما أسلفنا في مقالات سابقة وثقنا فيها عمليات نوعية مماثلة، فقد كانت تلك المتغيرات في أداء المقاومة تطويرًا وتحسينًا وإدامة ردة فعل طبيعية على فرار العدوّ الثاني من قسم كبير من جنوب لبنان والبقاع الغربي (من تخوم صيدا وحتّى الشريط الحدودي المحتل) صيف العام 1985.

وللتذكير فقط فإن العدوّ أقر بعد انسحابه مجموعة كبيرة من الإجراءات والتدابير العسكرية تماشيًا مع عقيدته القتالية الجديدة في لبنان التي أسماها: “قتال منخفض الشدة في المنطقة الأمنية”.

قام العدوّ بتعديلات على خططه السابقة للعام 1985، وأنشأ محميات أمنية وعسكرية في لسان جغرافي منغرس في المناطق المحررة، يبدأ من قلعة الشقيف مرورًا بمنطقتي العيشية والريحان وصولًا إلى جزين، وينعطف شرقًا باتّجاه المرتفعات الغربية للبقاع الغربي، ليؤمن منطقة عسكرية عازلة ومشرفة على المناطق المحررة، وذلك لغرض وحيد وهو حماية مستعمراته الأمنية الشمالية من المطلة إلى شلومي، ومنع التسللات وتأمين حركته في الشريط الحدودي المحتل الممتد من شبعا وحاصبيا شرقًا إلى البياضة والناقورة غربا، ومن أجل هذا الهدف استحدث العشرات من المواقع الحصينة والبؤر الاستيطانية العسكرية في ذلك اللسان الجغرافي، والتي دعمها بالدبابات ومدافع الميدان وأجهزة الكشف الحرارية والرؤية الليلية، رابطًا بينها بشبكة من الطرق العسكرية المؤمنة بطائرات الاستطلاع غير المأهولة من أنواع عديدة أهمها طائرات (سارشر1 وسارشر2) وطائرات القتال الهجومي المروحية من نوع (كوبرا)، ونظام قيادة وسيطرة ومعلومات قادر على استدعاء الطيران الحربي من نوع F16.

وتميّزت عملية دفاع العدوّ عن هذه المواقع المستحدثة بمجموعة من التكتيكات:

1ــ الدفاع الثابت: تؤمنه شبكة من 4 بطاريات مدفعية ومدافع الــ 120 ملم، فضلًا عن مئات الدشم المجهزة برشاشات متوسطة وثقيلة من طرازي “ماغ” 7.62 و”براونينغ” 12.7 ملم. ومدافع عديمة الارتداد من طراز 75 و106 ملم، ومئات أجهزة المراقبة والكشف الإلكترونية، وتحصينات ودشم أسمنتية وكونكريتية، وسواتر وأسلاك شائكة، وخنادق وجدران دفاعية.

2ــ دفاع متحرك: تؤمنه أسراب من الطائرات الحربية والمروحية القتالية وعشرات الدبابات من طراز ميركافا 1 و2 وملالات مجنزرة من طراز M113  وعربات نصف مجنزرة من طراز M3 HALF – TRACKS وآلاف الجنود فضلًا عن تجهيز معظم المواقع بمهبط للمروحيات.

3ــ الدعم المتقابل: وذلك بأن يراقب كلّ موقع منطقة الرؤية الممتدة حتّى الموقع الذي يقابله.

4ــ دوريات الاستطلاع المتوسط والعميق: داخل صفوف الخصم لتأمين معلومات عسكرية ميدانية فورية عن التهديدات.

فرض الانتشار الجديد على العدوّ تغيير الطواقم القيادية الوسطية والعليا، أو إعادة تأهيلها وتبديل وتغيير الألوية والأفواج المنتشرة بألوية جديدة أكثر احترافًا وقدرة على التعامل مع القتال الجبلي، وإعادة تنظيم وتأهيل جيش لحد العميل ورفع كفاءة عناصره وضباطه القتالية لتتواءم مع المهمّة الجديدة.
استعانت القيادة العسكرية الصهيونية بقوات مشاة نخبوية لأجل تحقيق هذا الغرض من وحدات غولاني والمظليين، واستعانت أيضًا بألوية جفعاتي وناحال وكتائب دبابات من الفرقة 36 (لواء غولاني واللواء 188 المدرع ) ومن الفرقة 162 (لوائي ناحال وجيفعاتي واللواء 401 المدرع).

كان هذا النوع من الانتشار يتطلب قائدًا من سلاح المشاة جرى اختباره، ويمكنه إعادة تنظيم العلاقة بين الألوية والأفواج، ويتمتع باللياقة العسكرية والتجربة التي تمنحه أهلية إدارة هكذا قوات فاختير العميد المظلي “يوسي بيلد” قائدًا للمنطقة الشمالية.
جاء اختيار “يوسي بيليد” لتجربته القريبة التي قاد فيها فيلقًا متنوع الاختصاصات في الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 سمّي باسمه “فيلق بيليد”، تولى مهمّة عسكرية صعبة في الاجتياح وهي الزحف بنصف القوات الصهيونية الغازية تقريبًا عبر الجبال والمنطقة الشرقية لجنوب لبنان والبقاع الغربي إلى تخوم بيروت الشرقية.
في بداية حزيران/ يونيو 1986 ومع تكيلف “يوسي بيليد” شهدت المنطقة الشمالية في عهده الذي جاء بعد سنة من الانسحاب الثاني تحولًا نحو التقرب الهجومي من مناطق المقاومة، واستخدام القوّة القاتلة، فضلًا عن إطلاق تكتيك ومفهوم دفاعيين جديدين في القتال هما “تكتيك السحابة المدفعية” و”تدبير هنيبعل”، وكلاهما ابتدعا ليخدما غرضًا واحدًا وهو عدم الانكسار أمام قوات المقاومة التي بدأت منذ أيلول/ سبتمبر من العام 1986 تنفذ المرحلة الثالثة من إستراتيجيتها، وهي اعتماد أسلوب الإغارات الكبيرة على المواقع الحصينة التي كانت تسفر عن اكتساح الاستعداد المهاجم من المقاومين للقوى المدافعة عن المواقع، وقد طبقت المقاومة هذا الأسلوب الناجح في 6 عمليات نوعية كبرى هي:

1 ــ عملية الحقبان في 11 – 9 – 1986 والتي كانت العملية الأخيرة على الموقع الصهيوني اللحدي المشترك، وتسببت نتائجها باندحار العدوّ عن الموقع وتلة الخزان المتاخمة.

2 ــ عملية سجد – بئر كلاب في 18 – 9 – 1986 والتي أبادت فيها المقاومة الإسلامية حامية الموقعين.

3 ــ عملية لوسي السريرة في 3 – 12 – 1986 والتي طبقت فيها المقاومة نفس المبدأ السابق في سجد – بئر كلاب أيضًا.

4 ــ عملية موقع برعشيت في 2 – 1 – 1987 حيث سحق رجال المقاومة بسرعة موقعي العدوّ القديم والمستحدث.

5 ــ عملية علي الطاهر النوعية في 7 – 2 – 1987 التي استشهد فيها الشهيد القائد سمير مطوط (الحاج جواد) وشهدت تطهيره بالكامل والسيطرة عليه لفترة زمنية.

لتأتي عملية علمان الشومرية العمل النوعي السادس في سلسلة العمليات التي أطلقتها المقاومة منذ أيلول/ سبتمبر 1986.

وكانت أيضًا أكثر العمليات الست تعقيدًا، فالموقعان يتربعان على هضبة شديدة الوعورة ارتفاعها حوالي 440 مترًا يحدها من الجنوب وادي الحجير وموقعا القنطرة والعزية ومن الشمال تشرف بالرؤية والرماية على مجرى نهر الليطاني ومجموعة من القرى والبلدات المحررة شمال نهر الليطاني، ومن الشرق موقع الطيبة العسكري الصهيوني الذي يؤمن دعمًا متقابلًا لموقع علمان عسكريًا تعتبر هضبة علمان الشومرية مانعًا طبيعيًا يفصل المناطق المحررة شماله وغربه عن الشريط الحدودي المحتل وخصوصًا منطقة مسؤولية اللواء الشرقي في الجانب المحتل.

يوسف الشيخ- موقع المقاومة الإسلامية-العهد

في 20 نيسان عام 1990، لبّى سيد شهداء المقاومة، السيد عباس الموسوي، دعوة القوى والفصائل الفلسطينية لإحياء مراسم يوم القدس العالمي، حيث وقف خطيبًا داخل مسجد القدس في مخيم نهر البارد، مؤكدًا على ضرورة تحرير القدس الشريف وإسناد المقاومة في فلسطين.

فادي منصور _ العهد

مر اليوم الكبير على خير، رغم التوترات المتنقلة في أكثر من منطقة، والتي عملت وسائل التواصل الاجتماعي على النفخ في بوقها، ليسجل حزب الله نصره “الشعبي المدني”، وينجح في امتحان شعبيته التي حجزت له موقعا متقدما واساسيا على المسرح السياسي اللبناني، والذي ستكون له تداعياته، لجهة اعادة الكثيرين لحساباتهم، تجاه مكون اعاد التأكيد على وحدة صفه.

واضح ان حزب الله تمكن من تحويل تشييع امينيه العامين الشهيدين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، الى مناسبة لاثبات حضوره ووجوده، من جهة، مطلقا الرسائل السياسية الحامية، التي لم تخفف من سخونتها برودة “آدم”، من مباشرة وغير مباشرة، في اكثر من اتجاه داخلي وخارجي، أبرزها:

– إظهاره لبيئة الحزب الحاضنة، التي تضررت بشكل كبير من الحرب، وتكبدت خسائر فادحة في الارواح والممتلكات، أن الضربات التي تعرض لها الحزب وما مني به من نكسات، على صعيد اغتيال قادته، وتضرر جسمه العسكري، مرورا بما حصل في سوريا من انقلاب، وصولا الى المحاولات “الاسرائيلية” – الاميركية، لرسم شرق أوسط جديد، لم تضعف قوته السياسية وان انهكته عسكريا، مؤكدا ثباته على خيار المقاومة في هذا الوقت الشديد الحساسية، حيث اعتبر المراقبون ما حصل، بمثابة استفتاء وتجديد للبيعة، أسقط كل الرهانات على ان “المقاومة” انتهت، وان شعب المقاومة بات في مكان آخر، ليأتي الامس ويؤكد على ان اصرار “أشرف الناس” على المشاركة، رغم المخاطر الامنية، والظروف المناخية الصعبة، اتى لتوجيه رسالة ذات ابعاد سياسية وشعبية لمن يعنيهم الامر.

– إحتفاظ الحزب، رغم الخسائر التي مني بها، بقدراته على كل المستويات اللوجستية والإعلامية والأمنية والسياسية والشعبية والصحية، التي سمحت له بتنظيم فعاليات التشييع على ضخامتها وتشعب محطاتها.

– نجاحه في فرض أجندته على المستوى الرسمي لجهة “الزامه” الرئاسات والحكومة اللبنانية على ان تكون “شريكة” في التشييع، رغم تهديدات واشنطن ووعيدها، التي لا تخفي الوقائع استسلام الكثيرين من “جماعة المحور سابقا” والمستفدين منه، لخوفهم على مصالحهم وطموحاتهم المستقبلية.

– تأكيده للقوى السياسيّةِ والمكوّناتِ اللبنانيّة المختلفة، من خصوم وحلفاء، أنّه سيواجه كل محاولات تحجيم حضوره السياسي، بعدما ظن البعض بعد انتهاء الحرب، أن البلاد دخلت مرحلة جديدة لا مكان للحزب فيها، رغم انه كان شريكا أساسيا في اختيار رئيس الجمهورية، الذي لم يكن بعيدا عنه، كما في تشكيل الحكومة التي حصل فيها على ما اراد و”حبة مسك”، وصولا الى البيان الوزاري الذي اعطاه ايضا ما اراد وان “مواربة”، وعليه فهو جاهز لخوض الاستحقاقات على اختلافها.

– إرساله إشارات واضحة إلى المجتمعَين العربيِّ والدوليّ، مفادها إنَّ الحزب لا يزال القوّةَ الشعبيّةَ الأولى في لبنان، وبالتالي لن يكون بامكان اي كان تجاوزه، وعليه فان التعامل معه يفرضه الامر الواقع القائم ان لم يكن اليوم فغدا، كما ان اي تركيب لاي سلطة جديدة لا يمكن ان يحصل من خلال عزله، كما ان اي مشاريع للسلام او التطبيع لن تجد لها ممرا او مقرا في لبنان.

وبمعزل عن رمزية الحشدِ الشعبي وأبعادِه، عبرت كلمة الامين العام الشيخ نعيم قاسم في الاتجاهات عينها، حيث اعاد التأكيد على نقاطه الاربع التي سبق وحددها، كاطار للحزب في المرحلة المقبلة، لجهة كيفية التعامل مع الدولة والمشاركة في الحياة السياسية الداخلية، تحت سقف اتفاق الطائف، مع التأكيد ان ما لم يأخذ بالقوة خلال الحرب لن يؤخذ بالسياسة اليوم.

ويبقى السؤال الأساسي: ماذا بعد التشييع؟ كيف سيستثمر انتصار الامس الشعبي، كما وحضورا؟ كيف سيتم التعاطي مع اشارات الامين العام؟ والاهم ماذا عن التطبيق الملزِم لاتفاق وقف إطلاق النار، بنسخته وبقراءته الأممية، لا وفقا للقراءة اللبنانية واجتهاداتها؟ واخيرا وليس آخرا كيف ستقرأ اميركا و”اسرائيل” ومعهما العالم تفاصيل ما حدث؟

بالامس طويت صفحة أمين عام، بعدما قاد على مدى اكثر من ثلاثة عقود مقاومة أدت الى انسحاب “إسرائيل” قبل ربع قرن، كما تصدى للاعتداءات المتتالية، وصولا الى حرب تموز 2006 وعدوان ايلول 2024، ليشكل تشييعه انعطافة اساسية، بلا ادنى شك بين مرحلة ومرحلة، من عمر حزب سبق وخسر امينه العام عباس الموسوي قبل أكثر من ثلاثة عقود.

ميشال نصر- الديار

في منزل السيد ياسر الموسوي نجل سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد الشهيد عباس الموسوي، حيث الأجواء مشبعة بقوة الإيمان وصدق المقاومة، كانت المقابلة تُجرى في مكان بسيط، لكنه مليء بكل ما يعكس روح الجهاد والوفاء.

كانت الغرفة مكانًا غير مزدحم بالتفاصيل، لكنها مشحونة بعواطف صادقة، تحمل في جنباتها تاريخًا حيًا من التضحيات والدماء. في قلبه ينبض الأمل والنضال، وتحيط به صور لشهداء من بينهم الشهيد السيد عباس الموسوي وزوجه أم ياسر ونجله حسين، لتُجسد صورة الفقد والأمل في آن.

في تلك الغرفة التي تفتح نوافذها على حياة عصرية، كان حديث السيد ياسر الموسوي مليئًا بالمشاعر الجياشة عن سيد شهداء الأمة السيد الشهيد حسن نصر الله، الذي كان أكثر من مجرد قائد. كان الأب الذي لا يُعوض، الحارس الأمين الذي لم يتركهم يومًا، بل كان دائم الحضور الثابت الذي يعزز فيهم القوة، ويؤكد لهم أن المقاومة ليست مجرد سلاح، بل هي أسرة متكاملة، تضمها روح واحدة، لا تقبل التفريط.

كل كلمة كان يرددها السيد ياسر الموسوي كانت محملة بعاطفة لا تُوصف تجاه السيد حسن نصر الله، الأب الذي لا تقتصر أبويته على النسب، بل تتجاوزها إلى عطاء لا حدود له. كان السيد نصر الله دائمًا الحاضر في كل مناسبة، يغمرهم بحنانه ويشعرهم بالدفء في أصعب اللحظات. كانت تلك الأبوة المتجددة التي لا تعترف بالزمن، وامتدادًا لروح الشهيد السيد عباس الذي زرع فيهم الأمل وأدى الأمانة بأفضل صورة.

 

في زاوية الغرفة، كانت هناك مخطوطة خشبية تحمل كلمات من وصية الشهيد السيد عباس الموسوي: “الوصية الأساس: حفظ المقاومة”. هذه المخطوطة كانت تجسد عظمة الإرث الذي تركه الشهيد، كلمات غير قابلة للتغيير أو التراجع، وكانت بمثابة تذكير دائم لهم بأن طريق المقاومة هو السبيل الوحيد الذي لا يساوم عليه.

على الرغم من الألم الذي يلف كل كلمة، كان السيد ياسر يروي حكايته بابتسامة خفيفة، كأنها تروي قصة الأب الذي أعطاهم القوة ليواصلوا الطريق، من دون أن يشعروا باليتم أو الضعف. كانت الابتسامة تلك تجسد معاني الوفاء التي لم تنقضِ، بل استمرت في العطاء، لتظل المقاومة في قلب كل فرد من عائلته، كما كانت في قلب السيد حسن نصر الله.

في هذا المكان الحديث والبسيط؛ لكنه مشبع بالقوة، كانت الأبوّة في أسمى صورها، لا تُقاس بالدم، بل بالعطاء المستمر، والتزام بالمقاومة التي لا تعرف الانكسار.

(مصطفى عواضة _ العهد)

اتّسمت مسيرة المقاومة الإسلامية في لبنان باستشهاد قادتها… دم القادة شكّل منذ البدايات ذخيرة حيّة في مخازن سلاح المقاومة، وصار سرًّا سماويًا يدلّ على ارتقائها في درجات العزّة وتطوّرها الميداني النوعيّ..

جرت العادة أن يحتفي أهل المقاومة بأسبوع القادة الشهداء، الشيخ راغب، والسيد عباس والحاج عماد، في منتصف شهر شباط/فبراير من كلّ عام، وكانت إطلالة السيّد حسن في هذه المناسبة تتّسم بببعدٍ عاطفيّ عميق، وكنّا نصغي إليه محدّثًا عن ارتباط هذه المسيرة بدم القادة فتتلعثم قلوبنا بفكرة أنّ سيّدنا سيختتم يقينًا حياته بالشهادة، وبدون وعي تهمس أن “يا الله خذ أعمارنا وزد في عمره”.

شاء الله أن يكون تشييع السيّدين القائدين سماحة سيّد شهداء الأمّة وصفيّه السيّد الهاشمي في الفترة الزمنية نفسها التي تحتفي خلالها المقاومة بشهدائها القادة، ولأن لا صدفة في المواقيت، ولأن هذه المسيرة هي درب يقود إلى السماء من بوابة الشهادة، تتحلّق القلوب حول القادة المُحتفى بشهادتهم في شهر شباط، وتحدّثهم عن جمرها المتوهّج وهي تتهيّأ لرفع نعش السيّد نصر الله ونعش السيد صفيّ الدين، تسرّ لهم بحزنها الثوري وبألمها الذي لا بدّ أن يصير رصاصًا وجهته صدر العدا.

تنظر إلى عمامة الشيخ راغب، إلى عينيه الثائرتين. تخبر سماحة الشيخ الشهيد عن صوت السّيّد حسن وهو يحدّث عنه، عن تلك الطلقات الأولى التي بحماه وببركة دمه صارت ترسانة حبّ وثورة. تنتقل إلى وجه السّيّد عباس، تلقي عليه السّلام وتسأله عن لقاه برفيقه وأخيه السّيّد حسن. تذكّره بصرخة “يا رب عوّض علينا بسيّد متل هالسّيّد” التي ما زال يتردّد صداها منذ تشييعه، وتسأله عن بسمته وهو يشهد من عليائه كيف أكمل السّيد حسن المسيرة خلفًا له، بعد أن تقبّل الله منه دعاءه ورزقه الشهادة مع زوجته وولده. ثمّ ترتمي في فيض الوجع بحضرة صورة الحاج عماد، لا تجد كلامًا تقوله، تحار بين غبطتها بالتقاء الصديقين بعد افتراق موقّت، وبين جرحها النازف الهدّار، فالنبأ ما زال وقعه موجعًا، والفقد لم يزل طريًّا، والوداع ما تمّ بعد.

بانتظار حلول الثالث والعشرين من شهر شباط/فبراير، حيث سيودّع أهل المقاومة سيّدهم وصفيّه الهاشمي، تراهم يستظلون مناسبة إحياء ذكرى القادة الشهداء، يستهلون بها جهوزيتهم لمسيرة التشييع، لموعدهم الأخير في الدنيا مع السيّد حسن، يهمسون “هنيئًا”.. يبتسمون وسط الدمع ويردّدون، أنْ من نِعم الله علينا أن المسيرة التي ننتمي إليها، قادتها شهداء.

ليلى عماشا _العهد

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...