بين مشاهد الحزن والعز والفقد والفخر مضى يوم الثالث والعشرين من شباط، اليوم الذي أبكى الأمة دفعة واحدة، وجدّد فيها العهد بنبض واحد.

على وقع الدموع والهتافات والقبضات وهدير الطائرات ودّع جمهور المقاومة أمينيه العامّين، أتوا من كل حدب صوب غير آبهين بخطر الموت ولا البرد ولا الخوف، هَمّهم أن يطلّ عليهم أمينهم وخليفته، وإن كانت الشهادة هنا، سيّدة المشهد والموقف.

حمل الناس قلوبهم بكل أثقالها ومضوا لرؤية أحبائهم ومبايعة أرواحهم، وبين كل جَمعة ومع كل خطوة وداخل كل حشد، ثمة مواقف تُحفر في ذاكرة القلب، تخيط مجتمعةً لوحة المشهد الحقيقي الذي اختلطت فيه كل ألوان الحب والشوق والحزن والفخر والثأر.

عند ساعات الفجر الأولى، انطلق الرجل المسن بخطىً سريعة على الطريق المؤدي إلى المدينة الرياضية، بيده صورة تضم الشهيدين الأقدسين، ونُصب عينيه الوصول إلى مكان التشييع ليتمكن من حجز إحدى المقاعد داخل المدينة.

الملفت أنه على طول المسافة الواقعة تحت نظرَي المشاهد، لم يتوقف الرجل لحظة ليلتقط أنفاسه، رغم شدة البرد وطول المسافة التي قطعها مشيًا على الأقدام ومع كُبر سنّه، إلا أن دافع الحب والشوق طغى، وليس لأهل العشق من سبيل إلا الوصول.

مع بزوغ الشمس بدأت الحشود الغفيرة بالتوافد بشدة، والأطفال على اختلاف أعمارهم وسنينهم، كان لهم حظ وافر ليودّعوا هم أيضًا شهداء الأمة.

عند أحد التقاطعات تمر إحدى السيدات برفقة ولَديها، أحدهما يبدو رضيعًا بين يديها، وفتاة صغيرة أخرى تمشي ممسكةً بيد والدتها، ويدها الأخرى تقبض بقوة على صورة أحد الشهداء إلى جانب الشهيد الأقدس. لسان حال الأم والطفلة واحد: “ودّعنا شهيدنا، واليوم نودع شهيد الأمة.”

على امتداد الطريق المؤدّي إلى مكان التشييع، احتار المشاركون في خدمة المشيّعين، يوزّعون الطعام والمياه والحلوى والقهوة، تراهم بلهفة، يلاحقون الناس المتوجهة نحو المكان، يوزعون عليها ما تيسّر راجين منها القبول، وكلما شعر بعضهم بأن أحد المارة تردد في أخذ الضيافة لسبب ما، توّج طلبه بعبارة لا يتلوها رفض أو تردد:” تفضلوا عن روح السيّد..”

قبل بدء المراسم  بساعتين تقريبًا، وفي أثناء توجه المشيّعين نحو المكان، يلفت انتباهك مشهد عظيم بكل تفاصيله. تسير إحدى الأخوات ممسكةً كتف احد الاخوة معصّب العينين، وسرعان ما تكتشف أنه من جرحى “البيجر”.

تتجه معه نحو الباحة الخارجية للمدينة الرياضية، يمشيان بالقرب منك بخطوات نشطة مسرعة، علها تتمكن من الدخول برفقته والجلوس على أحد المقاعد. كلما توقفا لحظة، سألها “مطولين؟” فتجيبه: “رح نوصل، معش كتير لنشوف السيد،” والقصد “لم يتبق الكثير، لترى السيد بعين قلبك.”

بعد انتهاء المراسم داخل المدينة الرياضية، وفي أثناء خروج الحشود لمرافقة الموكب المتجه نحو المرقد الشريف، يحمل شاب عشريني “كوفية” يمسح بها لحيته ورأسه، والدموع لا تزال تنهمر من عينيه دون توقف، يحاول شاب بجانبه أن يكفكف دموع رفيقه، لكن صرخة انطلقت انتزعها من أعماق قلبه لا حنجرته: “هذه الكوفية فيها ريحة السيد..هذه الكوفية تباركت بنعش السيّد..”

من مشاهد الحزن والفقد إلى مشاهد العز والقوة، يتربّع في مقدمتها مشهد قبضات وصيحات الناس التي ارتفعت عاليًا وارتجّت بها الأصداء، حين هدرت الطائرات “الإسرائيلية” فوق الجموع محاولة بث الرعب فيهم، لكن الجواب كان حاضرًا وعفويًا وقوياً وسريعًا، التفّ الناس محدّقين عاليًا تسبقهم صيحاتٌ ثابتة قوية “الموت لإسرائيل..الموت لإسرائيل.” دون أن يهتز أحدهم من  مكانه، أوّلهم النساء والأطفال.

مشاهد التنظيم والمسؤولية والالتزام كانت حاضرة بشكل جلي، والمرة تجسدت بأبناء كشافة الإمام المهدي(عج). فتية بأعمار مختلفة أنهوا دورهم في مسيرة التشييع، حملوا الأكياس وانتشروا في الشوارع لتنظيفها وإزالة الأوراق منها، دون كلل أو تعب أو ملل، توزعوا في أكثر من مكان ليُتمّوا المهمة بأسرع ما يمكن وقبل حلول الظلام.

مضى موكب التشييع نحو المثوى الأخير ومضى الناس برفقته حتى اللحظات الأخيرة، بعدها وبفارق ساعة من الزمن، يكسر قلبك مشهدٌ ختامي لا ينسى.

على الجهة الأخرى من الطريق الدولي المتجه جنوبًا، تمشي حاجة مسنّة على عكازها، قاطعة مسافة طويلة لعدم فتح الطريق أمام حركة المرور بعد، عيناها المحمرتان تَشِيان بسر البكاء الطويل، تمشي بخطوات ثقيلة من وقع الحزن وكسرة القلب، وعند اقترابك منها وقبل وصول عناصر الهيئة الصحية لمساعدتها، ستسمع بغصّة تكرار تمتماتها:” الله معك يا عمري..الله معك يا سيّد.”

المصدر: العهد

في مشهد تاريخي لم يشهده لبنان من قبل، ودّع ملايين اللبنانيين والأحرار من مختلف أنحاء العالم، وكنا من بينهم، أحد أعظم قادة المقاومة في العصر الحديث، السيد حسن نصر الله. لم يكن التشييع مجرد حدث عابر، بل كان تجسيداً لمعنى الصمود والوحدة التي أسسها هذا الرجل طوال عقود من الجهاد والعطاء والبناء والمقاومة.

في لحظات فارقة في تاريخ المقاومة، ارتفعت رايات العز والشجاعة لتحكي قصة قائدٍ حمل همّ أمته وأصبح نصيراً لكل المستضعفين.

السيد حسن نصر الله لم يكن مجرد قائد لحزب الله، بل كان رمزاً للأمة بأسرها، صادقاً مع قضاياها ومخلصاً لمبادئها. وقفت الأمة معه، وفاءً له ولتضحياته، وظهرت في ملامح هذا الوفاء اللحظات التي كتبها التاريخ بحروف من دماء الشهداء.

تميز السيد نصر الله بكاريزما استثنائية، جمع بين القوة واللطف، وبين الحضور الهادئ والتأثير العميق الذي تخطى حدود الجغرافيا والمذاهب والطوائف.

لقد كان الرجل الذي وحد الأمة تحت راية الحق، وأثبت أنه لا حدود يمكن أن تقف في وجه عزيمة الأحرار. لذلك، كان مشهد التشييع التاريخي في لبنان شاهداً على عمق التأثير الذي أحدثه هذا الرجل في العالم، حيث تجلت معاني التضامن والاتحاد بين مختلف الجنسيات والمذاهب.

في تلك اللحظات، حضر نحو مليون وأربعمئة ألف شخص، من لبنان والدول الأخرى، في تشييع لم يكن عادياً؛ فقد شهدت الأجواء تحليق طائرات العدو الإسرائيلي في محاولة لإثارة الخوف وتفريق  الحشود.

لكن الرد كان قوياً، إذ هتف الملايين “الموت لإسرائيل والحياة لنصر الله”، مشهدٌ أكد أن حب السيد نصر الله محوري لا يقبل التراجع أمام الأعداء.

إن التشييع لم يكن مجرد وداع، بل كان نصراً جديداً للسيد نصر الله. لقد ظلت الأمة تؤمن بأن شهادته لم تكن نهاية الطريق، بل بداية تحوّل جديد، تحوّل تتجدّد فيه العزيمة وتهتز فيه أركان الظلم والعدوان.

في قلوبنا، نحن اليمنيين ونحن في قلب مشهد التشييع المليوني، كان السيد نصر الله يعني أكثر من قائد، كان صديقاً وشريكاً في النصر، وكان كل كلامه عن الإيمان بالحق، والعزيمة على الاستمرار في مسيرة الجهاد المقاومة.

لم يكن لبنان يوماً إلا صورة في قلوبنا، كنا نراه في كل زاوية وفي كل كلمة، وما كان يحركنا أكثر هو حبه لليمن، ومواقفه الثابتة بجانب الشعب اليمني في مواجهة العدوان.

كلماته الخالدة، التي ألقاها في مواسم النصر، كانت ولا تزال تلهب حماسة الجماهير وتملأ قلوبهم بالفخر والعزيمة والصبر والثقة بالنصر.

لقد كان السيد نصر الله جزءاً من كينونتنا، وكان صوتاً لنا في أصعب اللحظات.

لم نكن نتخيل لبنان من دون سيد المقاومة، لم نتصور أن غيابه سيكون حقيقياً، فقد تربينا على صوته وخطاباته، على حديثه الذي يجذب القلب والعقل، وعلى رؤيته التي كانت سراجاً ينير الطريق لكل حر في هذا العالم.

وفي تلك اللحظات التي ودّع فيها السيد نصر الله هذا العالم، كان صوته يصل إلينا، من “تموز” ومن أعماق الجماهير، ليزيد جسور الاتصال متانة بينه وبين الشعب، وليعبّر عن الارتباط العميق بينه وبين المجاهدين والمقاومين في كل مكان. “إلى اللقاء يا سيدنا”، هكذا هتفوا، وهتفنا معهم: إنا على العهد يا نصر الله.

لقد كانت مراسم التشييع، التي شهدها لبنان وعدداً من البلدان الإسلامية، استفتاءً أممياً على محورية مشروع المقاومة الذي جاهد السيد نصر الله لأجله طوال أكثر من أربعين عاماً.

هذا المشروع لم يكن نتيجة اجتهاد شخصي، بل كان منحة إلهية، اختار الله لها صاحباً يبني التحوّلات والانتصارات بدءاً من التحرير وحتى معركة تموز والتحرير الثاني، وما سجل من انتصار تاريخي يوم التشييع.

السيد نصر الله لم يكن فقط قائداً سياسياً أو عسكرياً، بل كان معلماً للأجيال، يزرع فيهم القيم والمبادئ التي تُنير طريقهم في مواجهة التحديات. بدأ مشواره طالباً للعلم منذ السادسة عشرة من عمره، ثم قاد حزب الله بكل إصرار وعزيمة، ليحقق معه إنجازات تاريخية.

ومن لم يستطع التوجّه إلى لبنان للمشاركة في مراسم التشييع، أقام في اليمن والعراق وتونس وإيران مراسم رمزية، تعبيراً عن محبته واعتزازه بسيد المقاومة، ذلك السيد العربي المعمم بالنصر.

كانت حشود التشييع الرمزية رسالة إلى الأعداء قبل الأصدقاء، بأن ساحات محور الجهاد والمقاومة ما زالت متآزرة ومتلاحمة، من جذورها وأعماقها، وأن العهد ما زال مستمراً.

المصدر: الميادين

لا تُشبه التغطية الإعلامية لحدث تشييع الأمين العام لحزب الله سيد شهداء الأمة الشهيد حسن نصر الله وخليفته السيد الهاشمي الشهيد هاشم صفي الدين أي حدث آخر. للمناسبة أبعاد كثيرة، يُقارب فيها الإعلامي الحدث بصفته مواطنًا عاديًا قبل أن يكون صحفيًا.

تتداخل المعايير الشخصية والمشاعر بكل تفصيل وموقف. هذا ما أجمع عليه صحفيون كُثر من جنسيات مختلفة حضروا منذ الصباح الباكر لتغطية الحدث المهيب. ففي حضرة السيد الشهيد، تنسلخ عن مهنتك لبعض الوقت، تنساها رُبما لتحظى بلحظات أنس بالقرب من النعش المبارك، تتألم، تبكي بحرقة.

ثم تعود أدراجك لتُكمل عملك، فيخذلك التعبير، حيث لا مصطلحات تفي بالوصف الحقيقي، ولا كلمات تُعبّر عن شخصية استثنائية في يوم استثنائي.

في حضرة السيد الشهيد يُصبح للعمل الإعلامي مغزى ثمين وهدف ثقيل. لكلّ صورة حكاية، وكيفما اتجهت عدسات الكاميرا، ثمّة لقطة مميّزة.

في حضرة السيد الشهيد، لا مكان للتعب بين الإعلاميين. العزيمة والهمّة لتغطية التشييع المهيب تقرأها في وجوه الكثير منهم.

ما إن تدخل نقطة التجمع في فندق “غاليريا” حتى تُصادف مئات الصحفيين اللبنانيين والعرب والأجانب الذين بكّروا في الحضور ليحظوا بشرف التغطية. زهراء صحفية أتت من الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر دبي الى لبنان. تحمّلت عناء المرور بدولة ثانية قبل المجيء إلى بيروت كرمى لروح قائد المقاومة، فسيد شهداء الأمة يستحق، وتغطية الحدث تبقى وسامًا على رأس كل صحفي، وهي تختلف بكل ما فيها عن الأحداث الأخرى.

نورا الحاج إعلامية سورية تتحدّث والدموع تغلبها عن الحدث العظيم. تقول بحسرة أنّ تلقيها لنبأ شهادة سماحة السيد كان يضاعف أضعافًا مضاعفة وفاة والدها الذي عندما توفي شعرت كأنها خسرت سندًا، ولكن عندما توفي سماحة السيد لم تشعر بأنها خسرت سندًا فقط؛ بل خسرت الأمان، أمان الروح. وتشدّد الحاج على: “أنّنا في سورية بخسارة سماحته خسرنا عامود سورية، فمحبة الشعب السوري للسيد الشهيد كانت أضعافًا مضاعفة من أي بلد ثان”، وفقًا لوصف الحاج التي تلفت إلى أن سماحته كان أول من دافع عن أرضنا وأول من لبى النداء عندما تعرضت بلدنا للاعتداءات. وتختم حديثها بالقول :”يُشرفني أنني عشت بمرحلة زمنية كان لي فيها معرفة بسماحة السيد”.

يختلف التشييع بالنسبة إلى الإعلامية في إذاعة النور إلهام نجم عن أي حدث آخر على الرغم من مواكبتها العديد من الأحداث على مدار نحو 30 عامًا من العمل الصحفي، فهذه التغطية تتناول شهادة قائد استثنائي تاريخي لا يشبهه أحد باستثناء الإمام روح الله الخميني (رض). وهي استثنائية؛ لأنها تمس قائد المقاومة الذي وعد بالنصر وحقّق كل ما وعد به. كما تستمد المناسبة استثنائيتها من علاقة السيد الشهيد الصادقة ومحبته لجمهوره، وهذه المحبة كانت متبادلة وعبّر عنها بكل شفافية، لذلك فهي تمسنا لأنها تمس قائدنا بشكل مباشر، فكيف ما كانت التغطيات السابقة من مؤتمرات وقمم ومناسبات وتغطية أخبار شخصيات لا تشبه تغطية اليوم ولا على أي مستوى من المستويات؛ حيث كنا أمام أكبر حشد شهده لبنان، ومن أكبر الحشود التي حصلت في العالم.

تُكمل نجم حديثها بغصّة:” لم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أعيش والسيد حسن ليس موجودًا، ليس نكرانًا للموت، ولكن ربما فاتنا أن نفكّر بأن السيد قد يغادر الدنيا قبلنا، كانت توقعاتنا أننا نحن من سيموت والسيد سيبقى، ويتابع القضايا المحقة التي يتابعها منذ سنوات”.

وتابعت:”طوال سنوات المقاومة التي عاشها سماحته (رض) منذ العام 1982، كان هو الحاضر الدائم ولم يخطر ببالي يومًا، مع أن الموت حق، أن أشارك بتشييع الأمين العام لحزب الله، أبدًا أبدًا”.

الإعلامي اليمني بندر الهتار يصف اليوم بالتاريخي العظيم، فهذه الجماهير الكبيرة التي حضرت من جميع دول العالم تعبّر بحضورها عن تمسكها بخيار المقاومة. يُشدّد الهتار على أنّ الشهيد السيد حسن سيكون رمزًا عالميًا وليس فقط للمسلمين، لمواجهة الهيمنة، وهذا ما يثبته الحضور الجماهيري الكبير منذ ساعات مساء أمس حيث التهافت غير المسبوق بتاريخ لبنان والمنطقة.

يؤكّد الهتار أنّ الرسالة اليوم هي رسالة الوفاء للسيد وخليفته وهذا جزء من ردّ الجميل للسيدين اللذين وقفا معنا وتحمّلا الأعباء ودفعا ثمن موقفهما الصادق مع اليمن.
المصدر: العهد

تفاعلت وسائل الإعلام الإسرائيلية، بشكل كبير مع تشييع شهيد الأمة السيد حسن نصر الله، والسيد هاشم صفي الدين، التي أُقيمت اليوم الأحد، في بيروت، حيث بثّت عدد من القنوات الإسرائيلية المراسم ببثٍ مباشر.

ووصفت صحيفة “یدیعوت أحرونوت” الإسرائيلية، الحدث بأنه استعراض لقوة حزب الله، مشيرةً إلى أن “أکبر صلاة الجنازة، أقيمت في لبنان منذ 20 عاماً”.

كما سلطت الضوء على شعار “المعركة ضد الاستكبار لن تتوقف”، الذي رفعه المشاركون، وأكدت الصحيفة أن التحليق المكثف للطائرات الحربية الإسرائيلية فوق سماء بيروت “لم يؤثر على مشاركة الجماهير في الجنازة”.

وأشارت الصحيفة إلى أن “الحشود التي تجمعت في ملعب بيروت، رافقت نعش نصر الله إلى ضاحية بيروت الجنوبية حيث وُوري الثرى”، معتبرةً المراسم بمثابة “استعراض مهم لقوة حزب الله”.

وأوضحت الصحيفة أنه في محاولة للتأثير على هذا الاستعراض، حلّقت 4 طائرات حربية إسرائيلية – طائرتان من طراز F-15 وطائرتان من طراز F-35 – فوق بيروت على ارتفاع منخفض خلال المراسم. كما تم توثيق دوي انفجارات صوتية فوق المنطقة.

من جهتها، توقعت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أن تقوم القوات الجوية الإسرائيلية بشن غارات على مراسم التشييع، لكن الصحيفة أكدت أن “اللبنانيين لم يتأثروا بالتحليق وشاركوا في صلاة الجنازة”.

وما أثار تفاعل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أكثر هو الهتافات التي أطلقها المشاركون في الجنازة، حيث أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أنّ الجماهير كانت تهتف بشعارات المقاومة “لبيك يا نصر الله! الموت لأميركا! الموت لإسرائيل!”، مما يبرز “تمسكهم الشديد بقيادة الحزب وأهدافه”.

المصدر: الميادين

قبل بزوغ الفجر، خرجوا كالشمس من رحم الليل، أفواجًا تحمل أرواحها على الأكفّ، تسير بخطى من نقشوا قسم الوفاء في أعماقهم. تدفّقوا كنهر يسير إلى مصبّه، وقفوا كما يتشبّث السنديان بجذوره، لوحوا كالصفصاف مودّعًا أحبّته في الريح.

لم تكن المدينة الرياضية في بيروت مجرد ساحة، بل محرابًا تجلّت فيه معاني العشق الأبدي، حيث ارتفعت الأرواح قبل الأيدي، وهتفت القلوب قبل الحناجر، في وداعٍ يليق بمن رفعوا أعمدة الكرامة وشادوا من دمائهم قباب النصر.

العيون كانت شاخصة على سيد شهداء الأمة معزّ المؤمنين وصفيه الهاشمي،قائد المقاومة الذي أطلق فجره الأخضر في أيامنا، من رسمته الأرض على معصمها،وفي كل خطوة، تحسّ بأثره، وعده الذي زرع الأجيال بالأمل وفمه الذي أضاء الكلام، فأصبح فصل الخطاب،الدرب الذي لا يضل، والوعد الذي لا يتبدّد.

كالبحر في مدّه العظيم، تدفّقت الجموع، فغصّت بهم الطرقات حتى ضاقت، واستحالت الساحات أمواجًا لا تهدأ. لم يكن المشيّعون أعدادًا، بل جسدًا واحدًا، نبضه يهتف باسم من جعلوه قبلةً لحبّهم، ورايةً لعزتهم، ونورًا لطريقهم الممتدّ حتى القدس.

“سلامٌ عليك يوم وُلدتَ، يوم واجهتَ، يوم صمدتَ، ويوم ارتقيتَ نجمًا لا يأفل”.. هكذا كان الوداع، عيون وقّادة أبت أن تنطفئ، وأصوات تشقّ السماء، وقسمٍ يُكتب بمداد الدم: “لن تسقط الراية”.

نهر الجموع المندفع لم يكن يسير نحو نهاية، بل نحو بداية متجددة، نحو عهد يزهر من كل قطرة دم سالت، ليؤكّد أن الشهداء لا يموتون، بل يعودون ورودًا وجذورًا تتغلغل في الأرض، وأجنحة حرية وكرامة تحلّق في سماء القضية.

في بيروت وضاحيتها الجنوبية، كما في كل زاوية في الوطن، كان الوداع صرخةً تهزّ أركان العدو: “هيهات منا الذلة”، مؤكدةً أن هذا الشعب، بعد التشييع، سيخرج أكثر عزماً وصلابة من أي وقت مضى.

المصدر: موقع المنار

أثارت تغريدات السيدة ريما فيروز تفاعلًا واسعًا على منصة “إكس”، حيث عبّرت عن حزنها العميق لفقدان السيد حسن نصرالله مخاطبةً إياه بعبارات عكست حزنها الشديد، قائلة: “عد لا ترحل يا أبانا… يا سيدي، يا سيد، يا روحي”.

وفي تغريدة أخرى، وجهت نداءً مؤثرًا إلى الكنائس والمؤمنين، قائلة: “أين كنائسنا من التشييع؟ اقرعوا أجراس الكنائس… لا تستمعوا إلى أبواق الفتنة، اقرعوا الأجراس، علّوا الأذان”.

كما نشرت صورةً تضم أيقونات دينية وصورة للسيد الراحل، مؤكدةً أن صلواتها ستُهدى له في يوم الراقدين، وكتبت: “قبل تشييعك، صلاتي وقلبي وروحي لك وحدك”.

وفي تغريدة أخرى، ردّت فيروز بلهجة غاضبة على منتقدي السيد ومكانته، فكتبت:

“أنتم من تشمتون وتسخرون من الشهادة والشهيد، وأكثركم من اليمين المتطرف، رح قول: لو أتى السيد المسيح اليوم لبصقتم عليه وصلبتموه ثانية، ولو أتى النبي والإمام والمرسلون لقتلتموهم. إذ لم تروا صدق السيد وطهارته وشرفه ومحبته، فأنتم إلا جثث ماشية، يا ويلكم من غضب الله… السيد الأمة.”

تغريدات ريما فيروز تعكس حالة الحزن العميق والتقدير لشخصية السيد، داعيةً الشعب اللبناني إلى التوحد في وداعه بما يليق بمكانته الروحية.

تشكّل فعّاليات تشييع الأمين العامّ لحزب الله السيد حسن نصر الله، لحظة فارقة في تاريخ لبنان والمنطقة وللشعوب الحرّة المناضلة من أجل حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ورفض الإبادة، وتحرير الأرض العربية من الاحتلال الإسرائيلي.

تاريخياً، تخطّت القيادات التي ناضلت ضدّ الاحتلال والاستعمار والإمبريالية حدود الجغرافيا الضيّقة، لتشكّل إلهاماً للشعوب المضطهدة في سعيها لتقرير المصير والتحرّر من الاستعمار حول العالم.

واللافت تاريخياً أيضاً، أنّ اغتيال تلك القيادات، لم يفرمل اندفاعة المقاومة ضدّ الاستعمار، بل شكّلت تلك القيادات بعد رحيلها، مصدر إلهام أكبر وأعمق حفر في وجدان الشعوب رمزية استثنائية، وشكّل الرحيل حافزاً لمواصلة المقاومة عبر الإيمان بالانتصار حتى في ظلّ الغياب.

وبالتحديد أكثر، شكّلت لحظات وداع “أبطال التحرّر” علامة فارقة في تاريخ الوعي بالقضايا التحرّرية نفسها، وأضافت إليها بعداً وجدانياً يتجاوز الخسارة الشخصية للأفراد لتصبح مسألة وعي قومي وعالمي بالقضية التي ناضل هؤلاء من أجلها.

تشي غيفارا

نجحت عملية خاصة مشتركة بين الجيش البوليفي وضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1967، في إلقاء القبض على تشي غيفارا وقتله رمياً بالرصاص في بوليفيا. كان موت غيفارا وعرض جثته من قبل السلطات البوليفية يهدف إلى إضعاف معنويات الحركات الثورية. لكن الاستشهاد عزّز القضية بدل أن يضعفها.

أبقت السلطات البوليفية مكان دفن غيفارا سرياً لفترة طويلة من الزمن. إلى أن تمّ اكتشاف جثمانه عام 1997، فنقل من بوليفيا إلى كوبا ودفن في سانتا كلارا.

شكّلت جنازة غيفارا المتأخّرة ثلاثين عاماً رمزاً للأممية الثورية ومناهضة الإمبريالية والنضال العالمي من أجل التحرّر. ولا تزال صورة وجهه ـــــ لغاية اليوم ـــــ رمزاً لكثير من المعاني الثورية التي تُفهم من دون كلمات.

غاندي

حين يذكر التاريخ غاندي، يذكر الناس نضاله ومساره، لكنّهم يؤكّدون أنّ جنازته وحرق جثمانه (بحسب التقليد الهندوسي) شكّلت لحظة من الحزن الوطني العميق، وتحوّل إلى قوة دفع لقضيته لم تكن لها قبل اغتياله. لقد وحّد موته أمّة منقسمة بشدّة ومفتتة بالطبقية والعنف الطائفي.

تعزّز إرث غاندي بعد اغتياله الذي ألهم الملايين حول العالم، ولفتت جنازته انتباه العالم إلى نضال الهند من أجل الاستقلال، وألهمت فلسفته النضالية الخاصة (اللاعنف) حركات التحرّر العالمية، ومنها حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والتحرّكات المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

باتريس لومومبا (الكونغو)

كان أوّل رئيس وزراء للكونغو المستقلة. بسبب نضاله لتحرير بلاده من الاستعمار، تمّ اغتياله عام 1961 في كاتانغا (مقاطعة كونغولية انفصالية آنذاك) ولم يعثر على جثته بعد تذويبها بالأسيد.

سلّطت جنازة لومومبا التي حصلت عام 2022، بعد موافقة السلطة البلجيكية على تسليم ما تبقّى منه، الضوء على وحشية الاستعمار وألهمت حركات التحرّر من أجل استقلال أفريقيا.

مارتن لوثر كينغ

صدمة اغتيال مارتن لوثر كينغ وجنازته الحاشدة سلّطت الضوء على العنصرية وعدم المساواة وغياب العدالة في الولايات المتحدة. أدّى اغتياله إلى أعمال شغب واحتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء الولايات، ولكنه أدى أيضاً إلى تسريع إقرار تشريعات الحقوق المدنية.

 بعد جنازته تعزّزت حركة الحقوق المدنية وازدادت الضغوط على المسؤولين في الولايات المتحدة لمعالجة العنصرية المنهجية، وألهمت كلماته التي تمّ تكرارها وتردادها بعد اغتياله، الحركات الداعية إلى العدالة العرقية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

السيد حسن نصر الله

لا شكّ، كان استشهاد السيد حسن نصر الله علامة فارقة في تاريخ لبنان وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. شكّل يوم 27 أيلول/سبتمبر 2024 محطة مفصلية في تاريخ “محور المقاومة” الذي كان السيد نصر الله الأساس الذي تستند إليه وتدور حوله حركات المقاومة في الإقليم.

في ذلك اليوم، استشعر اللبنانيون من محبّي السيد حسن نصر الله، ومعهم العديد من مواطني دول العالم بخسارة شخصية جداً، حيث شعر كلّ شخص أنّ الاغتيال ورحيل السيد أصابه معنوياً وعاطفياً ووجدانياً.

 من الناحية المعنوية، سيحوّل التشييع الخسارة الشخصية إلى قوة إلهام وإصرار جماعي للفعل والمقاومة، وسيحفّز التضامن العالمي من أجل فلسطين، وسيعزّز حركات التحرّر ومقاومة الاستعمار الحديث حول العالم.

 من الناحية السياسية، التشييع المهيب في الحضور والحجم والتنوّع العالمي، هو مناسبة لتأكيد تجذّر المقاومة في لبنان وفلسطين وتشكيل الخيارات وزيادة الوعي والإصرار على تحرير الأرض من الاحتلال… هو رسالة سيتردّد صداها في الإقليم، وعلى مساحة الجغرافيا السياسية الأوسع لدول عالم الجنوب.

سيكون بالفعل، ما بعد التشييع ليس كما قبله.

المصدر: الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...