يعمد بعض وسائل الإعلام في لبنان إلى تبني نظريات تسعى إلى خلق رأي عام حول أفكار لم تكن سابقاً مقبولة أو مطروحة في المجتمع اللبناني، بمختلف طوائفه، مثل قضايا التطبيع أو «السلام مع إسرائيل».

لجأت هذه المؤسسات إلى استثمار مبالغ كبيرة في إنتاج برامج إعلامية، بهدف الترويج لهذه الأفكار وخلق بيئة تقبلها محليًا، ضمن خطط تواصلية مدروسة.

تندرج هذه الممارسات التي تقوم بها هذه البرامج ضمن ما يُعرف بـ«نظرية وضع الأجندة»، التي طوّرها كل من ماكسويل مكومبس ودونالد شو عام 1972.

تفترض هذه النظرية أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس كيف يفكرون، بل تحدد لهم ما الذي ينبغي التفكير فيه. فعندما يتم التركيز على قضية معينة وفتح النقاش حولها، تصبح في صدارة اهتمام الجمهور.

وقد اعتمدت بعض القنوات على البرامج الحوارية كأداة لتطبيق النظرية، حيث تستضيف آراء مختلفة، إلا أن الملاحَظ هو دعم واضح للآراء المؤيدة للتطبيع.

يظهر ذلك من خلال تفاعل الجمهور داخل الاستوديو، الذي يميل إلى التصفيق لهذه الآراء التي تجرم المقاوم والمدافع عن الارض، وكذلك من خلال أسلوب المقدم الذي يبدو منحازًا في بعض الأحيان.

يتناول كل من نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان هذه الظاهرة في كتابهما «صناعة القبول»، حيث يوضحان كيف تؤثر القوى الاقتصادية والسياسية في إنتاج الأخبار وتشكيل الرأي العام. ويستند الكتاب إلى «نموذج الدعاية»، الذي يرى أن الانحياز الإعلامي لا ينتج بالضرورة عن رقابة مباشرة، بل عن عوامل بنيوية تُعرف بـ«المرشحات». ومن أبرزها: ملكية وسائل الإعلام، الضغوط والانتقادات المنظمة، والافتراضات الأيديولوجية السائدة.

تؤدي هذه العوامل إلى إنتاج محتوى إعلامي يدعم مصالح النخب السياسية، مع تهميش الآراء المعارضة، وهو ما يمكن ملاحظته في بعض البرامج المشار إليها.

بعدما فتحت اسرائيل حربها مجدداً على لبنان، لجأت السلطة إلى الدخول في «مفاوضات مباشرة» مع العدو، من دون امتلاك ورقة ضغط لاستخدامها في المفاوضات، ومن دون اجماع شعبي وسياسي على ذلك.

وعوضاً عن ان تعمل هذه المؤسسات الاعلامية على نشر رأي الشعب، بدأت بالترويج لهذه المفاوضات عبر البرامج الحوارية، على أنّها الحل الأمثل لانهاء الحرب.

من جهة أخرى، تعتمد هذه الوسائل الإعلامية على مجموعة من الآليات لترسيخ مفاهيم جديدة عبر النقاش، مثل اختيار القضية عبر طرح موضوع لم يكن في السابق قابلاً للنقاش، مثل «التطبيع» وتجريم المقاومة، وإدخاله إلى المجال العام.

كما تعتمد على إعادة الطرح من خلال تناول القضية نفسها بطرق متعددة، عبر البرامج الحوارية، المقابلات الميدانية، والمحتوى الرقمي.

فقد شاهدنا على مواقع التواصل الاجتماعي بعض المقابلات الميدانية التي طلبوا فيها من الناس ابداء رأيهم في التطبيع، ولكن الغريب في الامر أنهم لم يعطوا مجالاً لمن كانوا ضد فكرة السلام مع العدو.

أما عن التكرار فلجأت المؤسسات الاعلامية الى إعادة عرض الفكرة بصيغ مختلفة، كربط قضايا أخرى بها، مثل تحميل بعض الأطراف مسؤولية الأزمات التي كانت مطروحة سابقاً كعملية تبيض او تجميل ما يقوم به العدو.

وكنوع من انواع التكرار، تعتمد هذه المؤسسات على تنويع الضيوف، اي استضافة آراء متعددة بهدف إبقاء النقاش مستمرًا، ما يعزز حضور القضية في وعي الجمهور.

ومن الأمثلة على ذلك، البرامج الحوارية، والمقابلات في الشارع، والمحتوى القصير الذي ينتشر عبر المنصات الرقمية، والذي يطرح هذه القضايا أمام شريحة واسعة من الجمهور مثل الفيديو الذي انتشر عن قول احدهم «بدنا سفارة اسرائيل ببيروت».

هذا ما جعل النقاش في متناول شريحة اوسع في المجتمع اللبناني.

كما جعله أكثر قابلية للنقاش بين الناس. فالهدف الآن ليس «السلام» مع اسرائيل فقط بل أن يصبح الموضوع مقبولاً بين اللبنانيين.

في المحصلة، تعمل هذه الأساليب على التأثير التدريجي في الجمهور، عبر بناء رأي عام يميل إلى تقبل أفكار جديدة، وإعادة تشكيل مفاهيم قائمة.

وفي ظل ذلك، يبقى السؤال المحوري: في دولة ينص قانونها على معاقبة من يدعو إلى السلام مع العدو أو يطالب بالتطبيع، أو يصافح العدو، هل ستقوم الدولة بتطبيق هذه القوانين على هذه الحالات، أم أن الواقع الإعلامي الجديد فرض معادلة مختلفة، خصوصاً أنّ الدولة التي وضعت تلك القوانين هي من تخالفها.

علي بنجك-الاخبار

علمت «الأخبار» أنّ رئيس الجمهورية جوزيف عون وفريق مستشاريه يمارسون ضغوطاً على النائب العام التمييزي بالإنابة، القاضي بيار فرنسيس، لاتخاذ قرار بتوقيف الزميل حسن عليق، على خلفية مواقفه الأخيرة وانتقاداته لرئيس الجمهورية.

وبحسب المعلومات، تواصلت دوائر القصر الجمهوري مع فرنسيس لدفعه إلى استدعاء عليق للمثول أمامه بدعوى الحق العام، على أن يُصار، في حال تخلّفه عن الحضور، إلى إصدار مذكرة بحث وتحرٍّ بحقه، تمهيداً لتوقيفه.

وتشير المعطيات إلى أنّ ضغوط القصر بلغت حدّ الدفع نحو توقيف عليق بالقوة وإيداعه السجن، ونقل أحد المسؤولين أنّ عون «يريد أن يقبع عليق في السجن كما حصل مع علي برو».

في موازاة ذلك، ينشط فريق مقرّب من رئيس الجمهورية في الإعداد لحملة إعلامية وقضائية تستهدف كل من يتناول عون في ملف المفاوضات، في ظل تزايد انزعاج رئيس الجمهورية من الاتهامات التي تُوجَّه إليه، ولا سيما تلك التي تذهب إلى حدّ التخوين. ويعتبر هذا الفريق أنّ استمرار الصمت حيال هذه الحملات من شأنه الإضرار بموقع رئاسة الجمهورية وصورتها، قبل أن يطاول عون شخصياً.

وحتى ليل أمس، لم يكن عليق قد تبلّغ أي استدعاء من المباحث المركزية، علماً أنّ القانون يتيح له الاعتراض وعدم المثول إلا أمام قاضٍ متخصص بمحكمة المطبوعات. كما أنّ الجرائم الإعلامية لا تستوجب التوقيف الاحتياطي، إذ يُفترض أن تصدر الأحكام عن محكمة المطبوعات، التي نادراً ما تلجأ إلى عقوبة الحبس.

مع ذلك، يبدو أنّ عون، الذي قرّر المضي بعيداً في مسار التفاوض مع العدو، يسعى، مع فريقه في بيروت وواشنطن، إلى فرض مناخ ترهيب على الإعلام في لبنان بهدف احتواء الاعتراضات.

إلا أنّ هذا المسار، كما يعرف عون وفريقه في الداخل والخارج، غير قابل للتحقق، لا الآن ولا في أي مرحلة لاحقة.

الاخبار

لم تزل أصداء التحقير الموصوف الذي ارتكبه الموفد الأميركي من على منبر “السيادة” تتردّد في فضاء البلاد.

ولم يزل الذين صمّوا عن الإهانة المشهودة آذانهم وقالوا “عم تشتّي” يتباهون برذاذ الازدراء العالق على وجوههم، إذ استبدلوا ماءها بوحل تبرير ابتلاع الإهانة، أو البحث عن مسوّغات لها، أو ببساطة تجاهلها والتعتيم عليها، كأنّها مجرّد تفصيل معتاد في يومياتهم. 

لطالما مارس سياديّو الخواء المعرفيّ والفراغ المهنيّ كتابة الهراء وإعداد التّرّهات كمواد صحافية، بذريعة حرية الصحافة في لبنان.

ولطالما اجتهد أهل الخيانة في صياغة خياناتهم كرأي مكتوب أو مذاع، وبذريعة قداسة الحقّ بالتعبير، بلغنا حضيضًا باتت فيه الخيانة وجهة نظر.

ثمّ جاءهم موفد أميركي يأتمرون بأمره،و يتنافسون على نيل رضاه، فأهان الصحافة التي تتباهى بحريّتها بين أقرانها في البلاد، وازدرى أهلها الذين يحرصون على الحقّ بالتعبير حتّى عن التطرّف في الخيانة ونصرة العدوّ.

وقف على منبر يُمثّل رأس هرم الدولة، على الأقل بالاعتبارات الشكلية والبروتوكولية المتعارف عليها، ثمّ بفظاظة وسفاهة قال لهم إنّهم يتصرفون “بحيوانيّة”.

كيف تفاعل الإعلام المُهان في هذه المشهدية؟ إليكم بعض التفاعلات:

يتصفّح القارىء صحيفة نداء الوطن بحثًا عن جملة تُدين الحادثة، أو حتّى عن خبرٍ موضوعيّ حولها.

أبدًا. بدا أنّ نداء الوطن التي تسارع إلى تغطية زيارة الموفدين الأميركيين ومتابعتها خطوة خطوة، فتنقل إلينا كلّ همساتهم وتحرّكاتهم ولا تستثني منها إلّا ساعات نومهم، فاتها ما حدث أمام الكاميرات، إذ لم تكن على السمع.

خرس صوت النداء المبحوح في حماية حريّة الصحافة المشبوهة والحق بالتعبير عن العداء للمقاومة.

صحيفة النّهار، الصرح العتيق الذي يحرص ديكه على الصياح كي يبزغ فجر الخبر وشمس الأحداث، أسدلت على الإهانة ستار الظلام، وآثرت التعتيم على الإهانة كي يسهل ابتلاعها عوض الصياح رفضًا لها.

والأمر طبيعي قياسًا بما يبتغي ديك النهار الصياح لأجله، وبما يحوّله إلى مجرّد صوص بلا حول ولا قوّة، يخفي وجهه في ثنايا تسريحة مورغان أورتاغوس، أو يغرق في تفاصيل اختيارها لدرجات ألوان ملابسها ودلالاتها، ويضحك فخرًا بصورة لها نالها أثناء تصرّفها بسوقية وسفاهة يحسبها الدونيون المنبطحون تحضّرًا وظرافة.

في المرئي، لم تكن التفاعلات على المنصات المتأمركة أفضل حالًا. هل تعلمون مثلًا أن قناة Mtv ترجمت كلمة “animalistic “(حيوانيّ) إلى “أتوسّل إليكم”؟ كان الأمر هنا أشبه بكوميديا ركيكة، تعتمد على استغباء المشاهد واحتقار أدنى معارفه اللغويّة، وأدنى معايير الكرامة الإنسانية.

بسلاسة، ابتلعت القناة المذكورة الإهانة باعتبارها سلوكًا طبيعيًا واعتياديًا لا يستوجب الوقوف عنده، وحاولت إرغام المشاهدين على ابتلاعها بالسلاسة ذاتها.

وكأنّها تقول لهم: كذّبوا آذانكم إن سمعتْ شتيمة من لسان أميركي، وتذكّروا أنّ عليكم فقط أن تحسبوا التحية الودودة ممّن يعادي الأميركي إهانة.

على منابر منصّات التواصل، والتي اتّخذها السياديون المنبطحون ملاذًا للتعبير عن كلّ هراء يجول في بالهم، احتدّ بيتر جرمانوس من جهل السامعين، ومن ضمنهم ربّما قناة CNN، فجاء بنظرية تدين الأذان التي سمعت كلمة animalistic (حيوانيّ) وتجرّمها، وحكم بأن اللفظ الذي جاء على لسان سيّده كان anomalistic (غير طبيعي).

تلك التخريجة لم تخطر حتّى في بال الأميركيين. مرّة جديدة، أثبت بيتر، القاضي المطرود لسوء سلوكه المهنيّ في سلك القضاء، أنّه يمكن للعبد أن يكون ملكيًّا أكثر من الملك.

وللأسف، لم يجد بيتر كلمة لطيفة يتشابه لفظها مع كلمة “chaotic” فاعتبرها مفردة عاديّة، ومعذور في ذلك، فمن هان سهل الهوان عليه.

بدوره، سارع الإعلامي بسام أبو زيد إلى تبنّي نظرية جرمانوس، وآثر التشكيك في أذنيه على تصديق أن كبيرهم الذي يوفده إليهم مالك أمرهم يخطىء! أمّا ريكاردو شدياق، الذي اشتهر ببهجته بالصورة “السِلفي وبسمة مورغان” خلفه فقد كان أوّل المعبّرين عن انعدام الكرامة المهنية إذ شكَّل هذا اليوم فرصته التي قد لا تتكرّر للاجتماع مع الموفدة الأميركية في “كادر” واحد، ولو جاء ذاك بعد إهانة شهد عليها العالم أجمع.

تطول لائحة من قالوا “الدنيا عم تشتّي”، ولائحة من تبسّموا كالعبيد إثر ضربة السّوط على خاصرة كرامتهم وقالوا لسيّدهم “سلمت يدك”.

تطول بقدر ما كثرت أسماء من فقدوا على رصيف الهوى الأميركي كلّ فطرتهم الإنسانية بما حوَت من عزّة وإباء وكرامة، واستحالوا وحوشًا مروّضة تعتاش على ما يرمي إليها سيّدها من فتات داخل قفص التّبعية والانبطاح..

ليلى عماشا-العهد

لم تكن إهانة الموفد الأميركي توماس براك للصحافيين في قصر بعبدا مجرد زلة لسان دبلوماسية أو سوء تعبير، بل تعدّتها لتمثّل تصرّفاً فوقياً يُظهر ازدراءً لحرية الصحافيين وكرامتهم.

ولا يمكن اعتبار هذه الحادثة منعزلة أو غير مقصودة، بل هي جزء من نهج دولي متصاعد لتكميم الصحافة ونزعة سلطوية تسعى إلى إخضاع الإعلام بدل الإنصات إليه.

هذه النزعة العدائية لطالما برزت بوضوح لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لذلك، فإنّ إهانة توماس براك «المقصودة» يمكن قراءتها بوضوح كامتداد مباشر لنهج الأخير في التعامل مع الصحافة.

فمنذ سنوات، أسّس ترامب لعلاقة عدائية مع الإعلام الأميركي، متهمًا الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» و«كاذبون».

واليوم، يعيد براك تدوير هذا الخطاب في أرض غير أرضه، عبر موقع دبلوماسي يدعي التفاوض والسلام، فيما يعكس، في الحقيقة، ثقافة سياسية تعادي النقد وتكرّس الوصاية.

وبأسلوبه الاستعلائي، خاطب براك، المقرّب من ترامب، الصحافيين وكأنهم غير مؤهلين للقيام بعملهم، وهو تكرار لأسلوب الرئيس الأميركي الذي لا يرى الإعلام إلا كطرف معادٍ يجب تحجيمه.

كما أنّه، برفضه الأسئلة واستخفافه بالصحافيين، صدّر براك نموذج ترامب إلى لبنان، أي نموذج الزعيم الذي لا يحبّ أن يُسأل ولا أن يحاسب.

وممّا لا شكّ فيه أنّ انبطاح معظم أقطاب السلطة الحاكمة أمام المستعمر الأميركي ساهم في تعمّد براك استخدام هذه اللغة الاستعلائية تجاه الصحافيين. وهو بذلك، كرّس فكرة أن رجال النفوذ المقربين من ترامب يتحركون دوليًا ويوجّهون الإهانات من دون رادع.

وإذا ما قارنّا بين خطابي ترامب وبراك تجاه الإعلام، نجد تقاطعاً وتشابهاً كبيرين يثبتان ما تقدّم. فالرئيس الأميركي سبق أن وصف الإعلام بـ«نفايات»، فيما وصف مبعوثه سلوك الصحافيين بـ«الحيواني» و«الفوضوي».

كذلك فإنّ ترامب لطالما قاطع في مؤتمراته الصحافية الصحافيين وسخر منهم ورفض أسئلتهم، وحذا براك حذوه في قصر بعبدا مطالباً الصحافيين بـ«الصمت» و«التحضّر»، وهو ما يعزّز لغتهما الفوقية والنرجسية.

لغة الوصاية والاستعمار الجديد

ومن منظور علم النفس والفلسفة، فإنّ ما قام به توماس براك تنطبق عليه نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ومفادها أنّ السلطة لا تُمارَس فقط بالقوة العسكرية أو السياسية، بل أيضًا من خلال التحكم بالمعرفة والخطاب. والصحافة تمثّل، في هذا السياق، قوة معرفية تهدد بنزع الأقنعة وكشف البُنى الخفية للسلطة.

وعندما طلب الموفد الأميركي من الصحافيين «السكوت» واستخدم تعبير «حيواني»، مارس سلطة لغوية فوقية تحوّل موقعه من «ضيف» إلى «حاكم مؤقت»، وحاول فرض روايته كالرواية الشرعية الوحيدة، بهدف إلغاء دور الإعلام كسلطة معرفية مستقلة. وبتعبير أدق، فقد مارس عنفاً ناعماً ضد «المعرفة المناهضة» أي الصحافة، لأنه أدرك أنّها قد تهدد مشروعيته الرمزية.

كذلك، يمكن الركون هنا إلى نظرية عالم النفس الاجتماعي إريك فروم الذي يرى أنّ بعض الأفراد، وخصوصًا رجال الأعمال أو السياسيين، يطوّرون «الطبع التسلّطي»، الذي يتميّز بحبّ السيطرة، وازدراء الضعفاء، وكراهية الحرية الحقيقية لأنها تخلخل النظام المسيطر عليه. وبراك، المنحدر من لبّ النظام الأميركي المتمحور حول المال والنفوذ، يتصرّف كما لو أنه لا يتحمّل المساواة في الموقف أي أن يُسأل ويجيب، ويشعر براحة أكبر في موقع الهيمنة وليس النقاش، ويحتقر البيئة التي لا يمكنه السيطرة التامة عليها.

واستناداً إلى هاتين النظريتين، فإنّ خطاب توماس براك لا يمكن قراءته فقط من زاوية الإهانة أو الزلّة الدبلوماسية، بل هو انعكاس صريح لمشهد الوصاية والاستعمار «الجديد»، الذي يتمثل في الإملاء عبر الكلام بدل الدبابات والجيوش.

وفاء ايوب-الاخبار

ما كان ينبغي أن تمرّ الإهانة التي وجهها المبعوث الأميركي توم برّاك للإعلاميين، من على منبر القصر الجمهوري، من دون اعتذار..! حتى الساعة هذا لم يحدث..! 

الاعتذار خرج في النهاية بحرجٍ من الرئاسة اللبنانية ووزارة الإعلام، في بيانين، نسبا فيه الإهانة إلى مجهول: “أحد الموفدين الأجانب”، في تحاشٍ مفضوح لذكر اسم “توم برّاك” أو تسمية الوفد الأميركي بالاسم.

في ما ذهب بيان الرئاسة إلى تسويغ الإهانة بأنها خرجت عن غير قصد! هذا ولم يُسجل أي رَجَّة في وزارة الخارجية، ولم يُسمع حسّ الوزير.. لا إدانة ولا استدعاء ولا حتى موقف بينَ – بين؛ لأن الإهانة عندما تصدر من موفد أميركي لا توازي قبح منشور سفير إيراني، حتى وان لم يأتِ فيه على ذكر لبنان.. !

بهذه الخفة؛ ارتضت سلطة “نزع السلاح” بأن تُنزع كرامة لبنان، وأن يكون ما سُمي سابقًا بــ”قصر الشعب” مرتعًا ليهان من على عتبته الشعب كُله، إعلامًا  وتضحيات.

المفارقة أنّ وسائل إعلام أميركية، “سي إن إن” و”واشنطن بوست”- على سبيل المثال- تحدثت عن كلام برّاك المسيء والعنصري الذي وصف فيه سلوك الإعلاميين وشعوب  المنطقة بـ “السلوك الحيواني”. “واشنطن بوست”، تحديدًا، استوقفها أنّ أيًا من الصحفيين الحاضرين لم يرد على الإهانة.. !

في المقابل؛ انبرت بعض وسائل الإعلام اللبنانية لتحوير المشهد باتجاه التصويب على فوضى الإعلاميين، وذهب آخرون إلى نفي وقوع الإهانة أصلًا، عبر اللعب على المصطلحات، بين هؤلاء “نخب” إعلامية وقضاة سابقون..! كما لا يفوّتون فرصة التملق لسفارة عوكر ووفود بلادها، وهل يُستغرَب ذلك في بلدٍ على حافة انفجار داخلي، ومعظم طاقته الإعلامية مشغولة في متابعة تسريحة مورغان أورتاغوس وإعداد التقارير عن إطلالتها وعما ترتديه من مجوهرات، أو في بث العواجل عن عشاء الوفد الأميركي في أحد مطاعم الجميزة؟!..

الإهانة التي لم تكن حدثًا عابرًا، غطّت على  انقلاب أميركي صريح على التزامات سابقة، عبّرت عنه المواقف التي أدلى بها أعضاء الوفد الأميركي.

إذ لم يمضِ عشرة أيام على تأكيد برّاك أن الحكومة اللبنانية قامت بالخطوة الأولى، والآن على “إسرائيل” أن تقابلها بخطوة مماثلة. وفي ما كان اللبنانيون يترقبون ما سيعلنه الأميركيون، على صعيد الخطوة “الإسرائيلية” المقابلة، أوضحت السيناتور الأميركية جين شاهين بأن الوفد الأميركي لم يأتِ إلى لبنان ليناقش ماذا فعلت أو ما ستفعله “إسرائيل”..! وبتصريحات -لا قفازات فيها-  قال زميلها الصهيوني ليندسي غراهام: “لا تسألوني ماذا ستفعل “إسرائيل” قبل أن تقوموا بنزع سلاح الحزب”.

هذا؛ في ما كرر توم برّاك المواقف نفسها، زاعمًا أن “اسرائيل” ستنسحب من لبنان بعد نزع سلاح حزب الله.

كما بدا أن الوفد الأميركي لم يحمل معه سوى الأوامر، لا النقاش. أوامر بتنفيذ قرار “حصرية السلاح” فورًا، تماهيًا مع خطاب بنيامين نتنياهو الذي استبق الزيارة بإشارة إلى أن كيانه ليس معنيًا بالإقدام على أي خطوة قبل سحب سلاح المقاومة في لبنان، على أن يذهب بعدها لانسحاب “تدريجي” من النقاط المحتلة.

لذلك؛ هل سيخرج في لبنان من سيحدق في عيوننا ليقول إن كلام مجرم الإبادة ضمانة أيضًا؟ نعم قد يفعلونها! وربما قد يذكّرنا هؤلاء بأن واشنطن إمبراطورية الألف كذبة وكذبة، تعهدت بأن توبّخ “بيبي” إن لم يلتزم، وأن توبيخها كفيل بكبح جماح المجرم ومنعه من التمدد لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”… إلى هذا الحد لا يجد بعض اللبنانيين حرجًا في استحمار أنفسهم قبل الآخرين..!

 مرة أخرى؛ تتنصل واشنطن من تعهداتها، والتي فرضت إقرار الورقة الأميركية، واستجابت لها حكومة “الدينغ الدينغ”. وهي، أيضًا، من يريد لنا لبنانيو “حروب الآخرين” أن نقبلها كضامنة.

ومن على منبر الرئاسة، وعلى مقربة عشرات الأمتار من المكان الذي كان يجلس فيه رئيس الجمهورية اللبنانية، كان ليندسي غراهام يخاطبنا بوقاحة ناطقًا بلسان “اسرائيل”: “عليكم نزع سلاح عدو الشعب الإسرائيلي، أيادي حزب الله ملطخة بدماء الشعب الإسرائيلي”.

هل ما يزال من المنطقي أن نتساءل: ألم يحرّك الكلام شيئًا في الضمير الوطني، إن بقي منه شيء؟ ألا يستوجب الكلام  اعتذارًا  من اللبنانيين الذين  أثكلت “إسرائيل” أمهاتهم، واعتقلت منهم الأبناء، ودمرت بيوتهم، واحتلت أراضيهم..؟!

أليست هذه البيئة الوطنية التي توجهتَ إليها قبل أقل من شهر تطالبها بأن تراهن على الدولة؟ على أي دولة؟! دولة الموفدين الأميركيين يرفعون مصالح “إسرائيل” وحدها، ويدوسون على تضحياتنا وكراماتنا؟ أم دولة موفدي التطبيع ولو على دمائنا؟ وأي دولة تلك التي تفرّط بثوابتها الدستورية، وتمنح منابرها لمن ينطق باسم مصالح الاحتلال؟

وعلامَ الرهان؟ على أن يكون دمنا مباحًا وأوطاننا مفتوحة للاستباحة والتهجير؟ أم على سلطة تطالب قواتها المسلحة خوض حروب الآخرين ضد المقاومة وأهلها، والآخرون ليسوا “إسرائيل” وحدها، معها أميركا، وأموال وقنوات خليجية.

في مهزلة استغباء وقحة، يعيد الأميركيون عرض أسطوانتهم المشروخة: “ازدهار” وجديدهم “منطقة اقتصادية” بتمويل سعودي، طبعًا.. هذا هو المقابل الذي ترى فيه واشنطن ما يُغري الجنوبيين وغيرهم من أهل المقاومة لبيع دم أبنائهم؟ للمرة المليون يُخطئ العقل الرأسمالي فهمنا…فدماؤنا أغلى من أن تكون برخص الذمم التي تعتلي الكراسي وتخشى فقدها، على الرغم من طمأنة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم المسؤولين، بأن الكراسي محفوظة؛ إذ لن يجد الأميركيون أفضل من طاقم السلطة الحالي يبصم على السمع والطاعة.

وليس فينا أبله يصدق الأميركيين، وهم يبيعون الأوهام في السطر نفسه الذي ينقلبون فيه على عهودهم. وكل ما يطرحه الأميركيون من ازدهار لن ينعم فيه أحد من أبناء المنطقة، يرسمه الأميركيون وفقًأ لمقاس “إسرائيل” وطموحاتها، ويفرضون على عرب التطبيع تحمّل النفقات، ليدوسوا به على دماء أهالي المنطقة ووجودهم.

أمام كل هذا؛ لا يستحضر الذهن إلا حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي، فردة باتجاه جورج بوش(الابن) وأخرى تضرب العلم الأميركي…  ليس أقل من هذا؛ كان ينبغي أن يكون الرد صرخة كرامة بوجه الأميركيين.. شركاء الإبادة ورعاة مشاريع قتلنا.

اسراء الفاس-العهد

كتب الوزير السابق زياد المكاري عبر منصة “اكس”:” برسم المبعوث الاميركي توم براك : الصحافيات والصحافيون في لبنان إرث كبير من الاحتراف والاحترام والمهنية.

كل ما عدا ذلك من كلام أو توصيف، مرفوض ومدان”.

وأضاف: “لمن لا يعلم، نذكّر بأن الصحافة تأريخ للحظة وتوثيق للحدث ولسان المجتمع، وليست فوضى”.

لبنان ٢٤

أصدرت نقابة محرري الصحافة اللبنانية البيان التالي:

“مرة جديدة يتعرّض فيها الاعلام اللبنانية لمعاملة أقل ما يقال فيها أنها خارجة عن أصول اللياقة والديبلوماسية والمؤسف أكثر أنها صدرت عن مبعوث دولة عظمى يقوم بدور ديبلوماسي على ما هو معروف”.

 واستغربت أن “يبادر السيد توم براك بوصف تصرّف رجال وسيدات الاعلام في القصر الجمهوري “بالحيواني”، واكدت ان الامر” غير مقبول على الاطلاق، لا بل مستنكر جداً، ويدفع بنقابة المحررين إلى إصدار هذا البيان الموجه إلى شخص السيد براك بخاصة وإلى مسؤولي الديبلوماسية الأميركية عموماً، تدعو فيه إلى تصحيح ما بدر عنه من خلال إصدار بيان اعتذار علني من الجسم الاعلامي”.

ورأت إن “عدم صدور مثل هذا البيان قد يدفع نقابة محرري الصحافة اللبنانية إلى الدعوة لمقاطعة زيارات واجتماعات الموفد الأميركي كخطوة أولى على طريق إفهام من يلزم أن كرامة الصحافة والصحافيين ليست رخيصة ولا يمكن لأي موفد مهما علت درجته أن يتجاوزها”.

الوكالة الوطنية

تتصاعد لهجة التهويل والتهديدات عبر الإعلام اللبنانيّ المتأمرك، وباتت عبارات مثل “ضعف حزب الله” و”تراجع قوّة المقاومة” ترد كثيرًا على ألسنة الشخصيات الطوّافة في فلك عوكر.

كما ترد تساؤلات عن جدوى المقاومة، وانتفاء أسبابها، حتى يخال المرء أن الخطر الصهيوني قد زال من أذهان البعض، أو أنّه بات غير مرئيّ على الرغم من الاعتداءات المستمرّة والانتهاكات المتواصلة للأرض وأهلها.

لذلك، لا بدّ من إنعاش ذاكرة من نسي، ومن إعادة ترسيخ الوقائع التي يحاول بعض المتأمركين محوها من ذاكرتنا. 

منذ نشأة “الكيان المؤقّت” حتى يومنا هذا، لم ينعم لبنان بحماية سوى تلك التي فرضتها المقاومة.

هي حقيقة لا لبس فيها مهما حاول البعض طمسها.

نستذكر، في هذه الأيام حرب تموز، بل نصر تمّوز، والردع الذي فرضته المقاومة طوال سبعة عشر عامًا، لم يتجرّأ خلالها العدوّ على إطلاق رصاصة واحدة فوق الأراضي اللبنانية.

تلك الحرب الطاحنة التي استمرّت ثلاثة وثلاثين يومًا لم تنته كما يروّج البعض بالقرار الدوليّ ١٧٠١، بل فرض استبسال رجال المقاومة في حماية لبنان على العدوّ الذهاب إلى المحافل الدولية لإنهائها مع ما يحفظ ماء وجهه، ويمنع عنه ذلّة الإستسلام العلنيّ!  وكذلك تحرير الجنوب والبقاع الغربي في أيار ٢٠٠٠، لم يحدث لأن العدو قرّر تنفيذ القرار الدوليّ الرقم ٤٢٥ الذي كان قد صدر في العام ١٩٧٨، أي قبل التحرير بــــ ٢٢ عامًا، بل لأن عمليات المقاومة جعلته ينسحب هاربًا في الظلام، وتكفّل الغرب حينها بالترويج لكذبة تنفيذ “إسرائيل” للقرار ٤٢٥… قبل ذلك، أيضًا، لم يوقف العدوّ حربه في نيسان ١٩٩٦ بعد أيام من اندلاعها؛ لأنّه محبّ للتفاهم وللسلام، بل فرضت صواريخ المقاومة على الصهاينة وقف العدوان فكان تفاهم نيسان.

في المختصر، الاستنتاج الموضوعي الوحيد من هذا العرض هو أنّ المقاومة تحمي لبنان، كذلك نستنتج ببساطة أن مقولة “القرارات الدولية تحمي لبنان” هي شعار يتبنّاه كلً من يحاول تظهير العدو الإسرائيلي كيانًا يلتزم بالقرارات الدولية، وبالتالي كلّ من يريد نفي جدوى المقاومة والتقليل من إنجازاتها، والتي ما تزال تحمي لبنان حتى في هذه الأيام التي يبدو فيها البلد مستباحًا، تُنتهك أراضيه ويُقتل أهله، على مرأى القرارات الدولية.

في هذا السياق، بديهيّ أن يتساءل المرء، أو يسأل المتصدّين للترويج للشعارات المعادية للمقاومة، والنافية لجدواها: لماذا لا تمنع القرارات الدولية انتهاك لبنان والعدوان اليوميّ عليه منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني ٢٠٢٤ حتى الساعة؟ ولماذا استطاع الصهاينة ارتكاب ما يرتكبونه الآن فقط، أيّ حين قرّرت المقاومة إفساح المجال للعمل الدبلوماسي ليقوم بحماية لبنان؟

واقعًا، طوال أيام وليالي معركة أولي البأس، لم يستطع العدوّ تثبيت نقطة واحدة آمنة له في الجنوب، وشهدت قرى الحافة الأمامية مواجهات بطولية خاضتها المقاومة ومنعت العدوّ من تنفيذ مخطّطاته التي تحدّثت عن عزمه اجتياح لبنان وصولًا إلى نهر الأوّلي.

وأكثر من ذلك، ما الذي يمنع العدوّ، اليوم، على الرغم من العنجهية والعدوانية اللّتين يمارسهما، من تحويل اعتداءاته اليومية إلى حرب مفتوحة أو حتى حرب إبادة كما في غزّة؟ للإجابة عن كلّ هذه الأسئلة، جملة واحدة لا غير: المقاومة تحمي لبنان.

يعلم العدوّ هذا قبل الصديق، ويدركه الأميركي والإسرائيلي وجميع المروّجين لأكذوبة حماية لبنان بالقرارات.

العهد

عدّلت القنوات الخاصّة على اختلافها من برمجتها مساء السبت تماشياً مع الحزن الذي خلّفه رحيل العملاق زيّاد الرحباني، كما أقامت فقرات خاصّة لرثائه خلال نشرت الأخبار.

بعد النشرات، بثّت LBCI حلقة قديمة مع الراحل من برنامجها «حوار العمر»، فيما عرضت «الجديد» وثائقيّها الخاصّ مع الرحباني الذي كان أعدّه جاد غصن قبل سنوات وعُرض مرّات عدّة منذ حينه، وأعادت mtv عرض حلقة خاصّة به من برنامجها «صارو ميّة».

«تلفزيون لبنان» لا يتذكر زيار الرحباني

وبعد غيابه المدوّي عن نقل فعاليّات عودة الأسير المحرّر المناضل اللبناني جورج عبدالله إلى بلده، ها هو «تلفزيون لبنان» يغيب عن أيّ برمجة خاصّة بالرحباني.

فقد استمرّ في برمجته العادية، باستثناء رثاء الفنّان في نشرات الأخبار.

فمَن المسؤول عن تقصير قناة الدولة هذا؟

لا مبرّر لهذا الإهمال، ليس فقط كون «تلفزيون لبنان» من المفترض أن يمثّل جميع اللبنانيّين وبلدهم الذي خسر فنّاناً بهذا الحجم رفع اسمه، بل كذلك كونه الوسيلة الإعلامية صاحبة الأرشيف الأكبر والأعتق في الشرق الأوسط.

اللهم إلّا إذا كان الهدف إضعاف المؤسّسة عمداً تمهيداً لإغلاقها أو خصخصتها بالمجّان، أو حتّى ترجيح الكفّة لمنافسيها من القطاع الخاصّ.

الاخبار

آلاف الخروقات الصهيونية، منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الماضي، وعشرات الشهداء والجرحى، وما يزال الاحتلال يسفك دماء الجنوبيين يوميًا، مع الاكتفاء ببيانات رسمية تدين كلاميًا ما يحصل. 

هذه المشهدية، والتي من المفترض أن تُصنّف ضمن العدوان “الإسرائيلي” المستمر، عُمل على تمييعها إعلاميًا لتضحي في نهاية المطاف “روتينًا” يوميًا، يمر مرور الكرام ضمن نشرات الأخبار والعواجل.

لا يمكن فصل هذا التعاطي مع ما يروّج له، اليوم، من سردية صهيو-أميركية – يسير خلفها بعض الداخل اللبناني- تحاول تظهير المقاومة سببًا لاستمرار العدوان، والتركيز تاليًا على نزع سلاحها، في بتر للسياق التاريخي والواقعي خدمة لتحقيق مآرب الاحتلال.

هكذا أضحت الخروقات “الإسرائيلية” مجرد أرقام ترد في نشرات الأخبار، من دون إدانة مباشرة، أو تظهيرها عدوانًا موصوفًا على اللبنانيين، في أرضهم وسمائهم وطرقاتهم.

والأنكى أن هذا الإعلام المعادي للمقاومة يتكأ إلى بيانات جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، وينشر مضامينه حرفيًا، ويقع في فخاخ التسويغ لهذه الجرائم، من دون وضع مسافة مهنية أو أخلاقية!. 

التعاطي الإعلامي مع الخروقات “الإسرائيلية”

صعّد الاحتلال “الإسرائيلي”، أخيرًا، من عدوانه على الجنوب اللبناني وصولًا إلى مشارف بيروت.

غارات ومسيّرات عدوانية استهدفت مدنيين في القرى الجنوبية، من شقرا إلى بنت جبيل وشبعا، وصولًا إلى خلدة مدخل بيروت الجنوبي.

وهذا تزامنًا مع حملة تهويلية إعلامية تخص الورقة الأميركية والضغط في سبيل تنفيذها.

هذه الاعتداءات كلها وأعداد الشهداء والجرحى، وحتى وصول الاحتلال إلى مشارف بيروت، لم تتعنَّ له وسائل الإعلام اللبنانية، بل تعاطت معه كما في السابق، أخبار عاجلة عابرة، وضمن تقارير إخبارية برقية لا تتعدى مدتها الثواني.

يمكن العودة، هنا، إلى 5 تموز، تاريخ الغارات “الإسرائيلية” التي نفذت على شقرا وبنت جبيل وشبعا، حيث قناة mtv وضمن نشرتها الإخبارية المسائية خصصت لهذا العدوان فقط 43 ثانية، ووصفت ما حصل بـ”التطورات الأمنية في الجنوب”.

المحطة تحدثت عن الإصابات والأمكنة التي وقعت فيها الغارات فقط، من دون أي إدانة أو إشارة لهذه الخروقات “الإسرائيلية”.

اعتداء إسرائيلي على مقربة من بيروت

لعلّ البارز، في هذه الاعتداءات “الإسرائيلية”، تخطيها قرى الجنوب ووصولها إلى خلدة على مقربة من العاصمة اللبنانية.

اعتداء انضمّ إلى غيره من الاعتداءات “الإسرائيلية”، وتعاطت معه وسائل الإعلام نفسها كما بقية خروقات العدو للأراضي اللبنانية.

صحيفة “النهار”، وفي تغطيتها للاعتداء على خلدة، عنونت الآتي :”غارة على خلدة…الجيش الإسرائيلي: استهدفنا عنصرًا يعمل لمصلحة فيلق القدس”.

الصحيفة نقلت السردية “الإسرائيلية” بنشرها ادعاء جيش الاحتلال، والذي سوّغ هذه الجريمة بالقول إنه: “استهداف لمخرّب؛ كان يعمل في مجال تهريب الأسلحة والدفع بمخططات إرهابية ضد مواطنين إسرائيليين وقوات جيش الدفاع نيابة عن فيلق القدس الإيراني”.

هذه المضامين “الإسرائيلية” حضرت حرفيًا في موقع “النهار” الإلكتروني، إضافة الى وصف الصحيفة الشهيد بـ”الضحية”.

على مقلب mtv، أخرّت خبر الاعتداء على خلدة إلى منتصف النشرة المسائية، ضمن مساحة زمنية لا تتعدى الـ49 ثانية، ووضعت الاعتداء ضمن الأخبار “الأمنية” قائلة إنّ: “الجيش الإسرائيلي استهدف سيارة بصواريخ على أوتوستراد خلدة”.

المحطة نقلت عن جيش الاحتلال هوية المستهدف، ورددت كلامه ضمن سياق تسويغ هذه الجريمة بأن الاستهداف نفذ “ردًا على تهريب الأسلحة لتنفيذ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي”؛ فيما اختتم الخبر بالقول إن: “الجيش الإسرائيلي أعلن أنه يستهدف عددًا كبيرًا من أهداف تابعة لحزب الله”.

أما قناة lbci؛ فقد وصفت الأخيرة مجموعة الاعتداءات “الإسرائيلية”  بـ”الرسالة الإسرائيلية الميدانية القاسية”، عبر غارات متعددة “شمال الليطاني”.

هذا فيما ذكر خبر الاعتداء “الإسرائيلي” على خلدة، بشكل عابر :”الجيش الإسرائيلي استهدف سيارة على اوتوستراد خلدة؛ أدى إلى استشهاد سائقها وإصابة 5 آخرين”.

تعاط إعلامي لا يمكن فصله عن السياسة

هكذا، اقتطعت هذه التغطيات من سياقها، وألصقت بكلام تسويغي “إسرائيلي”.

إذ خصصت له مساحات صغيرة في النشرات الإخبارية، ضمن خطة ممنهجة تسعى إلى جعل اللبنانيين يتعايشون مع هذه الاعتداءات “الإسرائيلية” على أنها أمر”روتيني يومي عادي”، لا يدخل ضمن سياق دموي إجرامي يجب إدانته والوقوف عنده.

سياق إعلامي لا يمكن فصله عمّا يحصل في الأروقة السياسية، من ضغوط أميركية و”إسرائيلية” من خلال ما يسمى بــ”الورقة الأميركية”، والسير باتجاه أبلسة سلاح المقاومة، وأن نزعه هو بمثابة “الخلاص” للبنانيين، في وقت يُسوّغ  فيه للاعتداءات الصهيونية، ويُشاح البصر عن أعداد الشهداء والجرحى وخرق السيادة اللبنانية!.

العهد

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...