كان انتشار خبر انتقال نحو 46 في المئة من تلامذة لبنان من المدارس الخاصة إلى الرسمية مفاجئاً، ما أثار جدلاً واسعاً، مطلقاً علامات استفهام حول التحوّلات التي يشهدها القطاع التربوي او حول حقيقة الارقام التي تنشر في لبنان وفق مصالح فئوية وشخصية ونفعية، وما مدى دقة الارقام؟.
في هذا السياق، يوضح الباحث في “مركز الدراسات اللبنانية” وصاحب الاستطلاع الإلكتروني محمد حمود لـ”النهار”، أن “نسبة الـ46% لا تعبّر عن مجموع تلاميذ لبنان، بل عن المشاركين في الاستبيان الذي شمل 1089 وليّ أمر من كل المحافظات، من بينهم 46% قالوا إنهم نقلوا أبناءهم من المدارس الخاصة إلى الرسمية هذا العام”.
ويضيف: “هذه النسبة مؤشر مهم لا يمكن تجاهله، إذ نرصد حركة التلاميذ بين القطاعين منذ سنوات. وبحسب الدراسات السابقة، تشهد ظاهرة النزوح من الخاص إلى الرسمي ارتفاعاً مستمراً سنة بعد سنة. ففي عام 2023، قال 39% من أهالي الطلاب إنهم نقلوا أبناءهم من التعليم الخاص إلى الرسمي، مقابل 20% نقلوهم من الرسمي إلى الخاص بحثاً عن بيئة تعليمية أكثر استقراراً. أمّا في عامي 2024 و2025، فقد تراجعت نسبة الأهالي الذين نقلوا أبناءهم من المدارس الرسمية إلى الخاصة بشكل ملحوظ، إذ بلغت 4% و3%، في حين ارتفعت نسبة الذين انتقلوا من الخاص إلى الرسمي من 30% إلى 46%”.
في هذا الإطار، يقول الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر في حديث إلى “النهار”، إن “انخفاض أعداد التلاميذ في المدارس الخاصة، في أسوأ الحالات لا يتجاوز هذا العام العشرين في الألف، أي ما يوازي 2%”. ويؤكد رئيس مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية عماد الأشقر من جهته أن “الحديث عن نزوح نصف تلاميذ المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية مبالغ فيه”، مشدداً على أن الأعداد الدقيقة لن تتّضح قبل 30 تشرين الثاني، أي قبل موعد تسليم المدارس الخاصة اللوائح بأسماء تلاميذها.
وتوضح مصادر في وزارة التربية أن التسجيل في المدارس الرسمية لا يزال مستمراً، ما يجعل تحديد الأرقام الدقيقة أمراً مبكراً، كاشفةً أن هناك زيادة في أعداد التلاميذ.
بين الأزمة الاقتصادية وارتدادات الحرب
يقول الأب نصر إن الانخفاض الذي يُسجّل ناجم حصراً عن الأزمة الاقتصادية، موضحاً أن “معظم المدارس الخاصة في الجنوب قد فتحت أبوابها والوضع فيها مستقر نسبياً”، في حين يشير الأشقر إلى أن ما يُسجَّل من تراجع في أعداد التلاميذ في بعض مدارس الضاحية الجنوبية “لا يعكس انتقالاً جماعياً إلى التعليم الرسمي، بل يرتبط أساساً بنزوح البعض إلى مناطق أخرى”.
وبين ارتفاع تكاليف التعليم الخاص وتراجع مستوى التعليم الرسمي، يبقى حق التلميذ في تعليم عادل مرهوناً بالظروف، ويبقى السؤال: متى يصبح التعليم الرسمي الخيار الجيد والممكن والذي يقي الاهالي شر ارتفاع الاقساط المدرسية؟
باميلا شاهين ـ النهار
أظهر استطلاع رأي جديدٍ حول العام الدراسي الجديد، أنّ 46% من التلامذة انتقلوا هذا العام من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي في لبنان.
ومع أنّ دخل الأسرة ارتفع بوتيرةٍ أسرع من الأقساط المدرسية بين عامي 2022 و2025، بقيت الفجوة بين الدخل والتكاليف شاسعة.
فهل يشير هذا التحول إلى أزمة ثقة بالتعليم الخاص أم إلى ضغوط اقتصادية فقط؟
مرّ القطاع التعليمي في لبنان بعدّة تحدياتٍ، منها متعلّق بالماديات وارتفاع الأقساط المدرسية مقابل راوتب متدنيّة، وأخرى بالنزوح وتداعيات الأخرى، كذلك الأوضاع المتعلّقة بالأوبئة والفيروسات والتعليم عن بُعد. فمن أين نبدأ؟
جودة التعليم وجائحة كورونا
عام 2020، أي قبل جائحة “كوفيد-19″، بلغت سنوات التعليم ما يعادل 10.2 سنوات دراسية فعالة من أصل 12 سنة، في حين بلغت سنوات التعليم المعدلة وفقاً لمقدار التعلّم الفعلي المكتسب، 6.3 سنوات مقارنة بالمعدل الدولي قبل الجائحة البالغ 10.8 سنوات.
ونظراً إلى أن وزارة التربية أبقت عدد أيام التدريس بعد الجائحة على 92 يومًا في السنة، انخفض عدد أيام التدريس بمقدار 0.5 نقطة سنويًا (أي ما يُقارب نصف العام). لذلك، تأثّرت جودة العليم يومذاك، أكان في التعليم الرسمي أو الخاص. وبحسب الباحث في مركز الدراسات اللبنانية نعمه نعمه، فإنّ “القرارات الإدارية والمالية لوزارة التربية لم تكن كافية للتعافي، ما أدّت إلى تآكل في جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية”.
40 في المئة من الطلاب نزحوا نتيجة الحرب
انعكس التصعيد العسكري الخطر في لبنان على مستقبل آلاف الطلاب، وبات قرابة نصف تلاميذ لبنان البالغ عددهم 1.25 مليون في كل مدارس لبنان من الحضانة إلى الصف الثالث الثانوي، نازحين، بحسب المدير العام لوزارة التربية والتعليم عماد الأشقر، الذي لفت في تصريحاتٍ سابقةٍ إلى أنّ 40 في المائة منهم تم تهجيرهم.
كما فتحت بعض المدارس الخاصة أبوابها لاستقبال الطلاب إما للنزوح أو للتعليم، وفي كلتا الحالتين كان الأمر صعبًا جدًا. وحتمًا، أغلقت معظم المدارس الموجودة في مناطق ساخنة.
الأزمة الماليّة والتحديات
انطلق العام الدراسي الجديد في لبنان على وقع تخبط الأهالي وضياعهم، في ظل الارتفاع الكبير في أقساط المدارس الخاصة، الذي وصفه كثيرون بأنه متفلّت إذ تراوحت الزيادات المسبقة على الأقساط للعام الدراسي 2025 – 2026 بين 40 و120 في المئة، أي ما يعادل 500 إلى 1,500 دولار أميركي عن كل تلميذ، تبعاً لكل مدرسة.
من وجهة نظر محلل اقتصادي، فضّل عدم ذكر اسمه، “الانتقال الجماعي لحوالى 46% من التلامذة من التعليم الخاص إلى الرسمي في لبنان يعكس بالدرجة الأولى ضغوطًا اقتصادية خانقة، وليس أزمة ثقة مباشرة بالتعليم الخاص.
لأنّ دخل الأسرة لم يعد يواكب تكاليف التعليم التي باتت تُسعّر بالدولار. ومع ذلك، هذا التحول قد يكشف عن بداية تآكل في قناعة الأهالي بأن التعليم الخاص يستحق كلفته، ما يفتح الباب أمام إعادة نظر أوسع في منظومة التعليم ككل”.
فهل الأزمة المالية ستشكّل فعلّا تحديات مباشرة على واقع التعليم الخاص؟
في حديثه للدّيار، يؤكّد الأستاذ سامي البيطار أحد المديرين في المدارس الخاصّة، أنّه “صحيح أنّ الأقساط المدرسية ارتفعت هذا العام، والأمر منطقّي، لكنّ رواتبنا أيضَا تحسّنت حوالى الـ80% عمّا كانت عليه في السنوات الأربع الأخيرة”.
ولفت إلى أنّ “التحسن يظهر واضحًا اكان ماديا أو معنويًا أو تربويًا. فالكل عاد ليتعلّم في مدرسته، بعيدًا عن الحروبات والقصف المستمر وبعيدًا عن الأوبئة والمشاكل الأخرى التي سبق أن واجهناها سابقًا”.
وأمل “أن يجتهد الطلاب والأساتذة والأهل، لأن تحقيق النجاح يكمن في الأطراف الثلاثة، وفق تعاوننا مع الوزارة”.
مارينا عندس ـ الديار
أظهر استطلاع رأي جديد حول العام الدراسي الجديد، أن 46% من التلامذة انتقلوا هذا العام من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي. ومع أن دخل الأسرة ارتفع بوتيرة أسرع من الأقساط المدرسية بين عامي 2022 و2025، بقيت الفجوة بين الدخل والتكاليف شاسعة.
ففي عام 2025، بلغت كلفة تعليم طفل واحد في المدرسة الخاصة أربعة أضعاف متوسط دخل الأسرة الشهري، فيما اشتكى ثلثا الأهالي من أنهم يعانون دائماً صعوبة في دفع الفواتير المنزلية، وتغطية تكاليف التعليم والنفقات المعيشية.
في المقابل، سجّل 3% فقط من المُستطلَعين (1089 ولي أمر من المحافظات الثماني) أنهم نقلوا أبناءهم إلى مدارس خاصة في العام الحالي، بسبب «تراجع جودة التعليم في المدارس الرسمية».
الباحث في «مركز الدراسات اللبنانية»، محمد حمود، الذي أجرى الاستطلاع إلكترونياً، يقرأ في هذه النتائج أن القدرة على تحمّل التكاليف وليست جودة التعليم هي ما يحكم انتقال التلامذة بين التعليم الرسمي والتعليم الخاص، وأن المخاوف من ضعف جودة التعليم الرسمي لم تكن كافية لوقف موجة الانتقال القسري إلى الرسمي.
إسرائيل تزيد الضغوط
إضافة إلى ذلك، أشار ثلاثة من كل 10 مُستَطلعين إلى أنهم يعيشون في مناطق متضررة بالعدوان الإسرائيلي، بعدما نزح 86% من منازلهم، قبل عودة 83% لاحقاً. لكنّ 25% فقط من الأطفال النازحين عادوا إلى مدارسهم الأصلية، في مقابل 9% لم يلتحقوا بالمدرسة هذا العام، و16% انتقلوا إلى مدارس أخرى.
والسبب الرئيسي لهذا الانتقال هو العوامل المالية، إذ أشار ثلاثة أرباع الأهالي إلى أن ارتفاع الرسوم أو الضغوط الاقتصادية دفعتهم إلى تغيير المدرسة، في حين ربط 21% الأمر بتدمير منازلهم، و16% بمخاوف أمنية. وقال 27% من أهالي التلامذة في المناطق المتأثّرة بالاعتداءات إن أبناءهم تعرّضوا لانقطاع كلّي عن الدراسة في العامين الماضيين.
وفي هذا السياق، أفاد 18% فقط بأن أطفالهم تلقّوا تعليماً منتظماً عن بعد، بينما تلقّى 41% دروساً متقطّعة و41% لم يتلقّوا أي دعم. عدا ذلك، أفاد الأهالي المُستطلَعون من مختلف المناطق بأن الحرب تركت آثاراً نفسية ملحوظة على أطفالهم، إذ لاحظ 48% زيادة في مشاعر الخوف أو القلق، و32% صعوبة في التركيز، بينما تحدّث 16% عن مشكلات في النوم.
على صعيد آخر، أفاد 9% بأن لديهم طفلاً واحداً على الأقل دون الثامنة عشرة قد تسرّب من المدرسة، إذ نحو ثلثيهم من الذكور.
الاستطلاع تطرّق أيضاً إلى تقليص أيام التدريس إلى أربعة في المدارس الرسمية، والذي أيّده 49% لاعتبارات تتعلق بتقليل تكاليف النقل وتخفيف الضغط الدراسي على الأطفال، بينما عارضه 40% على اعتبار أنه يقلّل وقت التعلّم ويفاقم الفاقد التعليمي.
ويعكس هذا الانقسام، وفقاً لحمود، التحدّيات الصعبة أمام السياسات التعليمية، بحيث إن الإجراءات التي تخفّف الأعباء المالية على المدى القصير قد تؤدّي إلى زيادة الفجوات التعليمية، إذا لم ترافقها برامج دعم ومعالجة فعّالة.
وخلص حمود إلى أن الضغوط المالية والنفسية والاجتماعية التي كشف عنها الاستطلاع ستبقى تقوّض حق الطفل في تعليم مستقر وعادل، ما لم يتخذ صانعو السياسات التعليمية قرارات حاسمة مثل تنظيم الأقساط المدرسية الخاصة، بما يضمن توافقها مع دخل الأسرة، والحفاظ على مجانية التعليم الرسمي، وضمان جودته رغم تقليص أيام التدريس. ولا يقلّ أهمية عن ذلك، كما قال، توفير دعم موجّه للعائلات المتأثّرة بالنزاعات أو المهدّدة بالنزوح، بما يكفل استمرار تعليم أطفالها.
يُذكر أن الاستطلاع، وفقاً لحمود، شابه عدم تمثيل المقيمين في الجنوب، ومن لديهم أطفال في المدارس الرسمية، والسوريين والفلسطينيين، بالمستوى المطلوب.
فاتن الحاج ـ الأخبار
15 يوماً على بداية العام الدراسي في الجنوب، وسط معاناة لا تعد ولا تحصى، ولعل اهمها استمرار العدوان الصهيوني اليومي على القرى الحدودية الامامية، والتي لا يكفي ان مدارسها ومعاهدها دمرت بالكامل، وهجر اهلها الى مناطق متفرقة في لبنان ولا يزالون، وصولاً الى نقص في الموارد المالية والطلاب، وتقصير الدولة، وغلاء الاقساط في التعليم الخاص والرسمي وغبن الاساتذة!
وفي جولة ميدانية لـ «الديار»، وتقاطع معلومات وآراء لمختصين ومدراء مدارس واساتذة ومشرفين تربويين، يتبين ان تدمير المقار التعليمية والمدرسية هو التحدي الابرز، حيث تعرضت العديد من المدارس في البلدات الحدودية لأضرار متفاوتة، نتيجة القصف الصهيوني. على سبيل المثال، في بلدة ميس الجبل تم تدمير مجمع المحقق الميسي الأكاديمي الفني، مما أدى إلى نزوح التلاميذ والمعلمين.
وفي بلدة حولا تم تدمير المدرسة الرسمية، مما دفع البلدية إلى تحويل مبنى رعاية المسنين إلى مدرسة مؤقتة، مع تجهيز صفوف إضافية باستخدام غرف جاهزة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من التلاميذ.
مدارس موقتة
وفي مواجهة هذه التحديات، بادرت المجتمعات المحلية إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان استمرارية التعليم، حيث:
– تم إنشاء مجمعات مدرسية مؤقتة في بلدة ميس الجبل وبلدة حولا باستخدام غرف جاهزة، لتوفير بيئة تعليمية آمنة للتلاميذ.
– تم تحويل مبان غير مدرسية، مثل مباني رعاية المسنين، إلى مدارس مؤقتة لاستيعاب التلاميذ.
– عملت البلديات بالتعاون مع مجلس الجنوب واتحاد بلديات جبل عامل على تنفيذ هذه المشاريع، بدعم مالي من جهات محلية ودولية.
ابزر العقبات
يواجه القطاع التعليمي نقصا في المعلمين، الذين لا يزالون نازحين في مناطق النزوح، حيث تشكل الاعتداءات الصهيونية المستمرة العائق الابرز، وتهديداً مباشراً لإستقرار العملية التعليمية.
كما تتطلب الغرف الجاهزة صيانة دورية، وقد لا تكون مجهزة بكافة الوسائل التعليمية الحديثة، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على البنية التحتية.
واقع مرير في ميس الجبل
ميدانياً، تبدو الصورة صعبة واشبه بـ «الواقع المستحيل»، الا ان اصرار الاهالي وسكان هذه القرى، يشكل مقاومة تربوية في وجه العدو.
وفي السياق، يكشف مدير معهد ميس الجبل الفني فرج قبلان لـ «الديار» ان «المعهد يخرج طلاباً مهنيين بمستوى البريفيه الفنية والبكالوريا الفنية والاجازة الفنية، ولكن هذا العام كان استثنائياً. وفي العامين الماضيين كان التدريس «اونلاين»، بسبب الحرب بالاضافة الى استمرار العدوان والمعهد اليوم مدمر بالكامل».
ويكشف «ان بلدية ميس الجبل وبالتعاون مع إتحاد بلديات جبل عامل ومجلس الجنوب، وبتقدمة مالية من قبيلة السواعد العراقية، قاموا بتأسيس مجمع تربوي موقت في ميس الجبل. واليوم يتم انجاز البنى التحتية للمبنى الموقت، والذي هو عبارة عن غرف جاهزة، ويحتاج طبعاً الى مرافق مكملة ومنها حمامات وملاعب الخ».
ويشير الى «ان التدريس في المعهد سيبدأ في 6 تشرين الاول الجاري»، ويلفت الى «ان مديرية التعليم المهني والتقني مشكورة.
وفي مبادرة لدعم المعاهد التقنية التي لا تتلقى اية مساعدات من الدولة وصناديقها فارغة، رفعت رسم التسجيل للطلاب والذي لا يتجاوز الـ200 دولار اميركي لطلاب الـ ts ، اي ان صناديق المدارس المهنية تمول من مساهمات الاهل في صندوق المدرسة.
ويلتف الى «ان هذه الرسوم لا تذهب الى الدولة، بل تمول المدرسة نفسها بنفسها، حيث تدفع اجور عمال النظافة والحاجب والنفقات التشغيلية، وكذلك ستذهب لشراء التجهيزات وبدلاً عن التي تدمرت بالحرب وبتدمير المبنى بفعل العدوان الصهيوني».
ويضيف: «يعني ان ما يدفعه الاهل يعود بالفائدة الى اولادهم، حيث تمول المدرسة الرسمية حاجاتهم ، وهي لا تبغى الربح او الاستفادة المادية من هذا الرسم الرمزي».
ويطرح قبلان تحد جديد وهو «النقص في الطلاب في المعهد، بسبب وجود عشرات التلامذة من ابناء ميس الجبل في اماكن النزوح وخارج بلدتهم».
صناديق فارغة
بدوره، يشير مدير متوسطة برج رحال الرسمية في قضاء صور ياسين غزال لـ”الديار»، الى ان «التهديد الأمني هو الاخطر،عبر الاستهداف الصهيوني اليومي والتحليق المستمر للمسيرات». ويلفت الى «ضعف الامكانات المدرسية اللوجستية، وعدم توفر الكتاب المدرسي، والحاجة الى معلمين جدد، وضرورة تمو يل صناديق المدارس الفارغة والحاجة ايضاً الى تحديثات في النظام الداخلي».
معاناة كبيرة للاساتذة ايضاً!
وفي مقلب الاساتذة، لا تبدو الامور جيدة ايضاً،. وفي هذا السياق، يكشف الدكتور حسين سعد، رئيس لجنة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، ان «المطلب الاساس هو التثبيت في الوظيفة عبر دورات تدريبية، استناداً إلى الحق القانوني وسنوات الخدمة والتضحيات خلال الأزمات التي مر بها القطاع التعليمي».
ويقول: «من المطالب الملحة، ضرورة صرف المستحقات المالية شهرياً وبانتظام، والعمل على إجراء المناقلات مع بداية العام الدراسي. اما المطالب المالية للاستذة فتتلخص، بالعمل على رفع أجر ساعة التعاقد في موازنة 2026 ، ليشمل كافة بدلات الملاك (منحة تعليمية، تغطية صحية، رواتب الصيف)».
ويضيف: «كما يجب تعديل بدل النقل، ليكون عن كل يوم حضور حسب المسافة الفعلية».
وعن المطالب الصحية يقول: «ضرورة توفير تأمين صحي شامل وبطاقة صحية، والعمل على إيجاد حل لاشتراك المتعاقدين في الضمان الاجتماعي (حتى لو كان اختيارياً)».
اما المطالب الأخرى، يضيف سعد، «حماية حقوق المتعاقدين المالية أثناء إضراب الملاك، وشمولهم بأي زيادات تمنح للملاك، وضرورة توحيد تسمية «متعاقد مع وزارة التربية» وربط الأجر بالشهادة العلمية، وضرورة احتساب مكافأة نهاية الخدمة على الراتب الإجمالي (بعد دمج كافة البدلات)».
مسؤولية كبرى لوازارة التربية
وفي مقلب وزارة التربية، يؤكد سعد على جملة مطالب منها، لجهة تحقيق ما اسمته الوزيرة
«خطة التعافي» واستمراريتها في المدارس الرسمية، وهي:
1- تأمين الكتب والورق والبروجكتورات وكافة التجهيزات اللازمة للمدارس التي تحتاج لضمان استدامة خطة التعافي.
2- تنظيم دورات تدريبية شاملة لجميع المعلمين والمدراء والقيمين على الخطة.
3 – إرسال كتيّبات شرح مفصّلة وواضحة لكل قسم من أقسام الخطة.
4 – تزويد المدارس بدروس محضّرة ومسجّلة على أقراص CD ، وتوزيعها حسب الصفوف والمستويات.
5 – طباعة بطاقات للتلامذة ضمن كتيّبات خاصة وتوزيعها على المدارس.
6- تخصيص ساعتين أسبوعياً فقط لهذا البرنامج الداعم، بما يتيح للمعلمين تنفيذ الدروس المطلوبة بسلاسة.
7- الإقرار بأن خطة التعافي لا تشمل جميع الأهداف المطلوبة، ولا سيما تلك المتعلقة بالدروس التي حُذفت في العام الماضي.
8- بالنسبة للبند السادس، يُقترَح السير بالخطة لمدة شهر واحد فقط (خلال شهر تشرين الأول)، ومن ثم العودة إلى الكتب المدرسية وتطبيق أنشطة مرتبطة بالكفايات والأهداف الخاصة بالدرس. كما يُقترَح زيادة حصة لمادتي الرياضيات واللغات في الحلقتين على حساب بعض المواد الإجرائية (الرسم، الرياضة، الفنون…)، خصوصاً أن 90% من المدارس لا يتوفر فيها أساتذة لهذه المواد. وبذلك نكون قد جمعنا بين معالجة الفاقد التعليمي وتحقيق أهداف المنهج.
توصيات مكمّلة
ويلفت سعد الى توصيات هامة هي:
– «السماح للمعلمين باستخدام الهاتف أثناء الشرح في حال عدم توفّر جهاز كمبيوتر.
– إعداد دورات تدريبية خاصة بالمعلمين والمدراء لتعريفهم بالخطة وآليات تطبيقها، إلى جانب تدريبهم على استخدام الكمبيوتر بشكل فعّال».
ويختم بالتشديد على «ان المدارس التي لا تتوفر فيها أجهزة الكمبيوتر المحمولة (اللابتوبات)، لن تتمكّن من تطبيق خطة التعافي بالشكل المطلوب، وعلى الوزارة أن تتحمّل مسؤوليتها في هذا المجال. إن غياب هذه التجهيزات يزيد من حجم الفاقد التعليمي لدى التلامذة بدل أن يساهم في ردم الهوة التعليمية».
التسرب المدرسي وغلاء الاقساط!
وفي حين تبدو المعاناة كبيرة في القطاع الرسمي، لا يبدو التعليم في القطاع الخاص افضل حالاً، مع مضاعفة المدارس بمعظمها اقساطها لمرتين او ثلاثة.
وفي مقلب التعليم الخاص، يكشف اب لثلاثة ابناء ان الاقساط تضاعفت مرتين في المدارس الخاصة هذا العام. ويشير لـ”الديار» الى «ان الاقساط كانت الفي دولار كمعدل وسطي، اصبحت فوق الـ3 الاف و3 الاف و500 دولار في مدارس متوسطة المستوى وليست المدارس عالية المستوى.
وهذه الاسعار تعتبر مرهقة للاهالي خصوصاً في الجنوب، لا سيما القرى الامامية المدمرة، اذ لا يعمل غالبية العائدين الى قراهم، وفرص العمل معدومة، ولا تمكن العائدين الى القرى الامامية من البقاء والصمود. واذا افترضنا انه عاد الى بلدته ومنزله سليم وغير مدمر، فكيف يعيش ويؤمن قوت يومه اذا لم يعمل، وليس هناك من مورد مالي يومي او شهري؟
هذا الامر حكماً سيؤدي الى رفع مستويات التسرب المدرسي، فمن كان يدرس اولاده في مدرسة خاصة، ففي ظل هذه الظروف الحانقة، لا يبقى امامه الا ان يبقي اولاده في المنزل، او يرسلهم الى مدرسة رسمية بسبب قلة الحال والعوز.
علي ضاحي ـ الديار
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، يعود معه الهاجس الأكبر الذي يثقل كاهل الأهالي في لبنان: الأقساط المدرسيّة. فبعد الأزمة الاقتصادية التي لم تنتهِ بعد، ارتفعت الأقساط في مختلف المناطق اللبنانية بنسب متفاوتة تراوحت بين 30 % و100 %، ما جعل التعليم يشكّل عبئًا شبه مستحيل على كثير من العائلات.
مصادر “نداء الوطن” تشير إلى أنّ عددًا من المؤسّسات التربوية الخاصة، عمدت إلى رفع أقساطها بشكل ملحوظ. ففي بيروت وكسروان والمتن وصلت الزيادة إلى نحو 1000 دولار للتلميذ، بينما تخطّت بعض المدارس في برمانا هذا المعدّل بكثير، إذ وصل القسط في إحداها إلى حوالى 7000 دولار للتلميذ الواحد، الأمر الذي دفع الأهالي إلى تقديم شكاوى رسميّة ضد المدرسة.
أما في المناطق الأخرى، فالأقساط جاءت أقلّ نسبيًا لكنها لا تزال تشكّل عبئًا ثقيلًا مقارنة بقدرة الأهالي الشرائية. ففي الجنوب والبقاع تراوحت زيادة الأقساط بين 500 و 800 دولار، بينما انخفضت في الأطراف مثل عكّار وطرابلس لتتراوح بين 300 و 400 دولار، ولكن مبلغ كـ “300$” بالنسبة إلى عائلات تعيش تحت خط الفقر هو بالفعل رقم كبير. والأسوأ أنّ هذه الأقساط لا تشمل الكلفة الإضافية من زيّ مدرسي، وقرطاسية، وكتب، ونقل، ما يضاعف الأعباء ويجعل التعليم امتيازًا للأغنياء فقط.
في المقابل، وبناء على قرار البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، أعلنت بطريركية السريان الكاثوليك، وللسنة السادسة على التوالي، إعفاء جميع الطلاب السريان (الكاثوليك والأرثوذكس) من كامل الأقساط المدرسية المترتّبة عليهم في كل من مدرسة “ليسيه المتحف” – بيروت ومدرسة “دير الشرفة” – حريصا للعام الدراسي 2025 – 2026، على أن يتحمل الأهالي فقط رسوم التسجيل والقرطاسية. وأوضحت البطريركية أنّ هذا الإجراء يهدف إلى تخفيف الأعباء عن العائلات، مع الحفاظ على جودة التعليم ورسالة التربية السامية التي تنتهجها المدارس.
الخريطة التربوية
وبذلك، باتت الخريطة التربوية في لبنان مقسّمة وفق مستويات المدارس والمناطق: مدارس “رفيعة المستوى” ذات أقساط مرتفعة جدًا، مدارس “متوسطة” بأقساط أقلّ نسبيًا، وأخرى “محدودة” الكلفة لكنها لا تخلو من الأعباء على العائلات المحدودة الدخل. هذه الفجوة المتنامية بين المؤسّسات التربوية، تعكس بوضوح واقع الانقسام الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه اللبنانيون، وتضع مصير التعليم على المحكّ.
رغم كل هذه الزيادات في الأقساط، يبقى واقع الرواتب كما هو، بل إنّ معظم الموظفين يتقاضون اليوم أجورًا أقل ممّا كانوا يتقاضونه قبل الأزمة، فيما أصبحت الأقساط المدرسية أعلى ممّا كانت عليه أيضًا. وفي ظلّ هذا التناقض الصارخ، يرزح اللبنانيون تحت وضع معيشي قاسٍ، حيث تعيش الغالبية الساحقة من الشعب تحت خط الفقر، ما يثير تساؤلًا مشروعًا: كيف يمكن للأهالي أن يؤمّنوا حق أبنائهم في التعليم وسط هذه الظروف؟
الارتفاع المبالغ فيه في الأقساط لا يستند إلى أسس قانونية، إذ إنّ إدارات المدارس تذرّعت بأعباء تطبيق القانون 12/2025. لكن، وفق الدراسة العلمية التي أجراها الاتحاد لمصلحة التعليم الخاص، يتبيّن أن الحدّ الأدنى للزيادة يجب أن يبدأ من 36 دولارًا وصولًا إلى 150 دولارًا كحد أقصى، أي أنّه لا يجوز أن يتخطّى هذا السقف بأي شكل. هذه المعادلة تضمن للأساتذة تقاضي رواتبهم كاملة بالدولار الأميركي كما كانت قبل الأزمة المالية، وتؤمّن في الوقت نفسه مستحقات صندوق التعويضات.
القانون الجديد
ألزم القانون الجديد المدارس بالحصول على براءة ذمّة، وهو ما اعتُبر خطوة إيجابية، إذ يجبرها على إلغاء أي رسوم أو مداخيل خارج إطار الموازنة الرسميّة.
وفي حديث خاص مع “نداء الوطن”، أوضحت رئيسة اتحاد لجان الأهل لمى الطويل، أنّ المدارس باتت مجبرة على التصريح عن كامل الأموال التي تتقاضاها بالدولار بعدما كانت تُحصّلها من دون أي كشف أو رقابة وعلى أن يلغى الصندوق خارج الموازنة. وأضافت أنّها أصبحت ملزمة بإدخال جميع المستلزمات ضمن الموازنة الرسميّة، ما يضعها تحت رقابة لجان الأهل. واعتبرت الطويل أنّها “بداية جيدة لضبط عشوائية الأقساط”، خصوصًا بعد أن أصدرت مصلحة التعليم الخاص تعميمًا شدّدت فيه على ضرورة الالتزام بالموازنة الإلكترونية لمنع أي تلاعب، على أن تفرض غرامات بحق المخالفين.
وتابعت الطويل: “في ما خصّ تعديل القانون 515 الذي عملنا عليه لوقت طويل، فهو اليوم في لجنة التربية والتعليم، ويجب أن يُعرض بأقرب وقت على الهيئة العامة. وبهذا نكون قد حققنا إنجازًا عظيمًا في تنظيم القطاع الخاص”.
وختمت الطويل حديثها بتوجيه نداء إلى الأهالي، داعية إياهم إلى القيام بواجباتهم مع بداية تشرين الأول، موعد انتخابات لجان الأهل، عبر الترشح والمشاركة الفاعلة، والأهم التبليغ في حال التعرّض لأي ضغوطات من قبل إدارات المدارس.
أقساط مدارس المتن
وفي السياق، أشار رئيس اتحاد لجان الأهل الكاثوليكية والخاصة في المتن عبدو جبرايل إلى أنّ بعض المدارس في المتن رفعت أقساطها بنسبة وصلت إلى 35 و 40 %، فيما عمدت مدارس أخرى إلى زيادات “خيالية”، إذ بات معدّل القسط نحو 3000 دولار، وتخطّى في بعض الحالات الـ 4000 و 5000 دولار. واعتبر جبرايل أنّ “هذا الأمر خطير جدًا، إذ يشكّل كارثة حقيقية للعائلات التي لديها أكثر من ولد واحد، خصوصًا أن هذه المبالغ لا تشمل القرطاسية والزيّ المدرسي ولا تكاليف النقل والكتب”. وأردف: “نحن نطلق النداء بشكل متكرّر، لكن لا أحد يتجاوب معنا، لا الدولة ولا وزارة التربية، التي تبرّر موقفها بأنّها عاجزة بسبب غياب المجالس التحكيمية”.
من جهته، أعلن الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان، الأب يوسف نصر، أنّ القانون 12/2025 سيُنفّذ بدءًا بالأول من تشرين الأول المقبل، مشدّدًا على أنّ هذا القانون ينصّ بشكل واضح على أن تُحتسب الأقساط المدرسية انطلاقًا من الموازنة السنوية لكل مدرسة. وتشمل الموازنة الرواتب والأجور الممنوحة للمعلمين، والمصاريف الإضافية، على أن تُقسّم التكاليف على عدد الطلاب، بما يضمن موازنة موحّدة وشفافة، وتحتسب فيها أيضًا اشتراكات صندوق التعويضات والضمان الاجتماعي، إضافة إلى الأجر الإضافي المعتمد للتعويض عن خسارة قيمة الليرة اللبنانية.
وقد علمت “نداء الوطن” أنّ بعض المدارس الخاصة تُجبر لجان الأهل على توقيع الموازنة من دون الاطّلاع عليها أو التدقيق في تفاصيلها، إمّا بالوعد بخصومات لأولادهم، وإمّا بالضغط المعنويّ من باب الخجل.
مجالس تحكيميّة
يُذكر أنّ وزيرة التربية ريما كرامي كانت قد أعلنت، صباح الجمعة، عن تشكيل مجالس تحكيمية تربوية (أي القضاء التربوي) لمتابعة هذا الملف، ولكن يبقى الأهم أن تُبنى هذه المجالس على أسس تُراعي متطلبات الشعب، وأن تُشكّل بعيدًا من منطق المحاصصة، وإلّا سنعود إلى نقطة الصفر”.
كما علمت “نداء الوطن” من مصادر تربوية أنّ الوزيرة، بالتعاون مع وزير الدفاع ميشال منسى وقيادة الجيش، أطلقت مبادرة وطنية لتخفيف الأعباء عن عائلات العسكريين، تقضي بتحديد سقف للأقساط لا يتجاوز المعدّل المعتمد من تعاونية موظفي الدولة. المبادرة لاقت ترحيبًا سريعًا من نقابتي المدارس الخاصة في الأطراف والبقاع، اللتين سارعتا إلى إعلان التزامهما الكامل بها، واضعتين المصلحة الوطنية والبعد الإنساني فوق أي حسابات ضيّقة. في المقابل، رفض اتحاد المؤسّسات التربوية الخاصة الانخراط في المبادرة، متعاليًا بخطابه ومصرًّا على طلب موعد منفرد مع وزير الدفاع. وتشير مصادر خاصة إلى أنّ غالبية أعضاء الاتحاد وافقوا على المبادرة، باستثناء أمين عام المدارس الكاثوليكية في لبنان.
وفي 9 أيلول الجاري، أكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون في بيان أنّ “الزيادات على الأقساط التي لجأت إليها بعض المدارس الخاصة في لبنان غير مبرّرة وغير مدروسة، ولا يمكن القبول بها، ولا بدّ من إعادة النظر فيها”. ودعا خلال استقباله وفدًا من اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة إلى “الأخذ في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه الأسر اللبنانية، والتي تجد صعوبة في تأمين كلفة تعليم أولادها نتيجة الارتفاع غير المقبول في الأقساط المدرسية”.
زيادات أكثر من عشوائية
من جهته، اعتبر الناشط الاجتماعي ميشال شمعون في حديث إلى “نداء الوطن” أنّ بعض المدارس التي تُصنَّف كـ “مدارس لا تبغي الربح” اعتمدت زيادات أكثر من عشوائية. وأوضح أنّ إدارات هذه المدارس، تحت ذريعة رفع نسبة زيادة رواتب الأساتذة من 80 % إلى 100 %، عمدت إلى تحميل الأهالي زيادات تتراوح بين 30 و 60 % على الأقساط، أي ما يعادل ما بين 1000 و 3000 دولار إضافية على كل تلميذ، مقابل زيادات فعلية لا تتعدّى 200 أو 300 دولار للأستاذ.
وشدّد شمعون على ضرورة أن يتحمّل الأهالي في هذه المدارس مسؤولياتهم عبر تشكيل لجان أهل مستقلة وغير خاضعة للإدارة، مذكّرًا بأنّ هذه اللجان هي المخوّلة قانونًا دراسة الموازنة وتحديد القسط. ودعا أولياء الأمور إلى الترشح والمشاركة الفاعلة في الانتخابات المقرّرة الشهر المقبل، حفاظًا على حقوقهم وحقوق أولادهم.
أمام هذا المشهد، يتضح أنّ أزمة الأقساط المدرسية لم تعد مجرّد قضية تربوية، بل تحوّلت إلى معركة يومية على حق أساسي هو التعليم.
ففي بلد يعيش أكثر من نصف شعبه تحت خط الفقر، تصبح المطالبة بآلاف الدولارات لتعليم الأولاد أشبه بحرمانهم من مستقبلهم. وبين قوانين غير مطبّقة، ومؤسسات تربوية تتصرّف بمنطق الأسواق، يبقى السؤال الجوهري: هل يُترك التعليم رهينة الجشع، أم تتحمّل الدولة مسؤولياتها لحماية من تبقّى من جيل يسعى إلى النجاة؟
ماريانا الخوري ـ نداء الوطن
برزت في الايام القليلة الماضية، حركة اعتصامات امام بعض المدارس الخاصة في مدينة طرابلس احتجاجا على ارتفاع الاقساط المدرسية التي تراوحت بين اربعة آلاف وخمسة آلاف دولار ، مع ارتفاع مبالغ فيه لاسعار الكتب والقرطاسية.
ارتفاع الاقساط المدرسية في المدارس الخاصة شكلت ازمة لدى مجمل الاهالي في طرابلس والشمال، في ظل الازمات المعيشية والاقتصادية الضاغطة بأثقالها ..
بعض اوساط هذه المدارس حاول طرح مبررات لزيادة الاقساط، مستندا اولا، الى ان من يلجأ الى المدرسة الخاصة هم الميسورون، وثانيا ان ادارات المدارس الخاصة مضطرة لزيادة الاقساط بعد رفع الحد الادنى في القطاع الخاص، بحيث توازن بين رواتب المدرسين والاقساط كي تؤمن ديمومة المدرسة وحماية مستوى الانتاجية فيها منعا للانحدار ..
غير ان استطلاعا للرأي العام في مدينة طرابلس أفضى الى ان معظم الاهالي الذين لجأوا الى المدارس الخاصة هم من موظفي القطاع العام والاسلاك العسكرية، ومن ذوي الدخل المحدود، وان دوافعهم هي توفير مستوى تعليمي لائق لاولادهم في ظل غياب هذا المستوى عن المدارس الرسمية التي لا تتوفر فيها الجدية والمستويات التعليمية العالية لاسباب عديدة ابرزها:
اولا، تدني رواتب المدرسين في القطاع العام، مما ينعكس سلبا على انتاجية المدرس الذي يرزح تحت هموم معيشية ضاغطة تخفض من طاقة انتاجيته. والدلالة على ذلك ان عددا لا يستهان به من المدرسين الرسميين متعاقدون مع مدارس خاصة، تختلف انتاجيتهم التربوية بين مدرسة خاصة، ومدرسة رسمية، ففي المدرسة الخاصة ونتيجة الرقابة والمتابعة والراتب المتوازن يقدم عطاء جديا منتجا، وفي المدرسة الرسمية تنخفض طاقته الانتاجية لغياب الحافز والرقابة.
ثانيا، شبه غياب للتفتيش والمتابعة الجدية لمسار المدارس الرسمية وتوفير كل مستلزماتها اللوجستية سواء في طرابلس او في المناطق الشمالية النائية.
اللافت ان مدينة طرابلس باتت مزدحمة بالمدارس الخاصة على انواعها، سواء مدارس الارساليات الاجنبية وما اكثرها، وبعضها يعود تأسيسها الى اكثر من مئة عام ، ومدارس جديدة تمتلكها جمعيات دينية مسيحية واسلامية، ومجمل هذه المدارس لجأت الى زيادة الاقساط، ورغم ذلك فانها تشهد اقبالا غير مسبوق، وحاولت لجان الاهل معارضة هذه الزيادة ولا تزال تحاول، غير ان الادارات مصرة على رفعها غير مبالية بالاعتراض، مدركة ان لا خيار للاهل امام هبوط التعليم الرسمي وازمته الا اللجوء الى المدارس الخاصة.
اما المدارس الرسمية في طرابلس فقد باتت اقلية امام نشوء المدارس الخاصة، ويحاول بعض الاوساط النيل من سمعة المدارس الرسمية، واتهامها بهبوط المستوى التعليمي فيها، رغم ان هذه المدارس الرسمية كانت حتى سنوات قليلة، من اهم المدارس المنتجة في لبنان، وقد خرجت كفاءات وطاقات عالية وشخصيات، وكانت مقصد العائلات والقيادات والشخصيات يوم كانت هذه المدارس تديرها كفاءات ولا تزال الى اليوم هذه المدارس تبذل جهودا غاية في الاهمية لرفع المستوى التعليمي فيها وحمايتها من الهبوط والانحدار.
اوساط تربوية رأت ان المدرسة الرسمية اليوم باتت ملجأ الفقراء، وهي اليوم تزدحم بالطلاب المنتقلين من المدرسة الخاصة هربا من جحيم الاقساط، وبعض العائلات تعجز حتى عن تسديد رسوم التسجيل فيها، واللافت ان مكاتب النواب والسياسيين الذين كانوا يوفرون مساعدات مدرسية قد غابوا عن السمع هذا العام لعل السبب ان الموسم الانتخابي لا يزال بعيدا ..
احد اولياء التلاميذ،قال تصوروا ان ثمن الكتب في المدرسة الخاصة لا تقل عن 300 دولار، والقرطاسية لا تقل عن مئتي دولار، فهل بلغ لبنان مرحلة ان التعليم متوفر فقط للمقتدرين ماليا؟ ويمنع على الفقراء تلقي العلم؟ والمطلوب تجهيل الشعب اللبناني بمحاصرته اقتصاديا وصولا الى حرمانه من التربية والتعليم ….
دموع الأسمر – الديار
على مدار 30 عاماً، دأب كارتيل المدارس الخاصة على «مصّ دم» الناس عبر أقساط «جنونية»، تحت حماية قانون «فضفاض» (القانون 515/1996) يتيح للمدارس إعداد موازنات تقديرية لا ميزانيات، وعبر تغييب المجالس التحكيمية التربوية لحلّ النزاعات بين الإدارات المدرسية وأهالي التلامدة، رغم محدودية صلاحيات هذه المجالس.
الجنون ازداد هذا العام، عبر زيادات لامست 120% في بعض المدارس، بذريعة الالتزام بتطبيق قانون تغذية صندوق تعويضات المعلمين (الرقم 12/2025)، والمعدل بالقانون (الرقم 5/2025). إذ يوجب القانون التصريح عن الرواتب بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي في البند (أ) من الموازنة، ما يرفع في المقابل حصّة المدرسة في البند (ج) المتعلّق بالمصاريف التشغيلية، وينعكس بالتالي ارتفاعاً في الأقساط.
ووفقاً للقانون المعمول به حالياً، تتألّف الموازنة من أربعة بنود: أ – ب – ج – د. البندان (أ) و (ب)، يتعلّقان برواتب الأساتذة والموظفين وأعبائها من بدلات النقل واشتراكات الضمان وصندوق التعويضات والساعات الإضافية والتعويضات الإضافية، وقيمتها 65% من القسط، فيما يتّصل البند (ج)، بمصاريف المدارس من تأمين ومازوت وكهرباء وتعويضات أصحاب الإجازة واستهلاكات إدارية وتربوية.
أمّا البند (د)، فيتضمّن المنح لأبناء الموطفين غير الداخلين في الملاك والمكافآت التي تتخطّى 15%، ورسوم البلدية، والتعويضات عن السنة السابقة للضمان وللأساتذة.
مخالفات وتحايل ورشاوى
ووفقاً لمصادر خبيرة في إعداد الموازنات المدرسية، فإنّ القانون يحمي المدرسة ويعطيها الحرّية الكاملة في البند (ج)، حيث تضع الأرقام التي تريدها، على اعتبار أنّ الموازنة تقديرية ويصعب التدقيق فيها.
وهو ما يفرض تعديل القانون وإخضاع هذا البند إلى التدقيق من خبير محاسبة، مع البند (د). وتشير هذه المصادر إلى أنّ ما يجري حالياً، هو فرض المدارس لأقساط مبالغ فيها، عبر تضخيم الموازنة عبر إدراج رواتب خيالية لموظفين ومعلمين وهميّين، من بينهم أقرباء وتابعون لهيئات دينية.
كارتيل المدارس لا يسمح بالمسّ بأرباحه التي لا تدخل الموازنة ودور مُلتبس لـ«مصلحة التعليم الخاص»
هذه الموازنات يتمّ قبولها في «مصلحة التعليم الخاص» في وزارة التربية، بمجرّد أنها تراعي نسبة 65% و35%، من دون أي دراسة دقيقة لها وطلب المستندات اللازمة.
ويُذكَر أنّ خبير المحاسبة لا يستطيع أن يدقّق في هذه المبالغ، لأنّ هؤلاء غير خاضعين لسلسلة رتب ورواتب وقوانين، وإنما يتقاضون أجوراً، والأجر هو نوع من الاتّفاق بين طرفين. وعلى سبيل المثال، فإنّ إحدى المدارس أدرجت في موازنتها رواتب لـ 21 راهباً موجودين خارج لبنان، ورصدت 20 مليون ليرة لكل راهب (كان الدولار يوازي 1500 ليرة لبنانية)، ولم يتحرّك أحد لمحاسبتها.
كما تخالف مدارس بعدم تسجيل معلمات وموظفات متزوّجات من عاملين في السلك العسكري، في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يخفّف الأعباء عليها، لتعود وترفع الأقساط بشكل جنوني، وتجني أرباحاً طائلة.
وفي معظم الأحيان، تقدّم إلى «مصلحة التعليم الخاص» موازنات فيها خلل ومخالفات، بحيث تكون الإيرادات أعلى من النفقات، و«تُحفَظ في مكتب شقيق أحد المسؤولين في الوزارة، بعد تقاضي المبلغ المرقوم»، وفقاً لمصادر مطّلعة.
أمّا المخالفات في الأطراف، في عكار والبقاع والأرياف العالية في جبل لبنان، فهي أكثر فظاعة، وتؤكّد المصادر أنها «تحظى بغطاء من مصلحة التعليم الخاص». إذ تعمد مدارس تضمّ على سبيل المثال 1000 تلميذ، إلى تسجيل 15 أستاذاً فقط، من دون أن تصرّح عن البقيّة، لـ«تُقبَل الموازنات وتُخفَى في المكتب نفسه».
أمّا مزراب الربح الهائل للمدارس الخاصة والذي لا تصيبه التعديلات الجديدة المطروحة من اتّحادات لجان الأهل للقانون 515، ولا يسمح الكارتيل بالمسّ به، فهو المبالغ الضخمة التي يتقاضاها من خارج الأقساط والتي إذا أدخلت إلى الموازنة، ستؤدّي إلى خفض الأقساط حتماً.
ومن هذه الإيرادات ما يُجنى من الباص المدرسي والزّي المدرسي والكتب (القانون يمنع بيعها في المدرسة) والقرطاسية ودكان المدرسة… وغيرها. ورغم صدور استشارة قانونية تؤكّد وجوب إدراج كل هذه الإيرادات في الموازنة، وتحرّكات الأهالي في هذا الخصوص، إلّا أنّ هذا المطلب لم يتحقّق.
وعود غير كافية
من أبرز التعديلات المطروحة، توسيع دور لجان الأهل وإخضاع الموازنة بالكامل للتدقيق من خبير محاسبة مجاز، إلّا أنّ هذه التعديلات لا تزال مرفوضة من الكارتيل حتى الآن، ما يستدعي، وفقاً لمعنيين، أن تصوّب لجان الأهل معركتها وعدم تحييد «مصلحة التعليم الخاص» التي «تؤدّي دوراً ملتبساً في الموازنات والأقساط».
ويقول هؤلاء إنّ الحلول التي تبنّاها رئيس الجمهورية جوزاف عون، في لقائه الأخير مع اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة من تشكيل المجالس التحكيمية التربوية وتعديل القانون 515، لا تكفي لاستقامة الأمور، ما دام الكارتيل لا يزال يملك السلطة نفسها ويرفض المساس بأرباحه الفعلية.
أمّا حماية الأهل التي تعهّد بها عون، فهي من صلاحيات جهاز أمن الدولة، الذي «يجب أن يداهم أوكار الفساد في التعليم الخاص». ويسألون: «لا ندري لماذا يتغافل العهد عن الفساد في وزارة التربية، ويترك بعض الضباط الذين تربطهم علاقة مع الفاسدين في الوزارة يلاحقون كاشفي الفساد، بدلاً من محاسبة الفاسدين أنفسهم؟».
فاتن الحاج ـ الأخبار
المعضلة قديمة جديدة ومتجددة، وتتكرر مع بداية كل سنة دراسية وتؤرق مضجع الأهالي في منطقة إقليم الخروب وغيرها من المناطق، خصوصا لذوي الدخل المحدود: الأقساط المدرسية التي ترتفع تلقائيا كل سنة بشكل جنوني دون حسيب أو رقيب، بالتوازي مع غلاء المعيشة. أقساط تثقل كاهل المواطنين وتضيف عليهم أعباء مضاعفة، فضلا عن أسعار الكتب والقرطاسية، وإلزام المدارس الخاصة الأهالي بشراء الكتب من المدرسة مباشرة ورفض الكتب المستعملة.
جملة أزمات يوضع أمامها أولياء الأمور في الإقليم في كل شهر سبتمبر من كل سنة، والذي يعلن معه المواطنون الاستنفار العام لتأمين وتحضير مستلزمات السنة الدراسية لأولادهم، وتبدأ معه الصرخات والأوجاع. يصف المواطنون هذا الشهر بشهر حرف الـ «م»، أي شهر المعاناة، والذي يرمز إلى «مدرسة، مازوت، مستشفى..»، حيث يترك المواطن يتخبط في أزماته للقدر، بينما لا يحرك أصحاب الشأن ساكنا.
وعلى رغم إعلان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام وفد اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان، بأن زيادة الاقساط المدرسية غير مقبولة وغير مبررة وتحتاج إلى إعادة نظر وضرورة تشكيل المجالس التحكيمية ودرس تعديل القانون 515 لتصبح أكثر عدالة، وتحفظ معها حقوق المعنيين بالقطاع التربوي من أساتذة ومدارس وطلاب.. إلا ان هذا التصريح لم يثن أصحاب المدارس الخاصة عن زيادة الأقساط بحجة تحسين رواتب الاساتذة، الذين بدورهم يشكون من عدم انصافهم ويقولون رواتبهم تكاد لا تكفي بدل النقل.
مصدر تربوي مطلع اعتبر «ان الدولة هي المسؤولة عن هذه المشكلة». ورأى «ان المواطن هو من يدفع الثمن».
ويعزو السبب إلى «إهمال وعدم اهتمام الدولة بالمدرسة الرسمية، التي هي ملاذ الجميع، إضافة إلى عامل أساسي في ضرب المدرسة الرسمية، والمتمثل بالمنح المدرسية التي تصرفها الدولة للموظفين، وهي التي تشجع المدارس الخاصة على الابتزاز والاحتكار في رفع الأقساط.»
وأشار المصدر إلى «ان المدارس الخاصة هي من تضع سياسة وزارة التربية وتفرضها وتلزم بها الوزارة»، مؤكدا «ان المشكلة كبيرة وليس لها من حل، لأن اصحاب النفوذ يديرون العديد من المدارس الخاصة، ويتصرفون بفوقية دون أي رقابة أو محاسبة. لذا نرى الفساد في كل موقع ومكان».
إزاء هذا الواقع، التقت «الأنباء» عددا من أهالي التلامذة في الإقليم الذين أطلقوا الصرخة جراء زيادة الأقساط التي ارتفعت ما بين 30 و40%. وقالت إحدى السيدات «لدي ولدان، الأول في صف الروضة الثانية والثاني في الصف الثاني أساسي. ومع الزيادات التي فرضت بات لزاما علي دفع مبلغ 6 آلاف دولار في السنة على الولدين، هذا عدا الزي المدرسي والكتب، ما يعني أنني ادفع راتبي بكامله شهريا للمدرسة لنصل إلى نهاية السنة ويكون القسط مسددا بالكامل».
وتابعت «اننا كأهل نربأ بالمسؤولين والقيمين على القطاع التربوي، إعادة النظر بهذا الواقع رأفة بنا وبأولادنا».
ويقول أحد الآباء: «ابني لا يزال في الروضة الأولى وقسطه السنوي في المدرسة أصبح 2000 دولار، بعد زيادة 20% فرضتها المدرسة. هذا الامر يرهقنا كأهالي، اذ نعمل ليل نهار لتأمين القسط، ناهيك عن غلاء المعيشة، فنضطر إلى التقشف من أجل تعليم أبنائنا وتأسيسهم في شكل جيد، لينطلقوا بعدها إلى رحاب التعليم الجامعي».
وذكر أب آخر لعائلة من ثلاثة ابناء انه يسجل أولاده في المدرسة الخاصة، وهو ينوي نقلهم إلى المدرسة الرسمية، لدى وصولهم إلى الصف الخامس.
وقد فضل المدرسة الخاصة ليتقن أولاده اللغات والمناهج الأساسية في شكل جيد، وقال «هذا ليس انتقاصا من المدرسة الرسمية، وانما لما في المدارس الخاصة من وسائل تعليم متطورة وتكنولوجيا تواكب العصر. الا ان الزيادات على الأقساط التي فرضتها المدارس الخاصة هذه السنة ستجبرني على نقل أولادي إلى التعليم الرسمي والإبقاء على ولد واحد في المدرسة الخاصة، اذ ليس بمقدوري الاستمرار في ظل الأزمة الاقتصادية التي أرهقتني مع كثيرين من الأهالي».
وقد يسأل سائل، ما دامت الأقساط باهظة إلى هذا الحد في المدارس الخاصة، لماذا لا يلجأ الاهالي إلى المدرسة الرسمية؟ والجواب بسيط هو ان أعدادا كبيرة من تلامذة المدارس الخاصة انتقلت إلى المدارس الرسمية، والأخيرة لم تعد قادرة على استيعاب المزيد، سيما وان هناك أعدادا كبيرة ايضا من التلامذة السوريين يشغلون المقاعد الدراسية في هذه المدارس في فترة بعد الظهر.
وفي المحصلة، سيبقى المواطن اللبناني رهينة الأوضاع الاقتصادية، في علمه وقوته ومعيشته.
أحمد منصور ـ الأنباء الكويتية
مع انطلاق العام الدراسي الجديد في لبنان، تبدو المدارس الخاصة وكأنها على خريطة معركة مالية وتعليمية، حيث تتشابك قرارات زيادة الأقساط مع إعادة التأكيد على سياسة تقليص أيام التعليم إلى أربعة فقط. ترتفع الأقساط المدرسية كل عام كمدّ وجزر لا يرحم، تتأثر بالقوانين الجديدة 12/2025 و5/2025، التي تضع أعباء إضافية على المعلمين، بينما يُترك الأهالي لمواجهة فجوة مالية تتسع على الدوام. ما يُثار اليوم ليس مجرد أرقام، بل صراع حقيقي بين حق الطلاب في التعليم وحق المعلمين في عيش كريم، في ظل نظام يعكس هشاشة التمويل والبيروقراطية المتشابكة.
وفي الوقت نفسه، خرجت وزيرة التربية لتعلن من بعبدا قبل ساعات أن أيام التدريس ستُرسى على أربعة، محاولة تقديم خطوة تبدو وكأنها حل مبتكر، لكنها في واقعها إعادة تدوير لنظام مطبق في المدارس الرسمية منذ سنوات. هذا التقليص، كما يرى التربويون، لا يحل أيا من مشكلات التعليم، بل يزيدها تعقيدا، لأنه يحرم الطلاب من فرص التعلم الكافية، ويضعف التحصيل العلمي في صفوف الشهادات وحتى في المراحل الأخرى. وهكذا، تتحول المدارس إلى مسرح تتصارع فيه الأرقام والسياسات، بينما يصبح الطلاب والأهالي والمعلمون أطرافا في لعبة مالية وتعليمية لا يربح منها إلا من يضع القوانين.
الجميع في الخانة نفسها!
على ارض الواقع، يؤكد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض لـ “الديار” أنّ قضية الأقساط لا يمكن اختزالها في معيار واحد، فبين المؤسسات هناك من رفع الأقساط بشكل معتدل انعكس إيجابا على رواتب المعلمين، وبين أخرى ضاعفتها بشكل صادم، متجاوزة مستويات ما قبل الأزمة، بينما لم تشهد الرواتب أي زيادة تذكر. السؤال الملح هنا: حين تعود رسوم المدرسة إلى ما كانت عليه عام 2019، فيما لا يتجاوز راتب المعلم نصف قيمته الحقيقية، إلى أين يذهب الفرق؟
ويشرح: “يبرز دور لجان الأهالي كأداة رقابية، مطالبة الإدارة بالإجابة عن هذا السؤال: إذا كانت الأقساط المرتفعة تُخصص لدعم المعلمين والحفاظ على كفاءتهم، فإن المؤسسة تضمن جودة التعليم لأبنائهم، ولكن إذا لم يُخصص سوى جزء ضئيل منها، فأين تذهب بقية الأموال؟ الواقع المرير يبيّن أن هذا التقصير يدفع المعلمين الأكفاء إلى مغادرة القطاع الخاص، والانتقال إلى مدارس أخرى أو الهجرة إلى الخارج، بحثًا عن رواتب تكفيهم لتغطية احتياجاتهم الأساسية، تاركين النظام التعليمي رهينة للسياسات المالية غير المتوازنة”.
ويضيف: “زيادة الأقساط لا تنعكس زيادة في أجور المعلمين بالنسبة نفسها، ولذلك تقع هذه المسؤولية على لجان الأهالي، التي من المفترض أن يتم انتخابها مطلع العام الدراسي المقبل لتمثيلهم، والتعبير عن همومهم ونقل رأيهم إلى الإدارة. ويشدد على أنّه لا يدعو لجان الأهالي إلى فتح حرب مع إدارات المدارس، بل على العكس، إلى اجراء نقاشات بنّاءة حول هاتين المسألتين: موضوع الأقساط والموضوع التربوي أيضا، إذ للجان الأهالي رأي في هذه القضية، بما في ذلك نوعية المعلمين وخبراتهم وكفاءاتهم، لأن هذه التفاصيل تنعكس مباشرة على أبنائهم”.
النزوح من الخاص إلى الرسمي: حقيقة أم تشويش؟
يقول محفوض: “من وجهة نظري، هذا الأمر يحدث كل عام، ولا يوجد ما يدعو إلى القلق، فلا يمكن أن يحصل نزوح كبير من المدارس الخاصة إلى الرسمية، إذ تبلغ نسبة التعليم في المدارس الخاصة 78%، بينما في المدارس الرسمية 22%. تخيلوا لو انتقل نصف الطلاب من الخاص إلى الرسمي، فلن تتوافر لهم أماكن، كما أن المدارس الرسمية لا تستطيع استيعاب أعداد كبيرة من طلاب الخاص. الواقع يبيّن أنّ ما يُشاع عن النزوح غير صحيح، وذلك بسبب المشكلات المتراكمة في التعليم الرسمي”.
ويشير إلى أنّ: “الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة منذ التسعينيات ضربت الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي، ففي حين كان معدل التعليم الرسمي حوالى 50% في البلاد، أصبح اليوم بين 23% و25%. ويتساءل: لماذا لم يعد لدى الناس ثقة في التعليم الرسمي، خصوصا في المرحلة الابتدائية والمتوسطة؟ من هنا، إذا لم تمنح الحكومة والعهد الجديدين الأولوية للتعليم الرسمي واستعادة عافيتهما، بما في ذلك تدريب الأساتذة في القطاع الرسمي وتفعيل دورهم، إلى جانب إعادة فتح كلية التربية، فلن يكون بالإمكان تحسين مستوى التعليم”.
ويضيف: لا يمكن تخفيض الأقساط في المدارس الخاصة إلا إذا توافرت مدارس رسمية ذات مستوى أكاديمي جيد، حينئذ سيتمكن من لم يعد قادرا على دفع الأقساط الباهظة من تعليم أبنائه فيها. أما إذا ظل المستوى الأكاديمي منخفضا، فستظل العقبة قائمة، ولن يكون هناك بديل حقيقي للقطاع الخاص”.
التقليص يؤذي الطلاب!
وعن قرار وزيرة التربية بشأن أيام التدريس التي ستعتمد في العام الدراسي المقبل، يعلق محفوض مستهجناً: “سأوضح، فقد يكون التعبير قد خان معاليها، إذ إنها لم تقرر بنفسها أن يكون التدريس أربعة أيام، لأن المدارس الرسمية تعتمد هذا النظام منذ نحو أربع أو خمس سنوات، منذ ثورة 17 تشرين وجائحة كورونا ثم الأزمة الاقتصادية. وهناك سنوات تم التدريس فيها ثلاثة أيام وسنوات أربع، مما يعني أن هذا النظام قائم منذ فترة طويلة”.
ويتابع: “لقد حاولت الوزيرة زيادة أيام التدريس إلى خمسة، لكنها لم تستطع، إذ إن أي زيادة في أيام التدريس يجب أن ترافقها زيادة في رواتب الأساتذة في القطاع العام، ويبدو أن المالية العامة للدولة غير قادرة على تحمل هذه الزيادة”.
رفع الصوت “بطولة”!
ويكشف: “موقفنا كنقابة هو أنّ التعليم يجب أن يكون خمسة أيام، وهذا رأي بالنسبة لزملائي في القطاع الرسمي، ويجب عليهم المطالبة بذلك لسببين: أولاً، في نظام الأربعة الايام لا يمكننا إنهاء البرنامج إذا أردنا تدريس المنهاج كاملاً. فمنذ نحو ست سنوات ندرس ربع المقرر فقط، والشهادات التي يحصل عليها الطلاب في الثانوية العامة تعكس ذلك؛ فالامتحانات هذا العام غطت ربع البرنامج، والسنة السابقة ثلثه. ثانيا، صحيح أن التلاميذ ينجحون ويحصلون على درجات متقدمة، لكن عند تخرجهم والالتحاق بالجامعات يكتشفون نقصا كبيرا في المعلومات الأساسية التي لم يتعلموها”.
ويقول: “لذلك، ليس المهم منحهم الشهادات فحسب، بل التأكد من أنهم درسوا المنهاج كاملاً. ولإنهاء البرنامج وإعداد شهادة ذات مستوى أكاديمي حقيقي، نحتاج إلى خمسة أيام أو أكثر. ولو كنت مكان زملائي في التعليم الرسمي، لطالبت بخمسة أيام دراسية إضافة إلى رواتب مناسبة، إذ إنهم محرومون من حقوقهم المالية. أي بمعنى آخر، إذا طلبوا مني التدريس يومين فقط وأعطوني راتبا مقابل هذين اليومين، فهل سأقبل؟
يسارع بالرد: “الأمر يتجاوز النقاش التربوي، فلبنان اليوم خارج الزمن ومستقبله على المحك، في ظل تسارع تطور العلوم، وظهور الذكاء الاصطناعي والنظم الرقمية. ولا يمكن انتشال البلاد من الأزمة إلا عبر التعليم والتربية الفعّالة”.
ويختم مؤكّدا على “ضرورة أن يكون التعليم خمسة أيام، من أجل الحصول على شهادة ذات مستوى رفيع ولإنهاء برنامج الشهادة بالكامل. وفي هذه الحالة، الغبن ليس محصورا في رواتب الزملاء في القطاع الرسمي فحسب، بل يشمل أيضا القطاع الخاص”.
تجميد زيادة الأقساط نجح على نطاق ضيق!
في سياق متصل، تقول رئيسة اتحاد لجان الأهالي وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان، لما الطويل، لـ”الديار”: “تنتهج المدارس المنهج نفسه كل عام رغم اعتراض الأهالي على ارتفاع الأقساط بطريقة مهولة وعشوائية، ورغم تقدم العديد من لجان الأهالي باعتراضات أمام مصلحة التعليم الخاص وقضاة العجلة والمجلس التحكيمي الوحيد في جبل لبنان، إلا أنّه، وبسبب غياب المحاسبة وعدم السعي لإصدار أي قرار أو مرسوم من المعنيين في الوزارة أو مجلس الوزراء لضبط هذه العشوائية، وعدم تشكيل المجالس التحكيمية في كافة المناطق اللبنانية، فإن كل هذا الإهمال يضع الأهالي تحت سلطة كارتيلات المدارس المحمية من كافة المرجعيات الدينية والأحزاب والتيارات”.
وتقول: “للأسف، نعوّل كأهالي على العهد الجديد الذي وعد في خطاب القسم بالنهوض بالقطاع التعليمي وضبط الفوضى، وكذلك ندعو مجلس النواب إلى إقرار تعديل القانون 515/96 الذي أصبح جاهزا في لجنة التربية، لإنصاف الأهالي وتفعيل دور لجان الأهالي الرقابي على الأقساط، وحماية الأهالي، والعمل بمبادئ الشفافية والتدقيق في الموازنات، وذلك قبل نهاية الفصل الأول وإقرار الموازنات المدرسية”.
نخب المال المحتكرة تفتك بالخاص!
وتكشف: “تراوحت الزيادات بين 500 و2000 دولار، وتجاوزت الأقساط ما كانت عليه قبل الأزمة، فقد وصلت في بعض المدارس إلى 6000 دولار أو أكثر. فمثلاً، ارتفعت أقساط في كل من برمانا هاي سكول والمقاصد ومدارس أخرى، وفي الإنجيلية الرابية ارتفع القسط من 3000 إلى 5200 دولار، وكأن إدارات المدارس تحاول إضافة 30% زيادة عن الأقساط السائدة قبل الأزمة المالية أي قبل 2019، وبالتالي يحملون الأهالي تكلفة الأرباح التي كانوا راكموها في المصارف ثم خسروها”.
وتختم “المشكلة نصرخ كل عام احتجاجاً، ولكن ما دام لا يوجد قضاء، وفي ظل غياب قرار وزاري بالتدقيق المالي، لا يمكن التوصل إلى أي نتيجة. نعول على مشروع القانون، وهناك الكثير من الملفات التي تمكّنا من معالجتها، مثل توقيف الزيادة في مدرسة الانطونية -غزير، كما تراجعت العديد من المدارس بعد رفض الأهالي ما يجري، خصوصا هذا العام الذي كان مختلفًا عن سابقه، والحمد لله. كما أن تحرك أولياء الأمور هذا العام جدي، لأنه لا يجب أن ننسى أن هناك تسرباً مخيفاً للطلاب”.
في النهاية لا بد من الإشارة الى ان “الديار” تحدثت مع إحدى الأمهات التي صادف وجودها في وزارة التربية أثناء جولتنا، وكانت تتقدم بشكوى ضد المدرسة الخاصة التي يتعلم فيها أبناؤها في منطقة الجديدة، حيث كشفت أن الادارة رفضت إعطاء الإفادات اللازمة لنقلهم إلى مدرسة رسمية بعد رفع الأقساط. كما علمت “الديار” أن التسجيل في المدارس الرسمية حاليا يتطلب واسطة. فأين معالي الوزيرة؟
المصدر: الديار
بدأت إدارات مدارس خاصة تبلغ ذوي التلامذة برفع الأقساط المدرسية للعام الدراسي المقبل 2025- 2026 من دون نيل موافقة مجالس الأهل على ما يقول البعض، وفق أسرار “النهار”.
















