في قرار أثار جدلًا وردود فعل، أعلنت وزارة الداخلية اللبنانية بدء تنفيذ إجراءات صارمة لتطبيق قانون السير الذي يمنع استخدام دراجات “التوك توك” لأغراض النقل العمومي والسياحي، وبذلك، أصبح “التوك توك” العمومي ممنوعًا رسميًا، بينما يبقى “التوك توك” الخصوصي، المسجّل بلوحات بيضاء وللاستخدام الشخصي، مسموحًا بموجب قانون السير اللبناني.
وقد أثار تطبيق هذا القرار القديم احتجاجات واسعة في مناطق لبنانية عدة، من طرابلس وصيدا إلى الهرمل، حيث عمد بعض السائقين إلى قطع الطرق وإشعال الإطارات رفضًا لمصادرة مركباتهم، بينما يعد هذا الإجراء تطبيقًا حرفيًا من قبل الجهات المسؤولة للقانون الذي يضع حدًا للفوضى المرورية.
“الداخلية” تشرح…
في هذا السياق، أوضحت مصادر وزارة الداخلية والبلديات لـ “نداء الوطن” أن قرار “وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار لا يمنع سير دراجات “التوك توك” بالمطلق، بل يطلب فقط التشدد في تطبيق القانون لناحية منع استخدامها في نقل الركاب، نظرًا إلى أن هذه المركبات تُسجّل كدراجات ثلاثية العجلات ولا تُمنح لوحات عمومية، ما يجعل استخدامها كـ “تاكسي” أي نقل مشترك مخالفاً للقانون”.
أضافت المصادر: “يجب تطبيق قانون السير، والوزارة حريصة كل الحرص على كل القطاعات، لكن السلامة المرورية بالنسبة لها هي الأولوية”.
ختمت المصادر: “الأجهزة الأمنية مولجة تطبيق القوانين والقوى الأمنية تضبط حصرًا المخالفين”.
لكن المفارقة، حسبما علمت “نداء الوطن”، أن مصادر مراقبة استغربت توقيت انطلاق هذه الحملة، بالتزامن مع بداية موسم الصيف، حيث تزداد الحركة في المناطق السياحية، ما يجعل توقيتها محط تساؤل، خصوصًا أن الظاهرة ليست جديدة بل قائمة منذ سنوات.
لكنها لم تستبعد أن تكون الاسباب تنظيمية، وقالت: “وزارة الداخلية تنكب على تطبيق قانون السير بكل تفاصيله بمؤازرة من الجهات الأمنية المختصة”.
وفيما تنفّذ قوى الأمن الداخلي الحملة على الأرض عبر حواجز ميدانية في مناطق عدّة من لبنان، يعتبر معارضو القرار أن المسألة تتطلب حلاً تشريعيًا وتنظيميًا لا أمنيًا فقط، محذرين من تفاقم الأوضاع الاجتماعية في عدة مناطق حيث يعتمد السكان بشكل رئيسي على “التوك توك” في تنقلاتهم.
موقف لجنة “الأشغال”
وفي وقت ينتظر فيه صدور موقف رسمي من لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية، تؤكد مصادر برلمانية لـ “نداء الوطن” أن الأولوية اليوم ليست في المنع بل في التنظيم، فـ “التوك توك” موجود في أغلب البلدات والقرى اللبنانية، من بعلبك إلى جبيل، ومن أحياء بيروت الفقيرة إلى الأزقة السياحية في جونية وكسروان، ويُستخدم في نقل الأشخاص والبضائع والخدمات اللوجستية في ظل غياب حاد لشبكات النقل المشترك خارج نطاق العاصمة بيروت.
وفي ظل غياب بدائل، فإن إيقافه بشكل كامل يهدد بدفع آلاف العائلات نحو مزيد من الفقر والعجز عن تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم اليومية، لا سيما وأن بعض الجمعيات، مثل اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية (URDA)، كانت قد قدّمت “توك توك” كهبة في مشاريع دعم للأسر الأكثر حاجة، خاصة في منطقة بعلبك – الهرمل.
مخاطر مروريّة
من جهته، يُسلّط الخبير في السلامة المرورية ورئيس جمعية “اليازا ” زياد عقل الضوء على التهديدات الحقيقية المرتبطة باستخدام “التوك توك” بشكل غير منظم.
فهو، كما يؤكد عقل، ليس مصممًا وفق المعايير الحديدية أو التقنية التي تضمن سلامة الركاب والسائقين على الطرق العامة، خصوصاً السريعة منها.
وأشار عقل إلى أن “معالجة ملف السلامة المرورية لا يكون بهذا الشكل، و”التوك توك” وسيلة خطرة للنقل ظهرت مع اشتداد الأزمة الاقتصادية، وتكون خطرة جدًا في المناطق التي تستخدم فيه كوسيلة نقل عام كما يحصل تحديدًا في البقاع”.
وختم: “في الطرقات الدولية والعامة “التوك توك” خطر للغاية على السلامة المرورية، ويجب إيجاد الحلول السريعة لهذه المعضلة التي لا تقل أهمية عن مخاطر الدراجات النارية والشاحنات، وغيرها…”.
اتحاد النقل العام
على خطٍ آخر، شرح مصدر في النقل العام لـ “نداء الوطن” أن اتحاد النقل العام كان يطالب مرارًا بحد تواجد “التوك توك” وتنظيم هذا القطاع”.
أضاف: “التوك توك وجد في بعض المناطق للمضاربة على السائقين العموميين بطريقة غير شرعية، وهذا ما حذرنا منه مرارًا”.
بين الحل والحظر
بالمختصر، بدأت حكاية “التوك توك” بعد العام 2019، كخيار فرضته الأزمة المالية والشلل التام في المؤسسات اللبنانية، فاعتمدت الطبقات الأفقر على “التوك توك” كوسيلة غير مكلفة للعمل أو التنقل، فخلق قطاعاً واسعاً غير رسمي داخل الاقتصاد، وسرعان ما تمدّدت الظاهرة في مختلف المناطق، وأصبح “التوك توك” أداة توصيل في المدن، ووسيلة تنقل في القرى بشكل عمومي مخالف، فبات ينقل الطلاب إلى مدارسهم، ويؤمّن الخبز اليومي لعائلات قروية، وأداة توصيل أي Delivery لعدد كبير من المطاعم، ووسيلة لـ Trip سياحية في الأسواق التجارية، والمدن، وغيرها…
لكن هذا الحل “الاضطراري” تحوّل تدريجاً إلى أزمة نتيجة غياب أي تنظيم أو متابعة تشريعية واضحة من الدولة.
إن “التوك توك”، وإن لم يكن الحل المثالي، فهو انعكاس لواقع اقتصادي مرير لا يمكن تجاوزه بالمنع الأمني فقط. وأي حملة أمنية ستُعتبر مجرّد مسكّن موضعي لأزمة مزمنة تتطلب الكثير من التنظيم من قبل كل الوزارات المعنية، والأجهزة الأمنية، والسلطات المحلية…
ريشارد حرفوش ـ نداء الوطن
عادت أزمة الكهرباء في لبنان لتطلّ مجدداً على أبواب موسم الاصطياف، مترافقةً مع ارتفاع درجات الحرارة، جرّاء ما يتردد عن الفساد المستحكم في هذا القطاع وامتناع مصرف لبنان المركزي عن تمويل وزارة الطاقة لشراء الفيول، حيث دقّ رئيس لجنة الأشغال العامة والطاقة النائب سجيع عطية، جرس الإنذار، وأعلن أن لبنان “سيغرق في الظلام خلال أيام قليلة و هو ما استدعى تحركاً من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي اتصل بنظيره العراقي السوداني محمد شياع السوداني، الذي وعد بدرس إمكانية تزويد لبنان بالفيول خلال أسابيع.
ورفض النائب سجيع عطية، تحميل مصرف لبنان مسؤولية الأزمة المستجدة، وأكد في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن “تقصير مؤسسة كهرباء لبنان في تحصيل الفواتير هو السبب المباشر لها”، مشيراً في الوقت نفسه إلى “امتناع مؤسسات عن تسديد المستحقات المتوجبة عليها”. وكشف عن أن “مستثمري الأملاك البحرية العائدة إلى الدولة لم يلتزموا بما تعهدوا به أمام القضاء لجهة تسديد رسوم الأشغال وفواتير الكهرباء حتى تتوفر السيولة لوزارة المال لشراء الفيول، حيث إنهم دفعوا عن العام الماضي ما يقارب 30 في المئة من قيمة المتوجب عليهم، أما عن السنة الحالية فلم يسددوا شيئاً”. ولفت عطية إلى أنه “بعد الإعلان عن الأزمة المرتقبة طلب مستثمرو الأملاك البحرية العامة عقد اجتماع مع لجنة الأشغال الأسبوع المقبل لتقسيط المبالغ المتوجبة في ذمتهم، حتى لا يخسروا موسم الاصطياف خصوصاً في المسابح والمطاعم والمنتجعات”.
منذ مطلع العام الحالي، رفعت مؤسسة كهرباء لبنان التغذية بالتيار ما بين 6 و10 ساعات يومياً، وهو أمر مقبول مقارنةً مع السنوات السابقة التي كانت فيها التغذية شبه معدومة، بعد صرف سلفة الخزينة التي استحصلت عليها من المصرف المركزي لتسديد ثمن الفيول العراقي، وأفاد مصدر في مصرف لبنان بأن البنك المركزي “ملتزم ما تعهد به لجهة عدم تأمين سلفة جديدة للكهرباء، وأن تتكفّل المؤسسة بتحصيل الفواتير من المكلفين”. وذكر في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن المصرف المركزي “أعطى العام الماضي وزارة الطاقة سلفة أخيرة وتعهدت الوزارة بأن تعمد إلى جباية الفواتير من المستهلكين لشراء الفيول دون الحاجة للحصول على سلف إضافية”. وقال المصدر: “لا يمكن لمصرف لبنان أن يؤمِّن شراء الفيول من دون قانون، ولا يمكنه تمويل هذا القطاع بشكل دائم”.
ويتخوّف المواطنون من تراخي الدولة حيال هذا القطع الحيوي، وعدم تأمين الاحتياط اللازم من الفيول، في ظلّ المخاوف من حرب إسرائيلية وفرض حصار بحري على لبنان، مما يمنع إيصال هذه المادة الحيوية، التي قد تنقطع حتى عن المولدات الخاصة. وعزا مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة الدكتور غسان بيضون، الأزمة المستجدة إلى “غياب التمويل اللازم لتشغيل معامل الإنتاج واسترداد الأموال من الجباية”. ورأى في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن “أزمة الكهرباء بنيوية ويستحيل حلّها عبر الخطط التي قدمتها وزارة الطاقة ما دامت الوزارة ومؤسسة كهرباء لبنان عاجزتين عن السيطرة على الشبكة وحمايتها من التعديات والسرقة التي تقارب الـ60 في المئة، خصوصاً أن التعديات ازدادت مع القدرة الهائلة على خرق الشبكة والسرقة منها”.
ومع تراجع الوضع التقني والإداري والمالي في مؤسسة كهرباء لبنان، وغياب النيّة والإرادة على إصلاح هذا القطاع الذي يشكل العبء الأكبر على خزينة الدولة، رأى الدكتور غسان بيضون، أن الحل “لن يكون إلّا عبر لامركزية الإنتاج والتوزيع، وهذا نموذج معتمَد في كهرباء زحلة التي نجحت فيتأمين الكهرباء 24-24 رغم الثغرات القانونية التي تعتري عملها”. ورأى أن هذه الخطة “يمكن أن تتولاها البلديات كونها معنية بكل عمل يقع ضمن المنفعة العامة، وفي صلب مهامها مراقبة أداء المرافق العامة”. وقال بيضون: “لا حلّ إلّا بتدخل البلديات واتحادات البلديات كونها الأكثر تأهيلاً لفعل هذا الدور بالتعاون مع القطاع الخاص”، مذكِّراً بأن “أي مستثمر لبناني أو أجنبي لن يجرؤ على تمويل أي مشروع للكهرباء من خلال وزارة الطاقة أو مؤسسة كهرباء لبنان، إذ لا شيء يضمن له وقف السرقة والتعديات على الشبكة وعدم ضمان جباية الفواتير”.
وتُجمع آراء خبراء المال والاقتصاد، على أن نحو نصف الدين العام الذي يقارب 100 مليار دولار، ناجم عن تمويل الكهرباء، أي بنسبة 44 مليار دولار أميركي، من خلال الموازنات العامة وسلف خزينة من مصرف لبنان، وشدد الدكتور غسان بيضون، وهو أيضاً خبير في المعهد المالي لدراسات السوق، على أن “مصرف لبنان غير مسؤول عن أزمة الكهرباء، وهذه ذريعة تلجأ إليها دائماً وزارة الطاقة لتغطّي فشلها”، داعياً إياها إلى “الكفّ عن بيع الأوهام للناس”، لافتاً إلى أن “التعديلات التي وضعت السنة الماضية على رسوم الكهرباء غير عادلة، وباتت أقرب إلى الجزية لكونها مرتفعة جداً ولا تتناسب مع ساعات التغذية المتدنية جداً”.
المصدر الشرق الأوسط
من نحن
موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم