منطقة الجنوب الليطاني في لبنان ليست فقط منطقة جغرافية، بل هي سيرورة لتاريخ طويل من المعاناة والبطولة.
عانت هذه الأرض من الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المتكرر، ودفعت ثمناً باهظاً دفاعًا عن سيادة لبنان، ودعمًا للقضية الفلسطينية.
الانتخابات البلدية فيها ليست مجرد آلية ديمقراطية دورية، بل هي تعبير عن الإرادة السياسية المقاومة، وتجديد لعهد الانتماء الوطني.
وقد أتت انتخابات 2025 بعد مرحلة معقّدة:
• عدوانات إسرائيلية متكررة، كان آخرها قبل يومين من الانتخابات، حيث استهدفت الطائرات الإسرائيلية أكثر من 15 موقعًا في نواحي عدة من الجنوب ، في محاولة لإرهاب الناس ومنعهم من التوجه إلى صناديق الاقتراع.
• أزمات اقتصادية خانقة، حيث فقد الكثير من الناس بيوتهم أو مصادر رزقهم، وارتفعت نسب النزوح الجزئي من القرى إلى المدن أو خارج البلاد.
• تدمير واسع للبنية التحتية، طال الطرق والمباني والمدارس والمستشفيات.
• أزمات اجتماعية، مع وجود أكثر من ثلث السكان متأثرين بشكل مباشر بالدمار، ونصفهم يواجهون أضرارًا اجتماعية واقتصادية كبيرة.
رغم كل هذه التحديات، سجلت الانتخابات البلدية لعام 2025 مشاركة فعالة من قبل الأهالي، وشكّلت في مضمونها رسالة سياسية وطنية واضحة.
• شاركت لوائح “التنمية والوفاء” في 109 بلديات في منطقة جنوب الليطاني.
• فازت بالتزكية في 71 بلدية، مقارنة بـ35 فقط في عام 2016، ما يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة والتنمية ، والمشاركة الضمنية العالية في توحيد الرؤى والأهداف والوصول للمشتركات بخصوص الإدارات المحلية من خلفية وطنية جامعة متحسسة ضرورات الوحدة في هذه المرحلة.
• هذا التوسع يشمل بلديات كبرى، وليس فقط صغيرة أو متوسطة، وهو نتيجة إجماع شعبي على تثبيت خيار التنمية في بيئة المقاومة.
• حتى اللوائح أو المرشحين الذين ترشحوا بمواجهة لوائح المقاومة هم من بيئة المقاومة نفسها، يحملون إيمانًا عميقًا بخيار المقاومة ولكنهم يمتلكون رؤى مختلفة في إدارة التنمية المحلية، مما يعكس تنوعًا صحيًا داخل البيت الواحد.
اللافت أيضًا أن بعض القرى التي دُمرت بشكل شبه كامل، وكانت صناديق الاقتراع موضوعة في قرى بعيدة عنها، شهدت مشاركة حماسية من الأهالي، بما يدل على حجم الإرادة والتمسك بالأرض.
في المقابل، شهدت بعض القرى غيابًا كامل للانتخابات، نتيجة التهجير أو عدم القدرة على الوصول، والاقتراع في أماكن امنة ما يطرح سؤالًا مستقبليًا عن كيفية تمكين هذه الفئات من ممارسة حقوقها الديمقراطية في ظل الكوارث الناتجة عن العدوان المستمر.
من أهم الرسائل التي صدرت من الانتخابات هو التأكيد على أولوية الإعمار. الدمار طال بشكل مباشر أكثر من ثلث السكان، وأثر اجتماعيًا على ما يقارب النصف، ما يفرض على الدولة اللبنانية، وعلى الجهات السياسية والمجتمعية، تبني ورشة وطنية شاملة لإعادة البناء.
هذا يتطلب:
• إعادة بناء المنازل والمؤسسات العامةوالخاصة.
• دعم المشاريع الإنمائية والزراعية والاقتصادية الصغيرة.
• استنهاض سوق العمل وإعادة الحياة إلى الدورة الاقتصادية.
• توجيه تمويل مباشر إلى القرى المتضررة عبر الصناديق البلدية.
هذه الورشة يجب ألا تكون آنية، بل طويلة الأمد، لأنها جزء من معركة الصمود نفسها.
ولكي تتمكن البلديات من إدارة الملفات الثقيلة التي تنتظرها في مرحلة ما بعد الحرب. المطلوب هنا:
• إطلاق برامج دعم من الوزارات والمؤسسات المركزية.
• فتح دورات تدريب للكوادر المحلية.
• تمكين البلديات قانونيًا وماليًا لممارسة صلاحياتها بفعالية.
















