التعقيدات المحيطة بملف العلاقات بين لبنان وسورية لا تقتصر على عدم التوصل إلى اتفاق قضائي بين البلدين حتّى الآن، بل في التباين الواضح في نظرة المسؤولين اللبنانيين إلى كيفية إدارة هذا الملف. إذ يبدو الرئيس نواف سلام أكثر تفاعلًا معه، مقارنة برئيس الجمهورية جوزيف عون الذي لا يمانع التوصل إلى تفاهمات تسمح بإقامة علاقات جدية وندّية بين البلدين.
واللافت أن دمشق، التي تسعى إلى معالجة عدد من الملفات العالقة مع لبنان، تتصرف من موقع القوّة، إذ تقف الولايات المتحدة والسعودية إلى جانبها، وليس إلى جانب لبنان كما يعتقد بعض المسؤولين في بيروت.
وينعكس هذا أحيانًا في لغة التخاطب بين الوفود أثناء المحادثات، وصار واضحًا أن دمشق تربط عمليًا كلّ أشكال التعاون مع لبنان بإنجاز هذه الخطوة.
ولخصت مصادر مشاركة في المحادثات ما يحدث بالآتي:
أولًا، يبدو أن الرئيس سلام يتصرّف على أساس أن ملف العلاقات مع سورية بيده، وليس بيد رئيس الجمهورية. إذ كلف نائبه، الوزير طارق متري، الإشراف الكامل على هذا الملف، بما في ذلك التواصل مع القيادة السوريّة، وطلب منه التشاور الدائم مع الرئيس عون وإطلاعه على تفاصيل الملفات أولًا بأول، وهو ما يقوم به متري منذ أسابيع. كما كلفه سلام باستقبال أي مسؤول سوري يزور بيروت، والتنسيق مع جميع الوزارات اللبنانية المعنية بالعلاقات مع سورية، وأن يكون على اطلاع دائم على ما تقوم به القوى العسكرية والأمنية.
ثانيًا، تبلّغ لبنان من الجانبين السعودي والأميركي أن دمشق مصرّة على إنجاز ملف الموقوفين قبل الشروع في معالجة الملفات الأخرى. وسمع المسؤولون اللبنانيون هذا مباشرة أو عن طريق وسطاء. كما أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني صراحةً أمام متري أن معالجة ملف الموقوفين أولوية، وأن دمشق لا ترى أي صعوبات في معالجة بقية الأمور بعد ذلك.
ثالثًا: تقول دمشق إنها معنية بالإفراج عن 2600 سوري محتجزين في السجون اللبنانية، سواء كانوا محكومين أو موقوفين من دون محاكمة، على أن تتولى إدارة ملفاتهم الأمنية بعد وصولهم إلى العاصمة السورية. وبدأ لبنان منذ نحو شهرين القيام بـ”مبادرات حسن نية”، تمثلت في الإفراج عن أكثر من 120 سوريًا كانوا موقوفين من دون محاكمة، بعد التأكد قضائيًا من خلو ملفاتهم من أي قضايا خطيرة، ما سمح بإطلاق سراحهم وسفرهم إلى سورية.
رابعًا: تعتقد دمشق أنه لا يوجد أي سبب سياسي أو قانوني يمنع إنجاز المعاهدة القضائية بين البلدين. وقد ناقشت مسودة معاهدة قضائية مع الجانب اللبناني، تضمنت مواد مشابهة للوضع الحالي، وتم الاتفاق على اعتمادها كأساس للبحث. وترى سورية أن لبنان قادر على التوصل بسرعة إلى اتفاقية، ما لم يتحول الملف إلى مادة للتجاذب السياسي الداخلي.
خامسًا: بعد لقاءات عدة عقدت في بيروت ودمشق، أشار السوريون إلى تعديل أدخله وزير العدل اللبناني عادل نصار على المادّة العاشرة من مسودة الاتفاقية، حول التزام الحكومة السورية بتنفيذ الأحكام الصادرة بحق السوريين المدانين في لبنان، وأن يقضي هؤلاء بقية عقوبتهم في السجون السورية. إلا أن التعديل الذي أزعج دمشق، كان طلب نصار أن تلتزم الحكومة السورية بإبلاغ لبنان بأي تعديل أو إجراء جديد تتّخذه بحق أي من الذين سيسلمهم لبنان إلى دمشق.
إذ بدا الأمر بالنسبة إلى سلطات دمشق وكأنه تجاوز من لبنان للسيادة السورية. وأوضح مسؤولون سوريون (حظي كلامهم بتأييد لبناني)، أن الدولة السورية تمتلك كامل الحق بالتصرف مع الموقوفين بعد تسلمهم وفقًا للقوانين المعمول بها في سورية، مع تعهّد دمشق بمنعهم من العودة إلى لبنان، واتّخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تشكيلهم أي خطر عليه، وحق لبنان بمنعهم من دخول أراضيه.
سادسًا: لم يقدّم الجانب السوري أي طلب رسمي بخصوص موقوفين لبنانيين من أنصار الحكم الجديد في دمشق، وما جرى تداوله حول إثارة ملف الشيخ أحمد الأسير غير دقيق. وأشار الجانب السوري في جلسة جانبية إلى أن لبنان يجب أن يأخذ في الحسبان وجود موقوفين لبنانيين في سجونه، تم اعتقالهم على خلفية معارضتهم للنظام السوري السابق، وأن سقوط ذلك النظام يعني انتفاء السبب، مع نصيحة للبنان بإيجاد حل لهم.
على الصعيد العملي، يُراهن في بيروت على دور القاضي كلود غانم في معالجة الثغرات القانونية بعيدًا من البُعد السياسي، نظرًا إلى خبرته، خصوصًا في المحكمة العسكرية التي تدير الملف القانوني لغالبية الموقوفين والمحكومين السوريين. وتسعى دمشق في المقابل إلى فهم الأبعاد الشخصية والسياسية لموقف وزير العدل اللبناني، علمًا أن الأخير ينفي أي نية لعرقلة الاتفاقية.
ومع ذلك، أشار نصار أمام الجانب السوري مرات عدة إلى أن بيروت تريد مساعدة سورية في القبض على حبيب الشرتوني المطلوب قضائيًا في لبنان، وتقديم معلومات عن الكتائبي بطرس خوند المفقود منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وأكدت دمشق مرارًا أنها لا تملك أي معلومات عن الشخصين ولم تعثر على أي أثر لهما في أراضيها.
6227 سجينًا بينهم 2600 سوري
يبلغ مجموع السجناء في لبنان 6227 سجينًا من بينهم 3539 موقوفًا (نحو 57 بالمئة) و2654 محكومًا (نحو 43 بالمئة). بينهم نحو 2600 سجين سوري، يتوزعون على كلّ السجون والنظارات ومراكز إصلاح الأحداث. ونذكر أن غالبية السجناء السوريين (70 بالمئة) موقوفون ولم تصدر حتّى اليوم بحقهم أحكام نهائية عن القضاء اللبناني.
نحو نصف مجموع السجناء في لبنان موجود حاليًّا في سجن رومية (3385 سجينًا). ومن بين هؤلاء 1618 موقوفًا و1759 محكومًا. ويلي سجن رومية سجن القبة في طرابلس حيث يسجن 803 سجناء من بينهم 540 موقوفًا و263 محكومًا. سجن زحلة هو ثالث أكبر سجن في لبنان وفيه 648 سجينًا من بينهم 368 موقوفًا و280 محكومًا. أما باقي السجون، فهي صغيرة لا يزيد مجموع السجناء في كلّ منها على 150 سجينًا، معظمهم موقوفون.
إبراهيم الأمين – صحيفة الأخبار
أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، أن وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني استقبل في دمشق السفير اللبناني هنري قسطون الذي قدّم نسخة عن أوراق اعتماده تمهيداً لمباشرة مهامه سفيراً لجمهورية لبنان لدى سوريا.
الوكالة الوطنية للإعلام
قال وزير العدل عادل نصار إن “الأجواء كانت إيجابية في ما خص زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان”، حيث التقى الأخير رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام.
وذكر نصار أنه “نتيجة لتلك الأجواء، سيعقد اجتماع الأسبوع المقبل في بيروت بينه وبين نظيره السوري مظهر الويس لإستكمال المفاوضات وتسريع كامل الملفات التي تمت مناقشتها سابقاً بين الوفدين السوري واللبناني بشكل فعال”، وأضاف: “ترجمةً لذلك ستتكثف متابعة كافة الملفات والمعاملات ابتداء من الأسبوع المقبل”.
كذلك، أعلن نصار أن “الاجتماعات التي شارك بها في لقاءي
بعبدا والقصر الحكومي تطرقت الى موضوع الموقوفين والمساجين السوريين”، مشيراً إلى أنه “كان هناك إصرار من قبله على ايداع القضاء اللبناني كافة المعلومات المتوفرة والمتعلقة بالاغتيالات التي ارتكبت في عهد النظام السابق والارتكابات والاعمال الأمنية، وملف المخفيين قسراً”.
وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى واشنطن اليوم الخميس، في أول زيارة رسمية لمسؤول بهذا المستوى منذ أكثر من 25 عاماً، في الوقت الذي تبذل فيه الولايات المتحدة جهوداً سياسية مؤيّدة لدمشق وترفع العقوبات وتتوسّط بين الإدارة الجديدة و”إسرائيل”.
ونقل موقع “أكسيوس” في وقت سابق عن السناتور الأميركي لينزي غراهام قوله إن الشيباني سيجتمع خلال الزيارة مع مشرّعين أميركيين لمناقشة رفع العقوبات الأميركية المتبقية على بلاده.
وتأتي الزيارة في وقت جرى فيه تسريح بعض من أكبر الدبلوماسيين الأميركيين المعنيين بسوريا بشكل مفاجئ، فيما تسعى واشنطن إلى دمج حلفائها الأكراد في سوريا مع الإدارة المركزية في دمشق تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع.
وأوضح الموقع أن وزير الخارجية السوري سيناقش في واشنطن المفاوضات مع “إسرائيل” بشأن صفقة أمنية جديدة.
وتتوسّط الولايات المتحدة أيضاً بين “إسرائيل” وسوريا. وقال الشرع، الذي من المقرّر أن يزور نيويورك الأسبوع المقبل لحضور انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن المفاوضات الرامية للتوصّل إلى اتفاق أمني مع “إسرائيل” قد تسفر عن نتائج في الأيام المقبلة.
وتعدّ هذه الزيارة هي الأولى لوزير خارجية سوري إلى واشنطن منذ أكثر من 25 عاماً.
وصرح غراهام، النائب الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، لموقع “أكسيوس” بأنه يتوقّع لقاء الشيباني يوم الخميس مع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ لمناقشة الرفع الدائم لعقوبات “قيصر”.
وقال غراهام إنه، لدعم هذه الخطوة، يريد أن يرى سوريا تنضم رسمياً إلى التحالف ضد “داعش” وتتحرك نحو اتفاقية أمنية جديدة مع إسرائيل.
وقانون “قيصر” هو قانون أميركي دخل حيز التنفيذ في حزيران/يونيو 2020، واستهدف نظام الأسد وأي جهة تتعامل معه، ولا سيما في قطاعات مثل الطاقة والبناء والتمويل.
وأصدرت إدارة ترامب إعفاءات موقتة من هذه العقوبات، لكن الكونغرس وحده يملك حق التصويت على إلغائها.
ومن المتوقع أن يلتقي الشيباني، يوم الجمعة، وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في واشنطن لإجراء مباحثات.
وأفاد موقع أكسيوس الإخباري، في وقت سابق الخميس، بأن المباحثات الإسرائيلية-السورية بشأن اتفاقية أمنية بين البلدين تحرز تقدماً.
وأوضح الموقع أن الاجتماع، الذي جمع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي توم براك في لندن الأربعاء استمر خمس ساعات.
وأشار إلى أن الجانب السوري قدّم رده على المقترح الإسرائيلي لاتفاقية أمنية، فيما نقل عن مصدر مطلع تأكيده إحراز تقدم خلال المحادثات في لندن نحو اتفاق محتمل.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد صرح، الأربعاء، بأن المحادثات الأمنية بين سوريا و”إسرائيل” قد تؤدي إلى نتائج خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أنّ الاتفاقية الأمنية بين البلدين ضرورية، لكنها يجب أن تحترم المجال الجوي السوري ووحدة أراضيه، وأن تخضع لرقابة الأمم المتحدة.
وأضاف الشرع أن “نجاح الاتفاق الأمني مع “إسرائيل” قد يفتح الباب أمام اتفاقيات أخرى”، مشدداً في الوقت ذاته على أن “السلام والتطبيع مع “إسرائيل” ليسا مطروحين على الطاولة في الوقت الراهن”.
طريقة تقسيم الجنوب السوري
بحسب “أكسيوس”، فإن طريقة تقسيم الجنوب السوري إلى ثلاثة مستويات أمنيّة تحاكي اتفاقية كامب ديفيد الموقّعة بين إسرائيل ومصر عام 1979.
وبحسب الخطّة الإسرائيلية تقوم “إسرائيل” بقضم مناطق إضافية من الأراضي السورية عبر توسيع المنطقة العازلة، التي جرى تحديدها بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار الموقّعة بين دمشق وتل أبيب، عام 1974، بعمق كيلومترين.
في المستوى الثاني، تمنع الخطّة السلطات السورية من إدخال أيّ آليّات عسكرية ثقيلة إلى الجنوب.
في المستوى الثالث، يُحظر تحليق أيّ طائرات عسكرية سورية جنوبي البلاد، انطلاقاً من جنوب غربي العاصمة دمشق وصولاً إلى المنطقة العازلة.
تحتفظ “إسرائيل” ببعض المناطق التي احتلّتها عقب سقوط النظام السابق بما فيها وجودها العسكري في قمّة جبل الشيخ الاستراتيجية.
تتضمّن الاتفاقية بنداً إضافياً يمنح “إسرائيل” حرّية تامّة في الأجواء السورية عبر الحفاظ على ممرّ جوّي مفتوح إلى إيران عبر سوريا، ما يسمح بتنفيذ ضربات إسرائيلية محتملة مستقبلاً.
وذكر الموقع أن السلطات الانتقالية السورية لم تردّ عليها حتى الآن، بالتزامن مع عملها على إعداد خطّة مضادّة.
النهار


















