كتبت صحيفة “البناء”: دخلت واشنطن وتل أبيب مرحلة إدارة الهزيمة الانتخابية، بعدما انتقل الرهان من منع خسارة الأكثرية إلى محاولات للتأقلم والسعي إلى احتواء تداعياتها على القيادة والقرار. ففي أميركا، سلّم الرئيس دونالد ترامب بنتائج الانتخابات، وبدأ الحزب الجمهوري مواجهة أسئلة المسؤولية والقيادة المقبلة، بينما ظهر التباين داخل الإدارة بين مراجعة الحرب التي طرحها نائبه جي دي فانس، وتمسّك الرئيس بالدفاع عن قرار خوضها. وفي “إسرائيل”، انتقلت معركة بنيامين نتنياهو إلى انتظار تعثّر خصمه غادي آيزنكوت في تشكيل الحكومة، بعدما اتسعت دائرة التوصيات المؤيدة لتكليفه، وبدأت تتشكل إمكانية استخدام الأكثرية المعارضة لفتح مسار تغيير داخل الكنيست.
يواجه ترامب معادلة سياسية فرضتها صناديق الاقتراع جوهرها الاعتراف بكلفة الحرب من دون التخلي عن رواية ضرورتها. فقد وصف تشخيص فانس لمسؤولية الحرب عن الخسارة بأنه صحيح إلى حد كبير، وربط النتيجة بارتفاع أسعار الوقود، لكنه أكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً. ويتيح هذا الموقف قراءة سلوك الرئيس بوصفه محاولة للموازنة بين ضغط المراجعة الذي عبّر عنه نائبه، وخيار الحرب الذي دافع عنه فريقه العسكري بقيادة وزير الدفاع بيت هيغسيث، مع الاحتفاظ لنفسه بقرار الانتقال نحو التسوية أو التصعيد.
وفي تطوّر بارز على مسار التنسيق الروسي الإيراني، استقبل الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين، الخميس، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي سلّمه رسالة من المرشد مجتبى خامنئي، بحضور مستشار الرئيس الروسي يوري أوشاكوف ورئيس الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف. وأعلن رضائي أن المباحثات تناولت إنهاء الحرب والترتيبات الأمنية الإقليمية ومرحلة ما بعدها، وأن بوتين أكد استعداده لتقديم المساعدة لإنهائها. كما أطلع الرئيس الروسي على تفاصيل الاجتماع الذي عقدته طهران مع تركيا وباكستان والسعودية. وشملت المحادثات أيضاً مشروع نقل الغاز الروسي إلى إيران لتلبية احتياجاتها وإتاحة تصديره إلى دول الجوار، وتسريع مشروع سكة رشت – آستارا، بعدما وافق المجلس الأعلى للأمن القومي على اتفاقه التنفيذي تمهيداً لتوقيعه. وعقب اللقاء، جدّد رضائي ربط فتح مضيق هرمز واستئناف التفاوض بتنفيذ واشنطن الشروط الإيرانية السبعة، موضحاً أن زيارته كانت مقررة منذ نحو شهر وتأجلت بسبب التطورات العسكرية الإقليمية.
وفي “إسرائيل”، تقدّم آيزنكوت في معركة التكليف بعد توصية «القائمة المشتركة» الرسمية به، وانضمامها إلى «راعم» وأحزاب المعارضة، لترتفع حصيلة التوصيات المرتقبة مع اكتمال المشاورات إلى 67 نائباً، مقابل 46 لنتنياهو، وامتناع نواب «يهدوت هتوراة» السبعة. وأكدت «المشتركة» أن قرارها يستجيب لمطلب منع عودة نتنياهو وحكومته، ويهدف إلى توسيع الفارق بين المرشحين وتضييق فرص استخدام حكومة وحدة لإبقائه في السلطة.
وتمنح هذه المعادلة آيزنكوت أفضلية واضحة للحصول على التكليف، وتنقل الاختبار إلى قدرته على تحويل الأكثرية الرافضة لنتنياهو إلى تفاهمات للحكم. وهنا يتقدم احتمال حكومة الأقلية، عبر دعمها من خارجها أو امتناع كتل عن معارضتها، بالتوازي مع استخدام مهلة التأليف لبناء التعاون داخل الكنيست. وقد سبق أن نُشرت معلومات عن بحث صيغة تقوم على امتناع «راعم» و«يهدوت هتوراة»، بما يتيح تفوق مؤيدي الحكومة على معارضيها. ويعزّز توسيع التوصيات مساحة التفاوض حول هذه الصيغ، فيما يبقى رهان نتنياهو معقوداً على تناقضات المعسكر المقابل وفشله في الاتفاق.
ويصبح الكنيست ساحة الاختبار الأولى لجدية التغيير، من انتخاب رئاسته إلى تشكيل لجانه وترجمة التفاهمات السياسية إلى تصويت منظّم. فكل نجاح في جمع المعارضة على خطوة مؤسسية يضيّق قدرة نتنياهو على استثمار الوقت، ويمنح آيزنكوت فرصة لإثبات أن التعاون ممكن قبل إنجاز الحكومة. ومن هنا تكتسب الأصوات العربيّة وزناً يتجاوز التوصية بالتكليف إلى التأثير في اتجاه المؤسسة التشريعية ومصير السلطة التنفيذية.
اقتصادياً، عادت أزمة الأسهم الأميركية إلى الواجهة، بعدما بدّدت موجة بيع حادة جانباً من انتعاش ما بعد الانتخابات. وخلال تداولات الخميس، عند الساعة السابعة وأربع وعشرين دقيقة مساءً بتوقيت بيروت، تراجع ناسداك المركّب 4.55%، وستاندرد آند بورز 500 بنسبة 3.41%، وداو جونز 2.63%، بينما اقترب هبوط مؤشر أشباه الموصلات من عشرة في المئة. وتعرّضت شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي لضغوط تداخلت فيها نتائج الأعمال والقلق من الإنفاق الضخم واحتمال تشديد الرقابة على توسّع القطاع.
وتكشف العودة السريعة للبيع حدوداً ضيقة لنتائج الارتياح السياسي لتراجع خطر الحرب الذي تلقاه سعر النفط، أمام معضلة الكلفة والعائد. فمراكز البيانات تحتاج إلى تمويل وتجهيز وطاقة تُدفع أثمانها اليوم، بينما يبقى جزء من العائدات المنتظرة مؤجلاً. وتزيد الفائدة المرتفعة كلفة الاقتراض، فيما لم يتحوّل انخفاض النفط بعد إلى استقرار طويل الأمد في كلفة الطاقة. ووفق هذه القراءة، يحتاج التعافي إلى تحسّن شروط التمويل والتدفقات النقدية، وإثبات قدرة الاستثمارات على تغطية كلفتها؛ وإلا اتسعت الضغوط إلى مورّدي المعدات والبناء والطاقة والجهات المموّلة.
وفي الإقليم، فتح توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي السعودية السورية خلال زيارة أحمد الشرع إلى الرياض باب التساؤل عن انتقال دمشق نحو المشاركة في حرب اليمن. فقد أعلن البيان السعودي توقيع الاتفاقية، وتناول أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وهرمز، بينما ضم الوفد السوري وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس الاستخبارات عبد القادر طحان. ولم تُنشر بنود الاتفاقية، التي جاءت بعد تقارير عن مناقشة مساعدة عسكرية سورية للسعودية. وتطرح هذه الخطوة معادلة محتملة لتبادل المصالح: دمشق تحتاج إلى التمويل السعوديّ، والرياض تبحث عن قوة قتالية برية تساعدها على تغيير الموازين في اليمن. وكانت تقارير سابقة قد عرضت خيارَي تقديم دعم دفاعي داخل السعودية أو مشاركة هجوميّة إلى جانب القوات اليمنية المدعومة منها، مع نفي مستشار الشرع الإعلامي آنذاك أن تكون الرياض طلبت إرسال قوات للقتال. لذلك تفتح الاتفاقية إطاراً للتعاون العسكري، ويظل نطاق استخدامه في اليمن السؤال السياسي الأهم.
بقيت الأوساط السياسية في حالة ترقب لكيفية انعكاس نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على المسارات العسكرية والتفاوضية في المنطقة والحروب المتفرعة منها، وسط تحرك أكثر من مرجع رئاسي باتجاه عواصم العالم الغربية والعربية، وفق معلومات «البناء» لتقصي تداعيات الزلزال الانتخابي والسياسي الأميركي وتداعياته على ملفات الحرب والسياسة، وما إذا كان لبنان سيبقى أولوية خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس دونالد ترامب، غير أن الإجابات الأولية التي وصلت من مسؤولين غربيين وعرب لم تكن واضحة وزادت الغموض أكثر. وفي سياق ذلك، نقل وزير سابق وبارز عن وزيرٍ حالي عاد من زيارة لأكثر من دولة عربية وغربية أن الغموض سيد الموقف من مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية والوضع الداخلي اللبناني في ظل الحديث عن حرب عسكرية جديدة أميركية – إسرائيلية على إيران.
ووفق مصادر دبلوماسية فإن السياسة الخارجية الأميركية في لبنان والمنطقة لن تشهد تغييراً كبيراً خلال الشهرين المقبلين طالما أن ترامب والحزب الجمهوري لا يزالان يملكان الأكثرية في الكونغرس، الأمر الذي سيفرض حالة من الستاتيكو في الملفات حتى تسلم الكونغرس الجديد رسمياً ودستورياً. ولفتت المصادر لـ “البناء” إلى أن الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران ولبنان مستمرة، مع احتمال تصعيد إسرائيلي عسكري في الجنوب وتجميد المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية وفرملة مفاعيل اتفاق واشنطن حتى إشعار آخر. فيما توقفت أوساط سياسية عبر “البناء” عند ما ذكرته صحيفة “إندبندنت” البريطانية عن تقارير تتحدث عن أن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يستعد للاستقالة من إدارة دونالد ترامب، بهدف خوض سباق الترشّح عن الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية لعام 2028، الأمر الذي سيُسقِط اتفاق الإطار نهائياً لكون روبيو هو عرّاب الاتفاق بين لبنان و”إسرائيل”، ويصدر التوجيهات لرئيسي الجمهورية والحكومة وللسلطة. كما ينقل مطلعون لـ “البناء” أنّ القوى السياسية والإعلامية التي تدور في الفلك الأميركي والسعودي عبّرت عن إحباطها من نتائج الانتخابات الأميركية، وأبدت خشيتها من انعكاس فشل حزب ترامب الجمهوري على الملف اللبناني، لجهة الضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله واتفاق الإطار وضرب إيران عسكرياً وتشديد العقوبات المالية على الحزب وإيران.
وفي تطوّر يندرج في إطار تشديد الضغوط الدولية على لبنان، أصدرت سفارات الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا واليابان بياناً مشتركاً أكدت فيه دعمها القوي للحكومة اللبنانية في جهودها. وأشارت السفارات الخمس إلى أنها تأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في قضية ضهر البيدر، داعيةً إلى مسار قضائي سريع ومستقل، بعيداً عن أيّ تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة. وشدّد البيان على ضرورة الحصول على التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب والأحزاب السياسية، يؤكدون فيه دعمهم لمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بشأن حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. وجدّدت السفارات تأكيد رغبتها في استعادة الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية والكاملة على جميع أراضيها.
واستغرب النائب قاسم هاشم صدور مثل هذا البيان عن سفارات أجنبية، معتبراً أنه “تدخل سافر في الشؤون الداخلية اللبنانية، وكأنَّنا دخلنا في مرحلة انتداب ووصاية على وطننا ومؤسَّساته الدستوريّة ومكوّناته السياسيّة”. ورأى أنَّ “ما صدر يستدعي التعاطي معه بجديّة والانتباه للآتي من الأيام ولا يجوز أن يمرّ ما صدر وكأنَّه أمر طبيعيّ اعتدنا عليه وإنَّنا ننتظر إجابات دقيقة وسريعة”.
على صعيد آخر، باشرت قاضية التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان تحقيقاتها في ملف متفجرات ضهر البيدر، فاستجوبت أمس الموقوفين علي الكردي وهيثم أمهز، بحضور وكيلهما المحامي معن الأسعد. وفي نهاية الجلسة، أصدرت مذكرتَي توقيف وجاهيتين بحقهما. وقدّم المحامي الأسعد، بصفته وكيلاً قانونياً عن المدعى عليهم الستة غير الموقوفين، مذكرة دفوع شكلية، ما استدعى تأخير استجوابهم. فأرجأت القاضية أبو علوان الجلسة إلى السابع عشر من الشهر الحالي، ريثما تطّلع النيابة العامة العسكرية على الدفوع وتبدي رأيها، ومن ثم تتخذ قاضي التحقيق قراراً بشأنها وتستأنف تحقيقاتها في الملف.
وعلمت “البناء” من مصادر مطلعة أنّ اتصالات سياسية تجري بين الرؤساء لاحتواء أزمة شحنة ضهر البيدر، وإيجاد مخرج يُرسي التهدئة وتجنّب الصدام السياسي والأمني والقضائي، ويقضي الحلّ بعدم إحالة القضية على المجلس العدلي، وترك القضية تأخذ مجراها في القضاء العسكري. ووفق المعلومات فإن رئيس الجمهورية لا يفضل إحالتها على القضاء العدلي لكون القضاء العسكري أسرع وأفعل، وطالما أنّ مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم ادّعى على موقوفين. ولفتت المعلومات إلى أنّ رئيس الجمهورية ممتعض ومنزعج من موقف حزب القوات اللبنانية في مجلس الوزراء وسعيه لتعطيل أدائه وبالتالي عرقلة مسيرة العهد.
وأكدت كتلة الوفاء للمقاومة على ضرورة وقف السجال الاتهامي والإعلامي وإفساح المجال أمام المعالجات الوطنية الحكيمة، وتسجل استنكارها وإدانتها لكل المواقف السياسية التي تنكرت لحق اللبنانيين المقدس في الدفاع عن وطنهم ومقاومة العدو، وتجاوزت منطق الدستور والمسلّمات القانونية الوطنيّة، مشيدة بالمواقف الموضوعية التي تعاطت بروحٍ وطنيّة مسؤولة مع هذه القضيّة.
وأضافت الكتلة في مجال آخر: يستمر العدو الصهيوني في ممارسة إجرامه الموصوف تدميراً وحرقاً ونسفاً للقرى والممتلكات في جنوب لبنان، ويهدد بتوسيع عدوانه داخل الأراضي اللبنانية لضم مناطق جديدة إلى دائرة احتلاله، وترتفع حمى التهديدات بتصعيد الحرب والضربات والاغتيالات ضد المقاومة وقادتها. فإنّ كل ذلك يجري فيما تواصل السلطة أداءها اللامبالي البارد، وسلوكها الكارثي في إصرارها على مواصلة نهج التفاوض المباشر حول تفاصيل بنود الإطار المشؤوم، الذي ثبت للجميع أنه لم يجلب إلا الكوارث والمزيد من الخراب والدمار في لبنان. وجدّدت دعوة السلطة إلى مراجعة حساباتها وإجراء تقويم دقيق لخيارها التفاوضي وما جرّه على لبنان من خسائر وتداعيات خطيرة، وتطالبها بالتوقف عن المكابرة لحفظ ما تبقى من وحدة وكرامة وطنيّة.
إلى ذلك، طلب رئيس الجمهورية من المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج التشدّد في ملاحقة مرتكبي جرائم الغش والاتجار بالأدوية والمأكولات واللحوم الفاسدة، والتنسيق مع الوزارات والإدارات المختصة لضمان سلامة الغذاء والدواء. وبحث عون مع حاكم مصرف لبنان في السياسة النقدية ومشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع والتحضيرات لاستعادة الثقة الدولية بالقطاع المصرفي.
ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الصهيونية على عدد من القرى اللبنانية، حيث استهدف القصف المدفعي أطراف بلدة برعشيت ووادي السلوقي ووادي زبقين وبلدة حداثا والمنصوري، إضافة إلى محيط النبطية الفوقا.
وفي الاعتداءات الجوية، ألقت محلّقة العدو قنبلة صوتية قرب مسجد العامرية، فيما ألقت محلّقة أخرى قنبلة مماثلة في الجهة الجنوبية لبلدة كفرشوبا.
سُجّل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة حولا، بالتزامن مع تحرّك لآليات عسكرية “إسرائيلية” في بلدة طلوسة، فيما تقدّمت قوة مؤلّلة باتجاه وادي شبعا في قضاء حاصبيا، بالتزامن مع مواصلة جرافات العدو أعمال شقّ الطريق باتجاه الوادي. كما نفّذ جيش العدو تفجيراً في بلدة القنطرة، واستهدف قصف مدفعي صهيوني محيط بلدة النبطية الفوقا.
المصدر : الوكالة الوطنية للاعلام
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




