إذا كانت تصريحات “العقيدة النووية” جزءاً من أوراق الضغط الدولي الناتج عن الانسداد السياسي والدبلوماسي؛ فإنّ مضيق هرمز ظلّ طوال الأشهر الماضية الورقة الأثقل في يد طهران وما زالت فاعلة، فلماذا إذاً تلوّح بأوراق ضغط جديدة؟
المنطقة تتجه إلى الإدارة الناعمة لساعات ما قبل الضربة الخاطفة
حتى لو كانت عقارب ساعة الصفر مؤقتةً وفق روزنامة انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري؛ فإنّ طبول الحرب ما زالت تعلو وتخفت بين مرحلة مساعٍ غير مسبوقة تترجمها مواكب الدبلوماسية الأمنية لدول المنطقة التي ما تفتأ تحجّ إلى طهران، وبين نشاط وتحشيد عسكريّين يملآن الأجواء والتخندقات البرية والبحرية، في مشهد يعكس قناعة الأطراف مجتمعةً بأنّ الدبلوماسية بدأت تستنفد أوراقها.
ولعلّ قنبلة “مراجعة العقيدة النووية باتت مطلباً شعبياً ووطنياً” التي فجرها إمام جمعة طهران خير دليل على أنّ الوصول إلى (الحافة الصفرية) من الحرب اكتملت أركانه بتغيّر قواعد الاشتباك، وبخاصة بعد توجيه قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي للقوات المسلحة “أن يُواجَه كل مستوى من مستويات التهديد، أيًّا كان نوعه، بردّ فوري وفاعل، ومن دون أي قيود جغرافية”، فضلاً عن “تحديث بنك الأهداف الإيرانية في استهداف المصالح والمواقع الأميركية- الإسرائيلية في المنطقة”، وهذا يعني أنّ القيادة العليا للجمهورية الإسلامية والمتمثلة بالمرشد الأعلى وضعت خلال الساعات الماضية خيارات المواجهة على الطاولة، وتركت القرار لمن يملكه ميدانياً.
وعلى ما يبدو، فإنّ هذه التحركات والخطابات ليست معزولة عن سياق أوسع؛ فقد دعا عدد من النواب ورجال الدين الإيرانيين إلى تغيير العقيدة النووية بوصفها أحد متطلبات الثأر لاستشهاد السيد علي خامنئي، تعززها مطالب شعبية وثّقتها عيّنات ملايين الإيرانيين في استبانات محلية كشفتها منابر الجمعة وأحاديث بعضٍ من القادة السياسيين، وهي نتائج تنقل تطورات الساعة من حسابات الردع الباردة إلى منطق استئصال الغُدد السرطانية في المنطقة.
وفي قبال هذا التصعيد المدروس؛ ما زال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يُصر على أنّ بلاده لا تسعى إلى سلاح نووي، مُستنداً إلى فتوى القائد الشهيد السيد علي خامنئي التي تحرّم تطوير هذا السلاح، وأنّ “ما يُروَّج خلاف ذلك ليس إلا دعاية مسيّسة”، وهذا يعني إما أنْ يكون الرئيس بزشكيان خارج منظومة الثقة لدى قائد الثورة الإسلامية -وأنا أستبعد ذلك- أو أنّ ما يحصل هو صفحة هامّة من تبادل الأدوار في دولة يُضرب بها المثل عالمياً بأنّها دولة مؤسسات مترابطة.
وإذا كانت تصريحات “العقيدة النووية” جزءاً من أوراق الضغط الدولي الناتج عن الانسداد السياسي والدبلوماسي؛ فإنّ مضيق هرمز ظلّ طوال الأشهر الماضية الورقة الأثقل في يد طهران وما زالت فاعلة، فلماذا إذاً تلوّح بأوراق ضغط جديدة مثل استهداف كابلات الإنترنت، وتغيير العقيدة النووية، وليس آخرها التوجيهات التي أصدرها السيد مجتبى خامنئي لكبار القادة في القوات المسلحة الإيرانية؟
هنا؛ تتكامل قصة ترتيب الداخل الإيراني مع ما يُعدّ له في واشنطن و”تل أبيب”، فقد نقلت “وول ستريت جورنال” أنّ الرئيس الأميركي ترامب أبلغ مساعديه أنّه يتوقع استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، فيما قال تقرير آخر إنّه تحدث علناً عن عدم استئناف القصف قبل الاقتراع.
أما “نيويورك تايمز” و”فايننشال تايمز”، فنقلتا عن مسؤولين أميركيين أنّ الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لضربات جديدة تستهدف منشآت الطاقة والمواقع النووية ومخازن الصواريخ والمسيّرات، وأنّهما اقتربتا من التنفيذ في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، فضلاً عن أنّ صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت أنّ “إسرائيل” قدمت إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قائمة بأهداف إيرانية استناداً إلى معلومات استخبارية، في وقت نشطت تحركات على الأرض، من قبيل هبوط أكثر من عشر طائرات شحن عسكرية أميركية في قاعدتي “نيفاتيم” و”عوفدا” جنوب “إسرائيل” وسُرّب أنّها تحمل صواريخ اعتراضية ومنظومات دفاع جوي، وهو هبوط تزامن مع خلافات حادّة في الداخل الإسرائيلي بعد انتخابات الكنيست، إذ ما زال نتنياهو يسعى إلى أنْ يتولى صلاحيات الحرب بوصفه رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، حتى وإنْ لم تُحسم تشكيلة الحكومة الجديدة.
ولا تقتصر الحسابات على ساحة الحرب فحسب، فقد أبلغت واشنطن عدداً من الدول الخليجية بالاستعداد لحملة قصيرة ومكثفة بعد الانتخابات، وهي الدول التي تستضيف القواعد وتملك منشآت الطاقة والتحلية التي قد تكون أول ما يُستهدف بالرد الإيراني، وهو ما يُعزز التسريبات التي تحدثت عن أنّ الأيام القليلة الماضية شهدت إعادة انتشار للقوات الأميركية في المنطقة وتحديداً في دول الخليج.
أما العراق، فهو الأقرب إلى الحدث وأكثرهم هشاشة أمام تداعياته وشرر المعركة، وعليه أنْ يُعيد حساباته عاجلاً، وبخاصة بعد التسريبات التي أكدت أنّ إيميلات أو رسالة وصلت إلى رئيس الوزراء علي الزيدي من واشنطن تحمل (ألغاماً) لا تقلّ خطورة عن الحرب المعلنة؛ إذ تتضمن إحدى نقاط الرسالة؛ أنّ واشنطن تدرس الدخول البري إلى الجمهورية الإسلامية من خلال العراق، يسبقها بنقطة أو اثنتين إقحام الحكومة في مواجهة مباشرة مع الفصائل من خلال سلسلة من الاقتحامات والاعتقالات وإلا؛ سيُغلق (كاك) الدولارات وعندها يهيج الشارع، وهذا ما رفضته قوى الإطار التنسيقي وبعضٌ من شركائها في ائتلاف إدارة الدولة، ولأنّ الداخل العراقي لا يمرّ فيه قرار حدودي من دون اشتباك سياسي؛ فقد نُفّذت إحدى فقرات تلك الرسالة في الحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي بإغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران أمام الأفراد والبضائع إلى إشعار آخر، وتقرر الإبقاء على منفذين فقط.
ولهذه التحركات ضريبة قاسية، قاسمتها بالضرر اشتعالُ سوق الطاقة العالمي الذي أشعل معه الغلاء المعيشي وفقدان القيمة الحقيقية لدخل الفرد العراقي، وبخاصة بعد فشل الحلّ الحكومي برفع سعر الصرف المحلي للدولار الذي لم يجنِ منه المواطن إلا الخسران، وإزاء ذلك كله ماذا سيفعل العراق إنْ ضُغط على الزناد وأصبحت سماؤه وأرضه مُستباحتَين؟
وبالعودة إلى “العقيدة النووية الإيرانية” وعلى مستوى الأسئلة الكبرى؛ فإنّ أخطر ما يُمكن أنْ يتكرس اليوم؛ هو انطباع بأنّ معاهدة منع الانتشار لا تحمي من التزم بها ولا تردع من خرج منها.
وعلى الأوروبيين والوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة أنْ يقدموا عرضاً يتجاوز المطلب الأحادي من الجمهورية الإسلامية، أي؛ مساراً صارماً للتعامل بالمثل يقابله رفع تدريجي للحصار والإفراج عن الأموال، وضمانات أمنية قد تجعل الاحتماء بالاتفاق أكثر جاذبية من الاحتماء بالفتوى الثورية أو بالقنبلة النووية -وأنا أستبعد ذلك- بحسب التجربة وعجلة التاريخ.
وهذا يعني أنّ المنطقة تتجه إلى الإدارة الناعمة لساعات ما قبل الضربة الخاطفة التي تضع الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري “ساعة الصفر” لمآلات ما يُطبخ حالياً في غرف صُنع القرار وسوح تلقيم الذخائر، لذا؛ فنحن نعيش ساعات الإعلان عن انهيار الهدنة غير المعلنة بين أطراف الحرب، وبخاصة أنّ منبر الجمعة في إيران وتوجيه قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي لم يُعلنا عن قنبلة نووية لكنهما أعلنا ضمناً أنّ الخيار أصبح قابلاً للتداول، وأنّ الحرب التي أُريد بها منع هذا الخيار هي التي ستُغذيه، وأنّ ما يفصلنا عن الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر هو نافذة قصيرة لتقديم صفقة ممكنة قبل أنْ تتحول الاحتمالات إلى وقائع لا تُبقي ولا تذر، لذا أقول: إنّ “القنبلة النووية الإسلامية” التي تخشاها قوى الاستكبار العالمي قد تُولد نتيجةً لرعونتهم وغطرستهم، وإنّ من يُطفئ نارها الساحقة الماحقة لن يَخسر مكانته في سطور التاريخ، بل سيصونها.
محمد الخزاعي ـ الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




