انتهت زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى طرابلس، وعادت المدينة إلى يومياتها المُثقلة بالفقر والبطالة والإهمال، بعدما شهدت استنفاراً غير مسبوق لتنظيف الشوارع وغسل جدران المؤسسات وتزيين الطرقات التي سلكها الموكب الرئاسي، فيما بقي خلف هذا المشهد الاحتفالي، السؤال الأهم: ماذا حمل الرئيس إلى عاصمة لبنان الاقتصادية، وماذا تغيّر فيها بعد مغادرته؟
في الشكل، بدت الزيارة مناسبة بروتوكولية لإظهار حضور الدولة وهيبتها. أمّا في المضمون، فلم تتضمّن، وفق البرنامج والمواقف المُعلنة، تدشين مشروع إنمائي جديد، أو وضع حجر أساس، أو إعلان اعتمادات مالية وجداول زمنية لمشاريع تنتظرها المدينة منذ عقود. واقتصرت على جولة في مؤسسات ومرافق يعرف الطرابلسيون إمكاناتها المُعطّلة، وخطاب أعاد إلى مسامعهم وعوداً طال انتظار ترجمتها.
ولعلّ أكثر ما استوقف المتابعين تواضع الاستقبال الشعبي قياساً بحجم الاستعدادات والرهان على الحشد، رغم التجمّعات التي شهدتها بعض محطات الجولة. وأعاد المشهد إلى الأذهان سجالاً أثارته زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس، حين قال أحد النواب إن رئيس الجمهورية اللبنانية، لو زار المدينة، لما حظي باستقبال مماثل لاستقبال الوزير السوري. يومها، أُخرج كلام النائب من سياقه، وأثار موجة من الاتهامات والتأويلات. لكن زيارة عون أعادت فتح النقاش، بعدما بدا التفاوت بين المشهدين لافتاً.
والمسألة هنا لا تتصل بشخص الرئيس أو الوزير السوري، بقدر ما تعكس علاقة مدينة بدولة عجزت، على مدى عقود، عن تأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش الكريم لأهلها.
لكنّ المفارقة الأبرز جاءت في كلمة الرئيس عون، حين أعلن من طرابلس: «انتهى زمن الحرمان، وزمن الإقصاء والتهميش»! فبأيّ معيار انتهى الحرمان في مدينة تُعدّ من أبرز بؤر الفقر في لبنان، وتنهك أحياءها البطالة والتدهور المعيشي وغياب الخدمات الأساسية؟ وهل يكفي إعلان انتهاء التهميش لطيّ صفحته، فيما آلاف العائلات تكافح لتأمين لقمة العيش، وشباب المدينة يركبون البحر إلى المجهول بحثاً عن فرص عمل خارج مدينتهم ووطنهم؟
كرّر الرئيس عون العناوين المُستهلكة حول المرفأ والمنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي ومطار القليعات والسكك الحديد
تحدّث الرئيس عن المرفأ والمنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي الدولي ومطار القليعات والسكك الحديد، وهي عناوين استُهلكت في الخطابات والوعود على مدى سنوات، من دون أن تنعكس على حياة المواطنين. صحيح أن بعض هذه المرافق شهد خطوات تطويرية، لكن ما تحتاج إليه طرابلس ليس جولة للاطّلاع على إنجازات إداراتها، بل قرار سياسي يربط هذه المرافق بخطة اقتصادية متكاملة، تحدّد مصادر التمويل ومراحل التنفيذ وفرص العمل التي يُفترض أن توفّرها.
وهنا يبرز السؤال: لماذا لم تتحوّل الزيارة إلى مناسبة لإطلاق ورشة إنمائية شاملة، تشارك فيها الوزارات المعنية والهيئات الاقتصادية والنقابات والقطاع الخاص، بدلاً من أن يطغى عليها الطابع الأمني والقضائي؟
طرابلس تحتاج إلى الأمن بلا شك، لكنها تحتاج أيضاً إلى التعليم والاستشفاء والعمل والاستثمار. ولا يمكن اختصار حضور الدولة فيها بزيارة السراي وقصر العدل ومقارّ الأجهزة الأمنية، فيما تتفاقم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.
ثم لماذا لم تُترك المدينة على حالها ليراها رئيس الجمهورية كما يراها أهلها؟ لماذا كان لا بدّ من تنظيف الطرقات وتجميل الواجهات، بدلاً من أن يشاهد النفايات المتراكمة، والمباني المُهدّدة بالانهيار، والمؤسسات المُهملة، والأحياء التي لم يغادرها الحرمان؟
والمفارقة أن عون نفسه شدّد على أن «الإنماء ليس منّة من الدولة، بل حق للمواطنين»، وأن التنمية لا تتحقق بالوعود وحدها، بل بالاستثمارات الفعلية وفرص العمل. وهو كلام يضع السلطة أمام مسؤولية الانتقال من الإقرار بحقوق طرابلس إلى اتخاذ القرارات التي تكفل حصولها عليها. فأين المشاريع الجديدة؟ وأين الاعتمادات التي ستُرصد لها في موازنة 2027؟ وما الخطة الحكومية التي ستُترجِم إعلان انتهاء الحرمان إلى واقع يلمسه أبناء المدينة؟
غادر الرئيس عون طرابلس عائداً إلى قصر بعبدا، وانتهت مراسم الاستقبال، لكنّ المدينة بقيت حيث كانت، تنتظر دولة تتذكّرها خارج المناسبات، وتتعامل معها بوصفها عاصمة اقتصادية تمتلك مُقوّمات النهوض، لا مجرّد ساحة أمنية أو محطة في برنامج الزيارات الرسمية. فطرابلس لا ينقصها من يعلن انتهاء حرمانها، بل من ينهيه.
الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




