عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية ورئيس المحكمة العسكرية السابق
ترقُّب للمفاوضات اللبنانية – “الإسرائيلية” في تامبا وضغوط أميركية لحصر السلاح. لكن خلف عنوان هذا الترقُّب، حقيقة صادمة: لبنان يذهب إلى فلوريدا حاملًا خرائط ومطالب، و”إسرائيل” تذهب حاملة شروط استسلام.
يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول 2026، ينعقد في تامبا بولاية فلوريدا اجتماع عسكري ثلاثي: وفد عسكري لبناني، ووفد “إسرائيلي”، برعاية أميركية مباشرة من وزير الخارجية ماركو روبيو. الرئاسة اللبنانية قالت إن الوفد سيطرح المطالب اللبنانية بوقف التصعيد “الإسرائيلي” على أمل أن يفضي إلى نتائج تنسجم مع مندرجات اتفاق الإطار.
لكن هل هناك اتفاق إطار أصلًا تلتزم به “إسرائيل”؟
أولًا: “إسرائيل” أعلنت موقفها قبل أن تقلع الطائرة، قبل ساعات من تثبيت الموعد، خرج بنيامين نتنياهو ليقولها بلا مواربة: “لا أثق بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، وسنبقى في الحزام الأمني ما دام السلاح لم ينزع، والهدف النهائي هو القضاء على حزب الله”.
الحزام الأمني الذي يتحدث عنه نتنياهو لم يعد خمس نقاط، بل شريط احتلال يمتد من اللبونة إلى جبل الباط، وصولًا إلى تخوم قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر. وهي نفس البلدات التي يطالب الجيش اللبناني بتوسيع المنطقة التجريبية لتشملها.
فكيف تفاوض طرفًا يقول لك علنًا: لن أنسحب، ولن ألتزم بوقف الأعمال العدائية، واتفاق الإطار بالنسبة لي هو آلية لإدارة احتلال لا لإنهائه؟.
يُحكى عن نصيحة خطيرة تلقتها مرجعية رسمية لبنانية من السفير الأميركي ميشال عيسى نفسه: أجِّلوا تامبا إلى ما بعد الانتخابات “الإسرائيلية” والأميركية النصفية، لأن انعقادها الآن سيكون محطة بروتوكولية لا تقدم ضمانات ملموسة للبنان. لكن واشنطن أصرت على عقدها. إذًا لماذا هذا الإصرار؟
ثانيًا: الفخ الأميركي.. من وسيط إلى مدير وقائع
لبنان يراهن على ضغط روبيو لتفعيل اتفاق الإطار وتسهيل تطبيقه على مراحل. واشنطن تريد من لبنان شيئين فقط: التشدد بشأن التنسيق الأمني والعسكري بين الجيشين اللبناني و”الإسرائيلي”، وإحراز تقدم في نزع السلاح جنوبًا.
أما الالتزامات “الإسرائيلية” فهي خاضعة لحسابات “تل أبيب” وتقديراتها. هنا تكمن العقدة التي حذرت منها مصادر صحفية.
السؤال المحوري هو هل تسعى الإدارة الأميركية لاتفاق متكامل يحدد الالتزامات والمهل وآليات التحقق، أم تدير مسارًا مرحليًا يمنح الأولوية للمطالب الأمنية “الإسرائيلية” دون ربطها بجدول واضح للانسحاب؟
منذ البداية، كل المؤشرات تقول إن واشنطن انتقلت من موقع الوسيط إلى موقع الضامن للأمن “الإسرائيلي” فقط. غياب التوازن هذا يحول التفاوض إلى آلية لإدارة الوقائع الميدانية بدلًا من إنهائها. يُطلب من لبنان خطوات أمنية وسياسية ملموسة، بينما يبقى الانسحاب “الإسرائيلي” خاضعًا لمزاج نتنياهو الانتخابي، فالجولة تنعقد قبل أسبوع واحد من انتخابات “الكنيست”.
أثناء الحديث عن تامبا، ماذا يجري في الجنوب؟
قصف مدفعي، تفجير كبير في بلدات محتلة، تدمير قرى جنوبية ينسف الجهود لتطبيق القرار 1701 كما قال الرئيس جوزيف عون نفسه لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اغتيالات بطائرات مسيرة، واستمرار التحليق، ومنع الجيش اللبناني من الانتشار الكامل.
حتى حجة نزع سلاح الحزب التي ترفعها واشنطن و”تل أبيب” سقطت أخلاقيًا: الجيش اللبناني صادر شاحنة متفجرات للحزب عند حاجز ضهر البيدر، وانتشر بعدها بسرعة في الضاحية، وأثبت أنه يقوم بدوره وأن الدولة تقوم بما هو مطلوب منها. فماذا تقدم “إسرائيل” مقابل ذلك؟ لا شيء.
قيمة التفاهمات ليست في الأوراق التي وُقعت، بل في ما يمكن أن تنتجه على الأرض. والمعيار هو: هل يستطيع لبنان أن يفرض سلطة دولته على كامل أراضيه؟ الجواب اليوم: لا، لأن “إسرائيل” تمنعه.
اللهاث اللبناني وراء جولات تامبا الجديدة، بهذا الشكل، يحقق ثلاث كوارث:
1- يمنح “إسرائيل” شرعية مجانية: كل مشاركة لبنانية دون وقف إطلاق نار حقيقي، تتحول إلى غطاء لاستمرار القصف والاغتيالات. “إسرائيل” تظهر أمام العالم أنها تفاوض بينما هي تحتل. 2- يفرغ اتفاق الإطار الكارثي أصلًا، من مضمونه: الاتفاق كان ينص على وقف الأعمال العدائية، آلية تحقق، منطقة تجريبية ينتشر فيها الجيش ثم انسحاب. اليوم تحول إلى: لبنان ينفذ، “إسرائيل” تتحفظ. 3- يضرب الداخل: الرسالة للبنانيين، خصوصًا الجنوبيين الذين دفعوا خسائر بشرية ومادية لا تقدَّر بثمن، هي أن خياركم الدبلوماسي لا يأتي حتى بوقف طلعة مسيَّرة واحدة.
لبنان لا يحتاج لمفاوضات أخرى، بل لضمانات. وما لم تتحول واشنطن من وسيط منحاز إلى ضامن حقيقي بجدول زمني ملزم للانسحاب ووقف القصف وآلية تحقق دولية وليست “إسرائيلية”، فإن تامبا ستكون مثل سابقاتها: صورة تذكارية في فلوريدا، وصاروخ في يارون.
التاريخ علمنا: “إسرائيل” لا تعطي بالتفاوض ما عجزت عن أخذه بالحرب، إلا إذا أُجبرت. والسؤال ليس متى موعد الجولة القادمة، بل متى يمتلك لبنان ورقة القوة ليقول: لا مفاوضات تحت النار؟.
المصدر: موقع العهد الإخباري
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




