مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تنشر مقالاً يتناول تصاعد مظاهر التدهور الأخلاقي والسياسي في الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، منتقداً سياسات إدارته الداخلية والخارجية، وما يراه الكاتب تخلّياً عن القيم والمبادئ التي شكّلت أساس المكانة الأميركية عالمياً.
ويرى كاتب المقال أنّ إدارة ترامب تدفع الولايات المتحدة نحو انحدار أخلاقي وسياسي، من خلال تغليب القوة والمصالح الشخصية على القانون الدولي والقيم الديمقراطية، بما يهدّد مكانتها ومصداقيتها على الساحة الدولية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في عصر تتزايد فيه، على ما يبدو، المطالب المتواصلة والمتسارعة التي تتنافس على اجتذاب انتباهنا، بات من الصعب معرفة متى يجب أن نغضب. ولم يتجلَّ هذا الأمر بوضوح أكبر مما تجلّى في أعقاب الأخبار السياسية التي وردت من الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي.
بدأ الهجوم الأخير بمشهد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي تبختر يوم الخميس الماضي، وهو يعلن عن خططه لبث عملية إعدام ضابط عسكري أميركي سابق رمياً بالرصاص، أدانته محكمة عسكرية وحكمت عليه بالإعدام بتهمة القتل الإرهابي لـ 12 شخصاً من الجنود والمدنيين في فورت هود عام 2009.
ليس من الواضح ما إذا كان هيغسيث، الرجل الذي يبدو أنه يعتبر الفظاظة فضيلة، قد بحث في تاريخ الإعدامات العلنية قبل الإعلان عن هذه الخطة. ولو فعل، لأدرك سريعاً أمرين من شأنهما أن يدفعا وزير دفاع عاقلاً وواعياً أخلاقياً إلى إعادة النظر: أولهما أن الجيش الأميركي لم ينفّذ أي إعدام علني منذ 90 عاماً، وثانيهما أن الدول التي لا تزال تمارس طقوساً كهذه تندرج ضمن الدول التي لطالما أنكرت الولايات المتحدة عليها هذه الأفعال ووصفتها بالهمجية. ومع ذلك، يُحسب لهيغسيث تفهّمه لرأي رئيسه. فعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عمّا إذا كان يؤيّد الإعدامات العلنية، أجاب بكلمة واحدة: “بالتأكيد”.
بعد يوم من إعلان هيغسيث، وعقب قرار لجنة نوبل النرويجية اختيار نافي بيلاي، المفوّضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لتكون أحدث فائزة بجائزة السلام، انتقدت إدارة ترامب النرويج بشدة بسبب هذا الاختيار، وأعلنت أنها ستتخذ إجراءات عقابية ضد المحكمة الجنائية الدولية، حيث شغلت بيلاي منصب قاضية. واشتكى ترامب من أن بيلاي اختيرت من بين شخصيات مغمورة، وقال إنه الشخص الأجدر بالجائزة لإنهائه ثماني حروب حول العالم.
هنا، تتفاقم الفظائع. صحيح أن النرويج هي مقر اللجنة، لكنها لا تُحدّد الفائزين بالجوائز. وبيلاي ليست مجهولة على الإطلاق، خاصةً لدى من يُقدّرون حقوق الإنسان الدولية. أما مزاعم ترامب بشأن السلام، فهي موضع شك، شأنها شأن الأكاذيب وتشويه الحقائق اللذين يلازمان تصريحاته العلنية.
بغضّ النظر عن حاجة الرئيس الأميركي الملحّة وعطشه إلى الاعتراف به، يبدو أن غضب واشنطن من بيلاي يستند إلى حد كبير إلى قيادتها لجنة تابعة للأمم المتحدة راجعت العدوان الإسرائيلي على غزة بعد الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخلصت إلى أن قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين والتدمير الشامل لمساكن القطاع وبنيته التحتية يشكّلان إبادة جماعية. ولا يسع المرء إلا أن يقرأ ما بين السطور في محاولة لفهم الدوافع الحقيقية وراء توقيت العقوبات الأميركية المعلنة حديثاً ضد المحكمة الجنائية الدولية، ولكن يبدو أنها انتقام من بيلاي لتزويدها المحكمة الجنائية الدولية بمعلومات من لجنة الأمم المتحدة، إذ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق سياسيين إسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكان هذا بالتأكيد ما فهمه نتنياهو من الأمر، إذ سارع إلى تهنئة إدارة ترامب على إجراءاتها ضد المحكمة الجنائية الدولية.
منذ الهجوم الوحشي والدموي الذي شنّته حماس قبل ثلاث سنوات، وأسفر عن مقتل ما يقرب من 1200 إسرائيلي واحتجاز نحو 250 رهينة، فشلت إدارتا بايدن وترامب في حماية حليفتيهما، “إسرائيل”، من خلال عدم إدانة أعمالها العسكرية في غزة بقوة أو كبحها بشكل فعّال، وهي أعمال كانت غير متناسبة إلى حد كبير وعشوائية بشكل صارخ.
يمكن مناقشة استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية”، لكن استهداف المحكمة الجنائية الدولية، وبيلاي تحديداً، يُعدّ أمراً مُجحفاً وغير أخلاقي. فقد توصّلت مجموعة واسعة من المنظمات والخبراء، كثير منهم يهود وبعضهم إسرائيليون، إلى استنتاجات مماثلة بشأن وقوع إبادة جماعية في غزة. ولم تُقدّم الولايات المتحدة قط رداً متماسكاً وجوهرياً على ذلك، إذ يبدو أنها تعتقد أن مجرد القول إن “إسرائيل” حليفتها وصديقتها يكفي. ويُعدّ هذا تخلّياً عن القيم الأميركية، التي كانت تُشكّل ركيزة مكانتها الدولية، حتى وإن كانت تُخفق في كثير من الأحيان في تحقيق مُثلها العليا.
وبغضّ النظر عن الآراء المتضاربة حول “إسرائيل” وفلسطين، فإن هجوم الولايات المتحدة على المحكمة الجنائية الدولية، مثل عدائها تجاه الأمم المتحدة والتآكل المتسارع لالتزامها بالمؤسسات والمعايير العالمية الأخرى، يدفع العالم في اتجاه خطير، حيث تتراجع أهمية القواعد أكثر فأكثر، وتُعطى الأولوية للقوة المجردة على اعتبارات ما هو مبدئي أو صحيح.
ويمكن ملاحظة دليل آخر على هذا التحول، لا مجرد الانحراف، في تحركات ترامب النفعية الفجّة تجاه روسيا وأوكرانيا في الأيام الأخيرة. فخوفاً من أن تؤدي أسعار الديزل والبنزين، التي لا تزال مرتفعة في الولايات المتحدة، إلى تعريض فرص حزبه للخطر في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، علّق ترامب العقوبات المفروضة على موسكو لإبرام صفقة لتوريد الوقود على عجل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن شأن ذلك أن يعزّز الإيرادات الروسية في وقت بدأت فيه حربها العدوانية في أوكرانيا تُلحق ضرراً بالغاً باقتصادها.
كما ندّد ترامب بأوكرانيا، ضحية هذا الصراع، لدفاعها عن نفسها من خلال مهاجمة البنية التحتية النفطية الروسية. ولم يكترث بأن هذه الهجمات كانت رداً على هجمات روسية وحشية ومنهجية استهدفت أنظمة الطاقة والاقتصاد الأوكرانيين. وردّ ترامب، الذي لطالما أبدى انجذاباً غامضاً إلى بوتين، على شكاوى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي بشأن اتفاق ترامب وبوتين، بالقول إن الوقت قد حان لكي تغيّر أوكرانيا زعيمها، وهو مطلب روسي قديم.
أما أحدث فضيحة، فعلى الرغم من طابعها الجيوسياسي الثانوي، فإنها تعكس بوضوح الفساد الأخلاقي المستشري في واشنطن. إنها الفضيحة المحيطة باستقالة السفيرة الأميركية لدى اليونان، كيمبرلي غيلفويل. فحتى إدارة ترامب لم تستطع تجاهل المظهر المشين لمبعوثة متهمة بطلب رشوة من أحد جامعي التبرعات السياسية، مقابل تسهيل وصوله إلى مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة الأميركية. وتؤكد غيلفويل براءتها. وتشمل الأدلة ضدها، كما ورد في صحيفة “وول ستريت جورنال”، رسائل نصية تشير بوضوح إلى صفقة رشوة.
إذا كانت غيلفويل قد ارتكبت الأفعال المنسوبة إليها، فهي ليست الوحيدة التي تتسم بالجشع والجرأة. وكما كتبتُ سابقاً، يُعدّ الفساد السمة الأبرز لهذه الإدارة، حيث يسعى مبعوثون دبلوماسيون مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى إبرام صفقات تجارية خاصة في الدول نفسها التي يتفاوضون فيها. ناهيك عن أن أحد أبناء ترامب قد قبل مؤخراً هدية من أحد الأوليغاركيين الروس الغامضين لتمويل حفل زفافه الباذخ في منطقة الكاريبي. وهذا الرجل، الذي يُقال إنه مقرّب من بوتين، لا يكاد يتحدث الإنجليزية، ومع ذلك وصفه ممثلو دونالد ترامب الابن في البداية بأنه صديق مقرّب.
إذا بدت هذه الأمور مجتمعة وكأنها تنبئ بانحدار الولايات المتحدة، فهناك حادثة أخرى تؤكد ذلك بشكل أوضح: التفاخر والإنكار المنتشران في واشنطن اليوم. وقد تجلّى هذا بوضوح في الخطاب المُشوَّش الذي ألقاه وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، في أثينا الأسبوع الماضي. ففيه، جمع روبيو، بأسلوب يُشبه شرح طالب في المرحلة الإعدادية لأبرز إنجازات الحضارة الغربية، مدّعياً أن الولايات المتحدة هي الوريث المباشر لليونان القديمة، وأنها مثال يُحتذى به في المُثل الغربية التي تمتد من بدايات الديمقراطية في تلك الحضارة إلى عصر التنوير.
لكن أسوأ ادّعاءات روبيو تمثّلت في مخاطبته أوروبا وكأن الولايات المتحدة في عهد ترامب تُشكّل نموذجاً مُلهماً لتلك القارة. وقال روبيو، واقفاً وخلفه البارثينون متوهجاً: “نعتقد أن أوروبا قادرة على الاستيقاظ من سباتها الطويل وإعادة إحياء الشعلة التي أُشعلت هنا منذ آلاف السنين”.
قد يظل الأوروبيون على صلة وثيقة بالولايات المتحدة، لكن من الصعب تصوّر أن تكون أحلامهم أكثر اختلافاً عن ذلك. بل إن كثيرين يأملون أن تتمكن الولايات المتحدة، التي تبدو ضائعة وفاقدة للقيمة على نحو متزايد، من استعادة ما أُعجبوا به فيها طوال تاريخها، قبل فوات الأوان.
الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




