من يحمر وأرنون إلى زوطر والنبطية الفوقا، تواصل «إسرائيل» قصف جنوب لبنان بالفوسفور الأبيض، محوّلة الغابات والبساتين إلى أراضٍ محروقة. وتوثّق «هيومن رايتس ووتش» استخدام هذا السلاح الحارق، الذي تتجاوز آثاره الحروق البشرية إلى تدمير المحاصيل وتلويث البيئة، في سياق استهداف مقوّمات الحياة وعرقلة عودة السكان إلى قراهم
منذ 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أمعنت «إسرائيل» في خرق جميع الاتفاقات لوقف عدوانها على لبنان. ومع اقتراب السنوية الثالثة على انطلاق الحرب، تتواصل عمليات القصف والنسف والغارات وغيرها من أشكال الإبادة التي تستهدف أشكال الحياة والحضارة كافّة في جنوب لبنان، وسط صمت رسمي لبناني وعربي ودولي مطبق. وفي واحدة من الجرائم اليومية المُرتكبة بحقّ القرى والبساتين، تُواظب القوات الإسرائيلية على استعمال قذائف الفوسفور الأبيض المُحرم دولياً إلقاؤها على الأماكن السكنية. في هذا الإطار، واكبت منظّمة «هيومن رايتس ووتش» ارتكابات الاحتلال منذ الأسبوع الأول للعدوان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، مُحصية الاستخدام المُتكرّر لهذا النوع من القذائف. وبلا هوادة، تواصل إلقاء السلاح الحارق على جنوب لبنان، مع تسجيل حالات جديدة أخيراً من قبل المنظمة الأممية في منطقة النبطية الفوقا وبلدة زوطر الشرقية.
من المتعارف عليه لجوء القوات المسلحة إلى الفوسفور الأبيض لإنشاء حاجب دخاني يُغطّي تحرّكات الجنود أو الآليات على الأرض، وتُعوّل عليه الجيوش لتغطية إجلاء الإصابات من الميدان. لكنّ القوات الإسرائيلية تستخدمه في معظم الأحيان في أطر تدخل ضمن المحاذير الدولية لما تُخلّفه من إصابات واسعة وخسائر فادحة في المحاصيل الزراعية والغابات. في جنوب لبنان، لا معارك ولا عمليات للمقاومين منذ أسابيع طويلة. لذلك يأتي القصف بالفوسفور الأبيض كأداة مُعزّزة لاستكمال حرق المنازل والمدراس والقضاء على مساحات شاسعة من الحقول والأشجار التي تلتحف تضاريس المنطقة اللّبنانية.
«حرق الأخضر واليابس»
انطلق العدوان الجديد على لبنان في بداية شهر آذار (مارس) الفائت، وبدأ معه سريعاً إلقاء الفوسفور الحارق على القرى اللّبنانية. أفادت منظّمة «هيومن رايتس ووتش» حينها أنّ القوات الإسرائيلية استخدمت هذا السلاح على المدنيين في المراحل الأولى من الحرب لدفعهم إلى النزوح الجماعي.
وعلى فترات متلاحقة من العدوان الحالي، رصدت المنظمة استخدام الفوسفور الأبيض في أكثر من قرية جنوبية، لا سيّما المناطق القريبة من مجرى نهر الليطاني التي عملت القوات الإسرائيلية على مدار أشهر لمحاولة السيطرة عليها. وتركّزت الاستهدافات في الأشهر القليلة الماضية على قرى يحمر وأرنون وزوطر الشرقية وكفرتبنيت والنبطية الفوقا وكفررمان. إلّا أنّ حصّة الأسد كانت من نصيب مرتفعات علي الطاهر الملاصقة لمعظم هذه القرى، إذ أظهرت صور حديثة من الأقمار الاصطناعية حرق الاحتلال جزءاً واسعاً من غاباته الكثيفة من خلال مئات الغارات وآلاف القذائف المدفعية، من ضمنها الفوسفور الحارق.
لكنّ الأشهر السبعة المنصرمة لم تكن وحدها الحافلة باستخدام هذا النوع من الذخائر، إذ سجّلت المنظمة الدولية منذ 16 تشرين الأول (أكتوبر) إلقاءها بشكل مكثّف على كافّة القرى الحدودية. ومنذ قصف قرية الظهيرة الحدودية ذلك اليوم بالفوسفور الأبيض، توالت تقارير المنظّمة خلال الأشهر التالية عن تكرار هذا المشهد في عشرات القرى الحدودية. لم ينحصر استعمال هذه القذائف بحرق الغابات والمحاصيل، إذ وثّقت صورٌ عدّة تعرُّضَ المنازل لها بشكل مباشر. حتّى بعد انتهاء الحرب، رسمياً، في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، كشفت الحكومة اللّبنانية عن لجوء القوات الإسرائيلية إلى إلقاء طائراتها مواد كيميائية لحرق مساحات شاسعة في قرى القطاع الغربي من جنوب لبنان، وقد كانت تشتهر باللّون الأخضر الذي يغطّي وديانها وهضابها.
غير مُحرّم ولكن…
لا يضع القانون الدولي الفوسفور الأبيض تحت خانة السلاح الكيميائي، ويستفيد الاحتلال من هذه الضبابية في تصنيف القذائف الحارقة لاستسهال استعمالها بشكل روتيني وواسع. وتوضح «هيومن رايتس ووتش» أنّ استخدام هذا السلاح يجوز لأغراض إنشاء ساتر دخاني، لكنّ القانون الدولي يحظر الهجمات العشوائية ويشترط تجنّب المناطق المدنية، وهو ما لم تلتزم به القوات الإسرائيلية في السنوات الثلاث الأخيرة، سواء على الجبهة اللبنانية أو في قطاع غزة. وتُحدّد المنظمة الإنسانية أنّ إطلاق ذخائر الفوسفور الأبيض في الهواء فوق المناطق المأهولة بالسكان يعدّ غير قانوني، وسبق أن وثقت حالات عدّة في جنوب لبنان تقع ضمن هذا التصنيف. في هذا السياق، تنطلق التحذيرات من طرق ونطاق استعمال هذا النوع من القذائف المدفعية لما تسبّبه من عواقب صحية وبيئية فادحة. وتمتدّ آثار الفوسفور الأبيض لفترات طويلة تتعدّى مرحلة انطفاء النيران واختفاء الدخان بما يحمل تهديدات أمام عودة السكان وينعكس على خصوبة الأرض لناحية المحاصيل الزراعية، إضافة إلى تبعات بيئية بعيدة المدى.
ووفق منظّمة «هيومن رايتس ووتش»، يُسبّب الفوسفور الأبيض حروقاً عميقة قد تصل إلى العظام، كما يمكن أن تبقى جزيئاته داخل الجروح وتشتعل مجدداً عند تعرضها للهواء، ما يجعل العلاج معقداً ومؤلماً. وفي بعض الحالات، يحتاج المصابون إلى عمليات متكررة وزراعة جلد وعناية مكثفة وإعادة تأهيل، مع احتمال حدوث ندوب وإعاقات دائمة. كما يمكن لاستنشاق الدخان أن يؤدي إلى تهيج أو إصابات في العينين والجهاز التنفسي، بما في ذلك التهاب الرئة والتسمم، وقد تصل الحالات الشديدة إلى فشل الأعضاء.
من جانبٍ آخر، تنتشر الجزيئات المشتعلة على مساحة واسعة في المناطق المأهولة وتحملها الرياح، ما يصعّب حصر آثارها. كما يمكن أن تعيد البقايا الاشتعال بعد الهجوم، فتشكل خطراً على السكان وعمال الإطفاء والمزارعين العائدين إلى المناطق المتضررة.
أمّا من الناحية الزراعية، فتؤدي الحرائق إلى تدمير البساتين والحقول والمحاصيل، وخسارة المواسم الزراعية ومصادر الدخل. إضافة إلى ذلك، تتضرر التربة والمياه والغطاء النباتي، فتتراجع خصوبة الأرض وفقدان الموائل والتنوع الحيوي، ما يؤخر عودة الأراضي إلى الإنتاج ويزيد الأضرار الاقتصادية والبيئية على المدى الطويل.
الفوسفور لمنع العودة
رغم نداءات «هيومن رايتس ووتش» المتكرّرة وحقائقها الدامغة لمعالم الارتكابات الإسرائيلية طوال ثلاثة أعوام، إلّا أنّ صوتها لم يلقَ آذاناً صاغية لدى السلطة اللبنانية التي لم تبدِ اهتماماً يُذكر بمتابعة الاستخدام الروتيني للفوسفور الأبيض على قرى جنوب لبنان. من جهته، يواصل الاحتلال معركته المباشرة مع مختلف أشكال الحياة، لا سيّما داخل المنطقة التي حدّدها ضمن «الخط الأصفر». ورغم فداحة إلقاء القوات الإسرائيلية لذخائر الفوسفور الأبيض، خصوصاً حرق الغابات الكثيفة في جنوب لبنان، إلّا أنّ استخدام هذا النوع «نقطة في بحر» الارتكابات الإسرائيلية في العدوان المتواصل. إلى جانب حربه الضروس على الحياة النباتية والبيئية بمختلف أشكالها، نسف الاحتلال معظم المنازل في عشرات القرى الجنوبية، ودمّر مدارسها ودور العبادة، وصولاً إلى المستشفيات والمراكز الصحية. وشملت الإبادة الإسرائيلية البنية التحتية وشبكات الطرق وجرف المقابر بما تحمله من ذاكرة جماعية تجمع السكان، حتّى الآثار والقلاع التاريخية كانت عرضة لاستهدافات متكرّرة.
ويوحي حجم التدمير في جنوب لبنان بأنّه يأتي في إطار عبثي وانتقامي، إلّا أنّ الاحتلال يدأب على إنهاء مقوّمات الحياة والسكن والزراعة، سواء على المستوى المادي أو من الجانب المعنوي. ويُعوّل بذلك على كسر رغبة السكان في العودة إلى قراهم وحقولهم، وهنا تدخل قذائف الفوسفور الأبيض كواحدة من أبرز الأدوات لتحقيق أهدافه المباشرة، وتلك بعيدة الأمد.
علي سرور-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




