اضغط للاستماع إلى عنوان الخبر ونصّه. صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
آن أوان وقف الحرب. والمسؤولية الأولى تقع على من اتخذ قرار العدوان، فيما تلتقي مسؤولية الجميع عند حماية الإنسان.
سلام يمنح اليمنيين أسبابًا للدفاع عنه!
آن لهذه الحرب أن تنتهي. فقد دفع اليمن من حياة أبنائه ومقومات وجوده ما يجعل استمرار العدوان عبئًا على مستقبل أجيال كاملة. ويدفع أهلنا في المملكة، بدورهم، من أمنهم وطمأنينتهم كلفة قرار لم يصنعوه. وبين شعب يقاوم الإخضاع وشعب تمتد إليه نيران الحرب، تبرز مسؤولية سياسية لا يجوز أن تضيع في تبادل بيانات التصعيد: مسؤولية إخراج المنطقة من حرب يتراكم خرابها، وتتضاءل قدرتها على إنتاج أمن مستقر.
ولكي تستقيم الدعوة إلى السلام، ينبغي أن تبدأ من تحديد المسؤوليات. ففي 26 مارس 2015، أطلقت السعودية، على رأس تحالف عسكري، «عاصفة الحزم»، مستندة إلى طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، ورافعة عنوان استعادة الشرعية. لكن هذا العنوان لا يعفي قرار التدخل من المساءلة عن نتائجه، ولا يمنح قوة خارجية حق تقرير مستقبل اليمنيين. فالانحياز إلى اليمن وسيادته هو منطلق هذه القراءة، ومعه التضامن مع الشعب في المملكة، الذي لا يُحمَّل وزر سياسات قيادته.
وقد أعاد تحذير المبعوث الأممي، في 9 أكتوبر 2026، من انزلاق اليمن إلى حرب شاملة، ثم سقوط ضحايا في الهجمات على مطار الرياض، إلحاح السؤال: كيف نوقف العدوان، ونحمي المدنيين، ونمنع تحويل المأساة إلى ذريعة لجولة أوسع؟
لماذا لم تعبر التسوية من التفاهم إلى التنفيذ
لم تكن فرص التفاهم معدومة. ففي سبتمبر 2023، جرت محادثات في الرياض بين ممثلين سعوديين ووفد من صنعاء بمشاركة عُمانية. وفي 23 ديسمبر، أعلن المبعوث الأممي التزام الأطراف بتدابير تشمل وقفًا شاملًا لإطلاق النار، ودفع الرواتب، واستئناف صادرات النفط، وفتح الطرق، وتخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، تمهيدًا لعملية سياسية جامعة.
تكشف هذه العناصر أن معيشة اليمنيين كانت في صلب التسوية المنتظرة. فالراتب والمطار والميناء تحدد قدرة المجتمع على الحياة، وتحدد أيضًا مقدار ما تحتفظ به الأطراف من أدوات ضغط. وحين يبقى تنفيذ الالتزامات رهنًا بموازين القوة المتغيرة، تصبح كل جولة تفاوض مهددة بإعادة فتح ما سبق التفاهم عليه. ويمكن للهدوء أن يطول من دون أن تنتقل العلاقة من إدارة الخصومة إلى إنهائها.
من هنا، يقتضي استئناف المسار التفاوضي معالجة الفجوة بين الالتزام وتنفيذه: خطوات معلنة، ومواعيد محددة، ورقابة موثوقة، وضمانات تمنع استخدام احتياجات الناس لإعادة التفاوض على حقوقهم. وتقع على الرياض، بوصفها قائدة التدخل العسكري، مسؤولية المبادرة إلى إجراءات تثبت أن المطلوب إنهاء الحرب، لا تحسين شروط استمرارها.
متى يصبح التفوق العسكري عجزًا سياسيًا
المأزق الذي يستدعي المراجعة السعودية هو أن التفوق في العتاد لم يفرض ترتيبًا مستقرًا لليمن، بينما أسهم امتداد الحرب في جعل أمن المملكة عرضة لضربات متكررة. وهذا يضع السياسة أمام سؤال جدواها: ماذا تضيف جولة جديدة إذا كانت تعيد إنتاج أسباب التهديد الذي تقول إنها تستهدف إزالته؟ إن أمن الحدود يحتاج إلى جار مستقر، يمتلك مصلحة في التفاهم، وقدرة على الوفاء بالتزاماته.
وفي تقديري، يكمن أحد مفاتيح التعثر في الفارق بين كلفة الحرب على المجتمع وكلفتها على أصحاب القرار. فالمجتمع يريد توقف الخسائر، بينما قد يؤجل صاحب القرار التسوية خوفًا من أن تبدو اعترافًا بفشل رهانه، أو أن تنتقص من موقعه. لذلك يحتاج المخرج إلى ضمانات أمنية وسياسية تتيح التراجع عن الحرب من دون اشتراط إذلال الخصم، مع بقاء المسؤولية عن الأضرار وحقوق الضحايا قائمة.
وفي المقابل، تضع القدرة التي أظهرتها أنصار الله على الصمود والرد أمامها مسؤولية تحويل هذه القدرة إلى مكاسب سياسية ومعيشية لليمنيين. فنجاح المقاومة في منع الإخضاع يكتمل حين يفتح الطريق لرفع القيود وإعادة الإعمار واستعادة الحياة. وكلما غابت الغاية السياسية المحددة، اتسعت قابلية الردع للتحول إلى تبادل ضربات يصعب الخروج منه، لأن كل طرف يخشى أن تُقرأ خطوته الأولى باعتبارها ضعفًا.
وليس في هذا مساواة بين مسؤولية إطلاق العدوان ومقاومته. لكنه تأكيد أن حماية المدنيين تظل معيارًا لازمًا في كل الأحوال. فالدم الذي يسيل في المملكة دم أهلنا أيضًا، ومساءلة القيادة عن قرار الحرب تقتضي حماية شعبها من أن يتحول إلى ساحة للانتقام. إنقاذ هؤلاء المدنيين يعزّز عدالة الانحياز إلى اليمن، ويمنع تحويل حقوقه إلى خصومة بين شعبين عربيين.
القوى الخارجية وحدود القرار المستقل
للعامل الأميركي حضور موثق في بنية الحرب؛ فقد أعلنت واشنطن، عند انطلاق التدخل في 2015، تقديم دعم لوجستي واستخباراتي للتحالف.
وتكشف هذه الصلة كيف يمنح الاعتماد العسكري قوةً خارجية قدرة على التأثير في خيارات المنطقة. لكن تحليل هذا التأثير يتطلب التمييز بين ما تريده واشنطن، وما تقرره الرياض، وما تختاره القوى اليمنية، بدل التعامل معها جميعًا كإرادة واحدة.
وتقدّم الوساطة العُمانية التي أفضت، في 6 مايو 2025، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وصنعاء مثالًا دالًا. فقد أمكن التفاهم على عدم استهداف كل
طرف للآخر، بما يشمل السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب.
وتدل هذه السابقة على قابلية بعض الملفات للفصل والتفاوض متى توافرت مصلحة محددة. ومن حق شعوب المنطقة أن تسأل لماذا تعجز الأطراف العربية عن تثبيت تفاهم يحمي مصالحها، بينما تستطيع القوى الكبرى التفاوض على ما يخصها.
ومن منظور المصلحة العربية، يتيح استنزاف اليمن والسعودية للمشروع الصهيوني فرصة لتشتيت الاهتمام والقدرات عن فلسطين، ويوسّع حاجة المنطقة إلى الحماية الخارجية. غير أن الاستفادة من الحرب لا تثبت وحدها امتلاك قرار كل جولة فيها. ورفض الهيمنة يتطلب من القيادات تحمّل مسؤولية خياراتها، كما يقتضي إبقاء نصرة فلسطين مرتبطة بحماية الشعوب العربية من الاستنزاف، وبناء قدرتها على اتخاذ قرار مستقل.
سلام يمنح اليمنيين أسبابًا للدفاع عنه
يبدأ السلام القابل للبقاء بوقف العدوان ورفع القيود التي تخنق الحياة، واحترام حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم. وتكتسب الضمانات المتعلقة بأمن السعودية والملاحة معناها داخل هذا الإطار؛ فكل ترتيب يطلب من اليمن ضمان أمن الآخرين، ويترك أمنه وسيادته قابلين للانتهاك، يحمل في داخله أسباب انهياره. المطلوب التزامات متبادلة قابلة للتحقق، تضع حدًا للتدخل والتهديد عبر الحدود.
كما أن التفاهم بين الرياض وصنعاء يحتاج إلى مسار يمني جامع، تشارك فيه أنصار الله والحكومة المعترف بها دوليًا وسائر القوى والمكونات، وتُناقش خلاله المظالم والقضايا الجنوبية بعيدًا عن الإملاء الخارجي. فالانحياز إلى اليمن يشمل حق مجتمعه المتعدد في المشاركة والمساءلة، ويستلزم بناء مؤسسات تتسع للمواطنين وتخدمهم، وتخضع فيها إدارة الموارد لمصلحة عامة يمكن مراقبتها.
ويظل الاختبار اليومي للسلام هو ما يتغير في حياة الناس: راتب يصل، وطريق يُفتح، ومريض يستطيع السفر، ومدرسة تستعيد أطفالها. ولهذا ينبغي ربط التسوية بترتيبات واضحة لإدارة الإيرادات وإعادة الإعمار، وتحميل من أسهموا في التدمير مسؤولية المساهمة في جبر أضراره. وعندما يلمس المواطن أثر التهدئة في بيته، يصبح استمرارها مصلحة اجتماعية تقاوم محاولات نسفها.
مبادرة عربية تملك مضمونًا وضمانات
هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة مصرية تساند الوساطة العُمانية وتعمل مع الأمم المتحدة. فاستقرار اليمن وأمن البحر الأحمر يتصلان مباشرة بمصالح مصر، ويمنحان تحركها أساسًا يتجاوز المناشدة. وتستطيع القاهرة أن تجمع بين التضامن مع أمن الشعب في المملكة والدفاع عن سيادة اليمن، وأن تجعل علاقتها بالرياض وسيلة لدفع مراجعة سياسية توقف النزيف.
وتكتسب هذه المهمة إلحاحًا بعد مشاركة مصر في البيان الرباعي مع السعودية وتركيا وباكستان الذي أدان الهجمات على مطار الرياض.
فإدانة تعريض المدنيين للخطر ينبغي أن تتصل بجهد لمنع توسيع الحرب، وبالدعوة إلى وقف الغارات على اليمن وحماية أهله. ويقاس وزن الدور المصري بقدرته على فتح طريق للخروج، وتجنيب المنطقة انتقال التصعيد من ساحة إلى أخرى.
يمكن أن يبدأ هذا الطريق بوقف متزامن للغارات والهجمات عبر الحدود، وتدابير عاجلة لتيسير حركة المدنيين والسلع والمساعدات، وآلية اتصال ومراقبة للتحقق من الالتزام وتسوية الخروقات. ثم تُستأنف مناقشة الالتزامات الاقتصادية والسياسية ضمن جدول متفق عليه. فترك حادث منفرد من دون تحقيق ومعالجة يمنح المتضررين من التسوية فرصة لإعادة الجميع إلى الحرب.
ويقع على القيادة السعودية، التي اختارت إطلاق «عاصفة الحزم»، أن تملك شجاعة مراجعة خيارها، وأن ترى في يمن مستقل ومستقر سندًا لأمن المملكة. وعلى أنصار الله أن تجعل صمود اليمن جسرًا إلى سلام يصون سيادته ويخفف آلام أهله. أما الشعبان، فما يجمعهما من جوار وتاريخ وروابط حياة يستحق سياسة تحميه من الكراهية التي تنتجها الحروب.
آن أوان وقف الحرب. والمسؤولية الأولى تقع على من اتخذ قرار العدوان، فيما تلتقي مسؤولية الجميع عند حماية الإنسان. إن أفضل ما يمكن أن يُمنح لليمنيين هو مستقبل لا يُطلب منهم فيه إثبات حقهم في الحياة بمزيد من التضحيات؛ وأفضل ما يُمنح لأهلنا في المملكة هو أمن لا يستدعي إدامة الحرب على جيرانهم.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




