اضغط للاستماع إلى عنوان الخبر ونصّه. صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
يكشف التنفيذ الفعلي للموازنات العامّة وعمليّات الخزينة، وكذلك مضمون ورقة مصرف لبنان بشأن مشروع «قانون الاستقرار المالي وسداد الودائع» FSDR (غير الموزّعة ومحدودة التداول)، عن وجود نيّاتٍ مبيّتة لإلقاء عبء معالجة الفجوة الماليّة على عاتق الخزينة العامّة (التي يموّلها المكلّفون)، ناهيك بالمودعين.
بند مضمر في الموازنة
1. خلال السنوات الثلاث الماضية، وتحديدًا منذ 31 كانون الثاني 2024 (تاريخ بدء اعتماد سعر 89500 ل.ل للدولار الواحد في ميزانية مصرف لبنان بموجب قرار المجلس المركزي) زادت حسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان بما يعادل 6.052 مليارات دولار تقريباً، من بينها الفوائض الناتجة من تنفيذ الموازنة والمقدّرة، بحسب بيانات وزارة الماليّة، بحوالي 2.6 مليار دولار في الأعوام 2023-2025 مع نتائج الربع الأول من 2026. وبحساب تقريبي يكون معدّل الزيادة السنويّة في حسابات الخزينة 2.4 مليار دولار.
ويُتوقّع أن يستمرّ الأمر على هذا النحو لسنوات قادمة. فالتفاهم الحالي بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان يقضي، كما يقرّ المعنيّون، بإعطاء الأولوية للاستقرار النقدي على حساب النفقات الأساسيّة الواردة في قوانين الموازنة التي أقرّها مجلس النوّاب. وهذا يفتح الباب أمام تفسير مفارقة التوازن بين النفقات والإيرادات في قوانين الموازنة العامّة منذ عام 2023 (صفر عجز)، في حين تتراكم الفوائض الأوليّة في حساب الخزينة.
وتخشى السلطتان الماليّة والنقديّة في لبنان من أن يؤدّي استخدام القيم المتراكمة في ودائع القطاع العام لتمويل حاجات مستحقّة وملحّة، إلى زيادة النقود الورقيّة الموضوعة في التداول ما يهدّد في رأيهما سياسة التثبيت النقدي. وبذلك تكون سياسة التثبيت ومعها تقليص الفجوة الماليّة لمصلحة المصارف كما سيرد لاحقاً، أهمّ من تلبية حاجات أساسيّة ومطالب محقّة، مثل: دفع بدلات إيواء للنازحين بسبب الحرب، أو الترميم الإنشائي للمباني المتضرّرة بفعل العدوان، ما يعيد عشرات آلاف النازحين إلى منازلهم، أو تحسين رواتب موظّفي القطاع العام، وغيرها، علماً بأن مجموع كلفة الحاجات والمطالب المذكورة لا يزيد على 10% من القيم المتراكمة في حسابات القطاع العام في أقل من ثلاث سنوات.
2. لماذا يمكن أن يؤثّر الإنفاق من حسابات القطاع العام لدى المصرف المركزي سلباً على الوضع النقدي كما سبق ذكره، ما دامت الأموال المتراكمة فيها ناتجة من عمليّات اقتصاديّة حقيقيّة يقوم بها دافعو الضرائب والرسوم، وليست حصيلة خلق سيولة عرَضيّة من خلال طبع النقود؟ أو بقول آخر: كيف تحوّلت فوائض الماليّة العامّة من قيم حقيقيّة إلى قيم دفتريّة؟
الإجابة بسيطة ومعروفة. تجبي وزارة الماليّة الضرائب والرسوم بالليرة اللبنانيّة، وتُسعَّر غالبيّة الخدمات التي تقدّمها المؤسّسات العامّة بالعملة نفسها. فيضطرّ المكلّفون والمواطنون إلى تبديل دولاراتهم بليرات لبنانيّة، وتودع هذه الليرات في حساب الخزينة وحسابات القطاع العام، وترتفع بالمقدار نفسه احتياطيّات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة. يأتي ذلك في ظلّ سياسة التضييق النقدي التي خفّضت حجم السيولة بالليرة اللبنانيّة بأكثر من الثلث خلال عام ونصف عام لتصل إلى 55.7 تريليون ليرة في آخر أيلول 2026.
لكنّ الحكومة، وللسبب المذكور آنفاً (تسخير السياسة الماليّة لخدمة السياسة النقديّة)، تنفق من حساباتها بالليرة اللبنانيّة مبالغ أقلّ من تلك التي تجبيها من المواطنين، بحيث تكون الدولارات التي يستخدمها مصرف لبنان لتمويل نفقات الحكومة الخارجيّة ودفع رواتب القطاع العام بالعملة الصعبة وغيرهما من البنود الواردة في الموازنة، مغطاة تماماً بالإيرادات مع تحقيق فائض. أمّا ما ليس وارداً في جانب النفقات من الموازنة العامّة، فهو حصّة مصرف لبنان من التسديد الشهري للودائع المحتجزة لدى المصارف، والتي بلغت تراكمياً نحو 4.2 مليارات دولار، من أصل 6.1 مليارات د.أ مجموع المدفوعات للمودعين حتى آذار 2026. وبالمقارنة مع الأرقام أعلاه، يكون المتوسط السنوي لقيمة ما يدفعه مصرف لبنان للمودعين، وبالخصوص في العامين الأخيرين، قريباً من متوسط الزيادة السنويّة في حسابات الخزينة لديه.
3. وعليه، نصل إلى استنتاجين مفادهما:
1) أنّ مدفوعات مصرف لبنان للمودعين هي بند مضمَر وغير مصرّح عنه في الموازنة العامّة، فبإضافته نقترب من تحقيق التوازن بين جانبي النفقات والإيرادات في عمليّات الخزينة، وتُشطب عمليّاً الفوائض الدفتريّة المتراكمة في حسابات الخزينة؛ ونَصِفُها بالدفتريّة لأنّها أُنفقت فعلاً على عمليّات يقوم بها مصرف لبنان وفي مقدمتها تسديد الودائع.
2) أنّ المكلّفين من دافعي الضرائب والرسوم هم الذين موّلوا حتى الآن حصّة مصرف لبنان من تطبيق التعميمين 158 و166، وهذه الحصّة تساوي بالمتوسط حوالي 70% من مجموع المدفوعات الشهريّة التي يتلقّاها المودعون، في مقابل 30% تقريباً تتحمّلها المصارف.
ترحيل الخسائر إلى الحكومة
3. يقترح مصرف لبنان في ورقته «قانون الاستقرار المالي وسداد الودائع» تحميلَ الحكومة 24.9 مليار دولار أميركي ديوناً لمصلحته، لتظهر في ميزانيّته في بندين: تمويلات مباشرة من مصرف لبنان للحكومة على مدى السنوات العشرين الماضية بقيمة 16.5 مليار دولار (قابلة للزيادة)، ومدفوعات تمويل الدعم الذي أقرّته الحكومة رسميًاً في عام 2020، بقيمة 8.4 مليارات دولار. وبذلك يكون مصرف لبنان قد حوّل عمليّات نقديّة قوامها تبديل عملات، إلى عمليّات ماليّة (نفقات عامّة مموّلة بالديون) خارج أي منطق قانوني محكم.
ومن نافل القول، إنّه لا عذر للحكومات السابقة في اعتماد سياسة التمويل بالعجز الذي يرتّب خلق كتل ماليّة بالليرة اللبنانيّة، بدعوى أنّها مغطاة بالفوائض التي كان يحقّقها ميزان المدفوعات، دون أن تُلقي بالاً إلى أنّ هذه الفوائض ناتجة من تدفّق أموال مقترضة وغير مستقرّة، مُجتذبة بأدوات نقديّة (أسعار فائدة مرتفعة على الليرة والدولار)، وأنّها لم تكن حصيلة عمليّات اقتصاديّة مستقرّة وثابتة كالتصدير والاستثمارات المباشرة.
والتمويل بالعجز ظاهرة خطيرة إذا طال أمدها، وهي أكثر خطورة في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة والبنية الإنتاجيّة الهشّة. ويكون إمّا بإصدار أوراق دين (سندات خزينة)، أو بالاستدانة المباشرة بموجب عقد، ويمكن للحكومة أن تلجأ إلى المصرف المركزي لتحويل العملات المحليّة التي حصلت عليها بالاقتراض إلى عملات صعبة، كما حصل بالفعل في لبنان طوال السنوات الماضية. وبذلك يمكن القول إنّ مصرف لبنان هو في وضعيّة دائن للحكومة، لكن بالمعنى الاقتصادي للكلمة لا بمعناها القانوني.
وهذا الفارق الدقيق لا يجوز تجاهله في توزيع أعباء معالجة الفجوة، وإلّا لأمكن لأيّ دائن بالعملة المحليّة أن يطالب باستردادها من مَدِينِه بعملة صعبة، أو بالقيمة الخارجيّة التي كانت عليها عند نشوء الدين.
4. باحتساب مجموع ما تقدّم من مبالغ تدفعها الخزينة بصورة غير مباشرة (عبر احتجاز جزء من إيرادات الخزينة في مقابل الدولارات التي يسدّدها مصرف لبنان للمودعين وسيسدّدها لاحقاً على المنوال نفسه حتى اكتمال تطبيق التعميمين 158 و166)، أو يطالب بها المصرف المركزي الحكومة (بالاستناد إلى ورقته التي تحتاج إلى نقاش منفصل وعلى حدة)، يكون العبء الفعلي على الحكومة أو المُفكَّر في تحميله لها، ومن ثَمّ للمكلّفين، يقارب 60% من قيمة الفجوة الماليّة (الخسائر)، بل أكثر من ذلك إذا أخذنا في الحسبان تكاليف رسملة مصرف لبنان وتسوية سندات اليوروبوندز في محفظة المصرف المركزي. ويتحمّل المودعون الجزء الأكبر من الخسائر المتبقّية، من خلال إجراءات: الإنقاذ الداخلي (Bail-in)، وشطب الفوائد الزائدة، وخفض قيمة الودائع غير المؤهّلة، وشطب الودائع غير النظاميّة أو تجميدها، وتسنيد الودائع، وغير ذلك من الإجراءات الواردة في ورقة مصرف لبنان ومسوّدة قانون الفجوة.
خلاصة القول، تتحمّل الحكومة (بالأحرى المكلّفون) والمودعون الغالبيّة العظمى من الخسائر، فيما تكتفي المصارف بإعادة الرسملة (وهذا شأنها) وتحمُّل قسط يسير من مجموع الأعباء الناتجة من توزيع الخسائر الأخرى.
وهنا نجد أنفسنا بين تصوّرين لا يصبّان في مصلحة عموم المواطنين: رؤية مصرف لبنان الأقرب إلى المصارف، التي ترتكز على الشطب الضمني للودائع، وإلقاء العبء الأكبر للمعالجة على عاتق الحكومة (المكلّفين ودافعي الضرائب)، ورؤية صندوق النقد الدولي التي تحمّل المودعين (الشطب الصريح لقسم من الودائع) والمصارف والمستهلكين (التقشّف) العبء الأكبر، مع إعفاء الحكومة من معظم التبعات، لمنحها المساحة الماليّة الكافية لخدمة ديونها، في الحاضر والمستقبل، وعلى حساب نفقات أساسيّة.
رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ـ جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




