اضغط للاستماع إلى عنوان الخبر ونصّه. صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
لم يعُد ملف إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات مجرّد مشروع إنمائي، بل تحوّل إلى سباق مع موعد سياسي حدّده رئيس الحكومة نواف سلام، في مقابل عقبات تقنية وإدارية ومالية لا تزال تعترض إطلاق الرحلات التجارية. وبين الإصرار على افتتاح المطار في 15 تشرين الأول الجاري، والتحفظات التي يطرحها المعنيون بشأن جاهزيته، تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي والوقائع التي يفرضها العمل على الأرض.
قبل أيام، عُقد اجتماع في السراي الحكومي لمتابعة التحضيرات، حيث أكّد سلام أن إعادة تشغيل المطار دخلت مرحلتها الأخيرة، مشدّداً على «ضرورة استكمال الخطوات المتبقية بالسرعة اللازمة، ومن دون التهاون في المعايير الفنية والأمنية، وأنه يريد الالتزام بالتاريخ المحدّد في 15 تشرين الأول الجاري».
وفي المعلومات، أن الاجتماع حضره كل من وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، ورئيس جهاز أمن المطار العميد الركن فادي كفوري، ورئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمؤسسة مطار بيروت الدولي المهندس محمد شاتيلا، ورئيس مجلس إدارة شركة Sky Lounge Services زياد المنلا، وقد شهد نقاشات اتسمت بالحدّة من جانب رئيس الحكومة، والذي بدا منفعلاً وارتفع صوته، بعدما عُرضت أمامه صعوبات تحول دون إطلاق التشغيل التجاري في الموعد المحدّد، فيما تمسّك هو بإصراره على الافتتاح في 15 تشرين الأول الجاري. وقد انتهى الاجتماع مع إصرار سلام على المضي في الموعد رغم التحفّظات التي أثارها الحاضرون، في مشهد يعكس تغليب الالتزام السياسي على المهلة التي تحتاج إليها الأعمال لاستكمال التجهيزات.
عبارة «أنا أعمى ما بشوف، أنا ضرّاب السيوف»، بدت حاضرة في كلام سلام، إذ إن إصراره على موقفه جاء برغم سماعه لكل التحذيرات المطروحة من قبل الحاضرين، الذين خرجوا بانطباع أن سلام يريد أن يتحقق الافتتاح في الموعد المُعلن، فيما تبقى الأسئلة المتعلقة بالجاهزية والتجهيزات والتمويل مُعلّقة، على الرغم من أنها تشكّل الأساس الفعلي لأي تشغيل آمن ومُستدام.
ومنذ انطلاق الحملة السياسية والإعلامية حول إعادة تشغيل مطار القليعات، جرى تقديم المشروع باعتباره خطوة إنمائية أساسية لعكار والشمال، من شأنها تنشيط الاقتصاد وتعزيز البنية التحتية للنقل. غير أن خلفية الإصرار على التعجيل تتجاوز، وفق قراءة مصادر مُعترضة على إدارة الملف، الاعتبارات الإنمائية، لتلامس حسابات سياسية تتصل بإرضاء جمهور الشمال وتسجيل نقطة في مواجهة قوى سبق أن عارضت تشغيل المطار، وفي مقدّمها حزب الله، فضلاً عن الموقف الرافض الذي كان قائماً في عهد النظام السوري السابق، ما جعل المشروع يتحوّل من ورشة إنمائية تحتاج إلى استكمال متأنٍّ، إلى عنوان سياسي وإعلامي يراد تثبيت الإنجاز من خلاله.
وبحسب مصادر مطّلعة، كان رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت أثار قبل سنة، مسألة الجدوى الاقتصادية للمطار، محذّراً من احتمال أن يترتب على تشغيله عبء مالي بدلاً من تحقيق الأرباح. وهذه المسألة تكتسب أهمية إضافية في ظل الكلفة التي يتطلّبها المشروع، إذ تشير المُعطيات إلى إنفاق نحو ستة ملايين دولار من الرسوم العائدة للطيران المدني حتى الآن، مع الحاجة إلى ستة ملايين أخرى وأكثر، من دون أن يعني ذلك أن جميع النواقص باتت قابلة للمعالجة ضمن المهلة المُحدّدة.
حذّرت الجهات الرسمية المعنية بالعمل في المطارات من ارتكاب خطأ التشغيل المبكر، في ظل نقص حادّ في المتطلبات الأساسية لضمان شروط السلامة العامة
وتبرز أيضاً تعقيدات قانونية وإدارية مرتبطة بنقل المطار من ملكية الجيش إلى الاستخدام المدني، وما يتطلبه ذلك من تقييم للموجودات واستكمال المعاملات القانونية اللازمة. ويضاف إليها طلب القوة الجوية في الجيش تأمين مبنى لعناصرها ومهبط بديل للمروحيات، ما يفرض معالجة ترتيبات لا يمكن تجاوزها بمجرّد تحديد موعد للافتتاح.
أمّا على المستوى التقني والأمني، فتتحدّث المعلومات عن نواقص ذكرها الحاضرون تشمل الطريق الدائري، الكاميرات، السياج المُفترض إقامته لكامل نطاق المطار، وصولاً إلى أجهزة السكانر والتجهيزات الضرورية لعمل الأجهزة الأمنية والجمارك والأمن العام، لأنه من دون توفيرها، يبقى المطار مُخالِفاً لمعايير السلامة العامة الخاصة بالاتحاد الدولي للأمن الجوي، وهو ما أثارته الأجهزة مع سلام. كما طُرحت تساؤلات بشأن حالة المدرجات وحاجتها إلى التأهيل والصيانة، في ظل تقديرات مُتداولة تشير إلى أن عمرها التشغيلي المتبقّي قد لا يتجاوز ثلاث سنوات. وهي مسائل تتطلب تقييماً فنياً موثّقاً، ولا سيما أن تشغيل المطارات يخضع لمتطلبات سلامة وأمن لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية.
في السياق، لا يبدو أن سلطة الوصاية الأميركية – السعودية قد تخلّت نهائياً عن فكرة تعديل صلاحيات جهاز أمن المطار، وبعد إلحاح سلام على تشغيل مطار القليعات في أقرب وقت، تمّ الطلب إلى جهاز أمن مطار بيروت التحضّر لتعديل مهامه بحيث تشمل مطار القليعات، في خطوة لها إلى جانب متطلباتها اللوجستية والبشرية، بعض التفاصيل التي يحاول وزراء «القوات» اللبنانية و«الكتائب» والمقرّبون من الرئيس جوزيف عون استغلالها بغية العودة إلى إثارة مشروع قديم كان يريد توحيد عمل جميع الأجهزة الأمنية في المنافذ البرية والبحرية والجوية تحت قيادة جهاز مستقل برئاسة العميد كفوري، وهو المشروع الذي يستهدف فعلياً نزع الصلاحيات الخاصة بالأمن العام من المعابر، علماً أن دائرة الجوازات والهجرة في الأمن العام، هي الجهة الوحيدة المُخوّلة، بحسب القانون، إدارة ومراقبة حركة المسافرين من لبنان أو الداخلين إليه، وقد سبق لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن أبلغ عون وسلام رفضه المساس بصلاحيات الأمن العام، لأن ما هو المطلوب لا يتعلق بتنظيم العمل في المرافق بل في خلق جهاز أمني جديد يُدار وفق مصالح القوى المُهيمِنة على السلطة اليوم.
يشار إلى أن الذريعة التي كان يجري الحديث عنها بشأن بطء عمل فرق الأمن العام في المطار، في طور التذليل، حيث تمّ تلزيم مؤسسة متخصّصة عالمية بتجهيز المعدّات التي تجعل المسافر يلجأ إلى مسح جواز سفره على كاشف آلي موصول ببيانات الأمن العام، ولا يحتاج إلى تدقيق يدوي من قبل عناصر الأمن العام، علماً أن المشروع السابق الذي كان يريد توسيع صلاحيات جهاز أمن المطار وتحويله إلى جهاز أمن المعابر، قد أُعدّ من قبل وزير العدل عادل نصار، في خطوة جاءت بعد زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل عدة شهور، وناقش خلالها أموراً أخرى من بينها الإجراءات القضائية التي تؤمّن إقفال مؤسسة «القرض الحسن».
ميسم رزق ـ جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




