مجلة “972+” الإسرائيلية تنشر تقريراً يكشف الجهود الإسرائيلية المتزايدة للتأثير في الطريقة التي تعرض بها نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وClaude وGemini وGrok، القضايا المرتبطة بفلسطين و”إسرائيل”، عبر إنتاج كميات كبيرة من المحتوى المصمم خصيصاً ليظهر في نتائج البحث وإجابات روبوتات الدردشة.
ويبحث التقرير في كيف انتقلت الدعاية الإسرائيلية من التأثير في الإعلام ووسائل التواصل إلى محاولة التأثير في ما “تعرفه” روبوتات الذكاء الاصطناعي وما تعرضه للمستخدمين عن فلسطين و”إسرائيل”.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
في أواخر عام 2022، أدّى الإطلاق العام المفاجئ لبرنامج “تشات جي بي تي” (ChatGPT) إلى ظهور سُلطة مرجعية جديدة لتعريف حقيقة الأشياء وتحديد ماهيتها. وفي غضون أقل من 4 سنوات، أصبحت روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الكثيرين بمنزلة طبقة وساطة إضافية تفصل بين العالم وكيفية إدراكه؛ إذ غالباً ما تُعتبر إجاباتها حقائق مُسلّماً بها ويُستشهد بها لفضّ النزاعات.
وفي ظل تراجع مكانة “إسرائيل” في أروقة الرأي العام العالمي إلى مستويات غير مسبوقة، بسبب سياسات حكومتها اليمينية المتطرفة وما تلا أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من إبادة جماعية في غزة، وجدت “إسرائيل” في هذا المجال الناشئ أرضاً خصبةً لممارسة نفوذها.
وفي السنوات الأخيرة، توسعت آلة الدعاية الإسرائيلية (المعروفة بـ “هسبارا”) لتتجاوز الأدوات التقليدية — كالمتحدثين الرسميين، وحملات العلاقات العامة، والإعلانات في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي — وكثّفت عملها لتشكيل الطريقة التي تعرض بها نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل “تشات جي بي تي” (ChatGPT) و”كلود” (Claude) و”جيميناي” (Gemini) و”غروك” (Grok)، الواقع القائم في المنطقة الممتدة “من النهر إلى البحر”، وكيفية تفسيرها لأفعال “إسرائيل” وجيشها.
وفي أواخر آب/ أغسطس، نشرت صحيفة “الغارديان” تحقيقاً يوضح طبيعة هذا النوع من الدبلوماسية العامة في عصر الذكاء الاصطناعي. وتمحور التحقيق حول موقع إلكتروني يحمل اسم “معهد هانوفر للسياسات العامة” (Hanover Institute for Public Policy)، وهي منظمة أميركية تكاد تكون مجهولة، تقدم نفسها كمعهد لأبحاث السياسات، وقد أغرقت الإنترنت، في غضون 9 أيام فقط، بمواد تتناول الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ويبدو أن الموقع قد بدأ نشاطه في مطلع آب/ أغسطس، من دون الإفصاح عن عنوان فعلي أو كيان قانوني يقف وراءه. وكان حجم المحتوى الذي أنتجه هائلاً ومذهلاً؛ ففي الفترة ما بين 6 و14 آب/ أغسطس، نشر المعهد 124 “ورقة بحثية” بلغ مجموع كلماتها أكثر من 560 ألف كلمة. وفي يومي 12 و13 آب/ أغسطس وحدهما، نُشرت 73 مقالة جديدة، ولم يُنسب أي منها إلى باحث محدد بالاسم.
كما أن اختيار الموضوعات لم يكن عشوائياً؛ فقد صيغت جميع العناوين تقريباً على هيئة أسئلة قد يطرحها مستخدمٌ يسعى لمعرفة المزيد عن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل: هل ترتكب “إسرائيل” إبادة جماعية في غزة؟ وهل طردت الفلسطينيين من أراضيهم؟ وهل تُعد مناهضة الصهيونية معاداةً للسامية؟ وهل تُجَوِّع “إسرائيل” سكان غزة أو ترتكب جرائم حرب؟
وقد كُتبت المقالات بأسلوب الأبحاث الأكاديمية، مع الاستشهاد بمصادر تشمل البنك الدولي، ووكالات الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، ومصادر فلسطينية وإسرائيلية. غير أن صياغة هذه المقالات كانت تهدف باستمرار إلى تقويض الانتقادات الموجهة لـ”إسرائيل”، أو -على أقل تقدير- التشكيك في الاتهامات الموجهة إليها والتعاطي معها بوصفها ادعاءات تفتقر للدلائل والإثباتات. وعلى الرغم من أن الموقع الإلكتروني كان يزعم في البداية أن المعهد يعمل من دون تمويل خارجي، إلا أن تحقيقاً أجرته صحيفة “الغارديان” كشف عن وجود صلة بينه وبين شركة “بيرو” (Piro)، وهي شركة إعلامية تتخذ من نيويورك مقراً لها وتعمل كمقاول فرعي لصالح وكالة حكومية إسرائيلية. وقد تكشفت هذه العلاقة مع جهاز الدبلوماسية العامة الإسرائيلي من خلال وثائق قدمتها شركة “بيرو” إلى وزارة العدل الأميركية؛ بحيث أوضحت تلك الوثائق أن الشركة قامت بتوزيع المواد الإعلامية نيابةً عن “هافاس ميديا ألمانيا” (Havas Media Germany)، الذراع الألماني لمجموعة “هافاس” الإعلامية الفرنسية – التي كانت قد تعاقدت معها “دائرة الإعلان الحكومي الإسرائيلي” (LAPAM).
وكشفت الوثائق أن الموقع الإلكتروني أُنشئ باستخدام منصة “res.ai” عبر الإنترنت، وهي خدمة تحلل كيفية عثور روبوتات الدردشة على المصادر وعرضها للمعلومات، وتُبيّن للشركات -في المقابل- كيفية إنشاء محتوى من المرجح أن تعتبره هذه الأنظمة موثوقاً وتستشهد به في ردودها. من جانبها، تسوّق شركة “بيرو” لخدمة “تحسين القصص للذكاء الاصطناعي” (AI Story Optimization)، وهي خدمة مصممة لإنشاء ونشر محتوى مُعد خصيصاً ليتناسب مع نماذج اللغة الكبيرة (LLM) على مواقع إلكترونية خارجية.
وتستند هذه الخدمات إلى منطق يشبه مفهوماً راسخاً في مجال التسويق الرقمي، ألا وهو “تحسين محركات البحث” (SEO)؛ غير أنه تم تكييف هذا المفهوم ليتلاءم مع حقبة لم يعد فيها المستخدمون يلجأون إلى محركات البحث لمطالعة المزيد من المعلومات، بل باتوا يعتمدون على روبوتات الدردشة التي تولّد إجابات مباشرة بلغة حوارية. ويُعرف هذا المجال الناشئ باسم “تحسين محرك البحث التوليدي” (GEO). وثمة شركة أخرى تقدم خدمات العلاقات العامة لـ”إسرائيل” في هذا المجال، وهي “كلوك تاور إكس” (Clock Tower X)، وهي وكالة أميركية متخصصة في التأثير الرقمي أسسها براد بارسكيل، المدير السابق للحملة الانتخابية لدونالد ترامب.
وهنا أيضاً، تم التوصل إلى هذا الترتيب بوساطة عملاق الإعلانات والإعلام الفرنسي “هافاس” (Havas). فوفقاً لوثيقة قُدمت إلى وزارة العدل الأميركية، تعاقدت “هافاس” مع شركة “كلوك تاور إكس” كمقاول فرعي في إطار اتفاقيتها مع وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقد أُسندت إلى “كلوك تاور إكس” مهمة إنتاج وتوزيع كميات كبيرة من المحتوى الموجّه لجمهور متنوع، فضلاً عن إدارة حملات تهدف إلى تحسين نتائج البحث. وفي نيسان/ أبريل 2026، كشف موقع “أكسيوس” (Axios) لأول مرة عن كيفية تطبيق “كلوك تاور إكس” لهذا البند على أرض الواقع؛ إذ تبين أن شركة “بارسكيل” (Parscale) قد أنشأت 9 مواقع إلكترونية مؤيدة لـ”إسرائيل”، صُممت لتتوافق مع الآلية التي تعتمدها النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) في تحديد مواقع المعلومات وترتيب أولوياتها. ولتحقيق هذه الغاية، استعانت “كلوك تاور إكس” بشركة “ماركت برو” (Market Brew) – المتخصصة في تحسين أداء محركات البحث وتقنيات الذكاء الاصطناعي- بهدف ضخ محتوى مؤيد لـ”إسرائيل” في ما وصفه موقع “أكسيوس” بـ”الدورة الدموية لشبكة الإنترنت”.
حتى أن شركة “ماركت برو” طورت نظاماً محاكياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لاختبار أنواع النصوص التي يُرجح أن تسترجعها مثل هذه الأنظمة؛ وخلصت الدراسة إلى أن المحتوى المدعوم بالمصادر والمكتوب بأسلوب واقعي وموضوعي هو الأكثر احتمالاً للظهور في ردود روبوتات الدردشة.
وفي أعقاب التقرير الاستقصائي الذي نشره موقع “أكسيوس”، سعى موقع “Drop Site” في شهر تموز/ يوليو إلى تقييم مدى نجاح مبادرة ” كلوك تاور إكس ” في التأثير على الردود التي يولدها الذكاء الاصطناعي حول الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وقد كشف تحقيقها أن مئات الصفحات التابعة لشبكة المواقع الإلكترونية التي أنشأتها الشركة أُدرجت ضمن أرشيف “Common Crawl”؛ وهو أرشيف ضخم لصفحات الويب يُستخدم على نطاق واسع لتجميع مجموعات البيانات اللازمة لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs). ووفقاً لموقع “Drop Site”، فإن نحو 85% من صفحات الشبكة وروابطها – التي يبلغ مجموعها نحو 900 صفحة ورابط – كانت قد ظهرت بالفعل في ذلك الأرشيف.
وعندما طرح مراسلو موقع ” Drop Site” أسئلة حول مواضيع صممت مواقع المناصرة تلك لمعالجتها، استشهد عدد كبير من منصات الذكاء الاصطناعي الرائدة — بما في ذلك “Perplexity” و”Copilot” و”Gemini” — بمحتوى ” كلوك تاور إكس” ضمن مصادر إجاباتها. وفي أحد الأمثلة، وعند السؤال عن فوائد التعاون العسكري بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وضعت منصة “Perplexity” موقعاً إلكترونياً أُنشئ كجزء من تلك الحملة في صدارة قائمة مصادرها.
تراجع أدوات التأثير التقليدية
يُعد توسيع نطاق جهود الدبلوماسية العامة الإسرائيلية لتشمل مجال الذكاء الاصطناعي جزءاً من تحول استراتيجي أوسع — مدعوم باستثمارات مالية ضخمة — يهدف إلى التصدي للمشاعر المتنامية المناهضة لـ”إسرائيل” على الصعيد العالمي، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص. فعلى مدى عقود، استفادت “إسرائيل” من بنية تحتية متميزة للنفوذ في واشنطن، ارتكزت على شبكة من المنظمات المحلية، والجهات المانحة، والجماعات الدينية، والحلفاء السياسيين الذين عملوا على تعزيز الدعم لـ”إسرائيل” من داخل النظام السياسي الأميركي؛ ويبرز في مقدمة هؤلاء منظمة “أيباك” (AIPAC)، إلى جانب منظمات مسيحية إنجيلية مثل “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” (CUFI).
وفي دراسة شاملة نشرها معهد “كوينسي” في شهر تموز/ يوليو، استعرض الناشط الأميركي نيك كليفلاند-ستوت حجم منظومة النفوذ الإسرائيلية وكيفية تطورها في السنوات الأخيرة. ووصف هذا النظام بأنه نوع من “جماعات الضغط غير الرسمية”؛ أي بنية تحتية تتيح لـ”إسرائيل” التأثير في النظام السياسي الأميركي من دون الخضوع لمتطلبات الإفصاح والشفافية نفسها التي تنطبق على عمليات الضغط الأجنبي. فعلى سبيل المثال، تُصنَّف منظمة “أيباك” (AIPAC) قانونياً كمنظمة أميركية، وبالتالي؛ فهي غير ملزمة بالتسجيل بموجب “قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” (FARA).
ومع ذلك، يبدو أن قدرة “إسرائيل” على الاعتماد على “أيباك” للحفاظ على الدعم السياسي في الولايات المتحدة قد تراجعت في السنوات الأخيرة. فمع انخفاض تأييد “إسرائيل” في أوساط الديمقراطيين والناخبين الشباب، تحولت “أيباك” من مصدر قوة ودعم للمرشحين الديمقراطيين إلى عبء عليهم. وفي أيار/ مايو 2026، تناولت صحيفة “واشنطن بوست” كيف اضطرت علا ستانفورد – وهي مرشحة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية بنسلفانيا – إلى دحض مزاعم تفيد بأنها تحظى بدعم “أيباك”، على الرغم من أن المنظمة لم تقدم أي مساهمة لحملتها الانتخابية. فقد كان وجود رابط تاريخي غير مباشر بين “أيباك” ومجموعة داعمة لستانفورد كافياً ليقوم منافسها، كريس راب، باستغلال هذه العلاقة ضدها؛ وقد انتهى المطاف بفوز راب في الانتخابات التمهيدية.
وفي ولاية ميشيغان، كانت التكلفة السياسية للارتباط بمنظمة “أيباك” أكثر وضوحاً؛ فقد أنفقت المنظمة أكثر من 30 مليون دولار لدعم هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ومع ذلك خسرت ستيفنز أمام عبد السيد، الذي جعل من دعم “أيباك” لها قضيةً محورية في حملته الانتخابية. وفي آب/ أغسطس، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن ناشط سياسي مشارك في السباق الانتخابي قوله إن ستيفنز “لم تدرك حجم العداء تجاه أيباك إلا بعد فوات الأوان”. وفي الوقت نفسه، وعلى الجانب اليميني من الطيف السياسي الأميركي، أدت الحرب مع إيران إلى تقويض مكانة “أيباك” لدى الجمهوريين أيضاً. فوفقاً لاستطلاع للرأي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” وشبكة “إيه بي سي نيوز” (ABC News) في وقت سابق من هذا العام، رأى 52% من الأميركيين أن لـ”إسرائيل” تأثيراً مفرطاً على قرار ترامب بمهاجمة إيران. كما أشار 47% من المشاركين في الاستطلاع ذاته إلى أن الولايات المتحدة تبالغ في دعمها لـ”إسرائيل”، وهي نسبة ارتفعت من 18% عام 2015.
لقد أدى تغير النظرة إلى منظمة “أيباك” في أوساط اليسار، وتراجع الدعم لـ”إسرائيل” في أوساط اليمين — وهو دعم كان يُنظر إليه حتى وقت قريب على أنه أمر راسخ لا يُمسّ — إلى خلق معضلة استراتيجية لجهاز الدبلوماسية العامة الإسرائيلي. ورداً على ذلك، شرعت الحكومة الإسرائيلية في تمويل قنوات تهدف إلى الوصول للجمهور الأميركي بشكل مباشر، وذلك بالاستعانة بمتعهدين ومقاولين فرعيين في قطاعات الإعلام والتسويق والاستشارات السياسية والتكنولوجيا ومجال المؤثرين. غير أن انخراط “إسرائيل” المباشر والمتعمق في معركة كسب الرأي العام الأميركي كان يعني حتماً ترك المزيد من الأدلة والوثائق التي تكشف عن كيفية إدارة هذه المعركة. ومع تحول جزء كبير من هذا العمل إلى مدفوعات حكومية مباشرة لشركات العلاقات العامة، ومستشاري الحملات، والمؤسسات الإعلامية، ومقاولي التكنولوجيا، أصبحت حصة متزايدة من جهود التأثير خاضعة لقواعد الإفصاح التي تفرض الشفافية. وقد أدى هذا المسار إلى نشوء سجلات ووثائق تتيح تتبع آلية سير هذه العملية؛ فوفقاً لتقرير كليفلاند-ستوت، سُجّلت 17 شركة جديدة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) خلال عامي 2024 و2025 للعمل لصالح “إسرائيل”. وهذه الوثائق هي التي مكنت صحيفة “الغارديان” من الكشف عن الروابط بين شركة “بيرو” ومعهد “هانوفر” ووكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية؛ وسمحت لموقع “أكسيوس” بتتبع عقد وزارة الخارجية مع شركة “كلوك تاور إكس”؛ وشكلت أساس بحث كليفلاند-ستوت لصالح معهد “كوينسي”.
“حرب معلومات شاملة”
لقد اقترن توسع جهود الدبلوماسية العامة الإسرائيلية بتكلفة باهظة؛ فوفقاً لدراسة أجراها كليفلاند-ستوت، أنفقت الحكومة الإسرائيلية أكثر من مليار دولار على الدبلوماسية العامة حول العالم منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي الولايات المتحدة وحدها، خُصصت أكثر من 100 مليون دولار لأنشطة وفعاليات مسجلة بموجب “قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” (FARA).
ولا تمثل الحملات الرامية إلى التأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعي سوى جزء واحد من ذلك الإنفاق؛ إذ يغطي التمويل أيضاً أنشطة العلاقات العامة وجماعات الضغط (اللوبي)، والإعلانات، وحملات المؤثرين، وعمليات التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والوصول إلى الجماهير التي تراجع فيها مستوى الدعم لـ”إسرائيل”، فضلاً عن التواصل المباشر مع الصحافيين والشخصيات الدينية وغيرهم من صنّاع الرأي. فعلى سبيل المثال، ووفقاً لدراسة أجراها معهد “كوينسي”، استقدمت وزارة الخارجية نحو 300 وفد إلى “إسرائيل” في عام 2025 وحده، ضمت قرابة 6 آلاف مشارك من 70 دولة.
وقد شهد التمويل العام المخصص للدبلوماسية العامة الإسرائيلية توسعاً كبيراً عقب تولي جدعون ساعر منصب وزير الخارجية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. فبموجب اتفاق الائتلاف الحكومي مع حزبه، أُسندت مسؤولية الدبلوماسية العامة الدولية إلى وزارة الخارجية، وسرعان ما وافقت الحكومة على تخصيص 545 مليون شيكل (حوالى 180 مليون دولار) بهدف “تعزيز الدبلوماسية العامة المتعلقة بإسرائيل وسياساتها على مستوى العالم”. وفي خطة عمل الحكومة لعام 2025، وُصفت هذه المبادرة بشكل أكثر صراحة بأنها مسعى لـ”تعزيز قدرات إسرائيل في مجال الحرب المعرفية على الصعيد العالمي”.
وخلال جلسة مناقشة في الكنيست في حزيران/ يونيو 2025، صرح يعقوب ليفني، نائب المدير العام لوزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة، بأن هذه الأموال — التي وُصفت بأنها “مبلغ كبير مقارنة بما كان متاحاً لنا في الماضي” — تُستخدم لتنفيذ خطة تهدف إلى “تغيير الوضع الدبلوماسي وكيفية نظرة العالم إلينا”. وقد أكد المدير العام للوزارة لاحقاً على حجم هذه الزيادة، مشيراً إلى أن ميزانية الدبلوماسية العامة العالمية للوزارة كانت تبلغ في السنوات السابقة ما بين 25 و27 مليون شيكل فقط (8-9 ملايين دولار) سنوياً؛ إلا أن هذه الميزانية المخصصة ارتفعت في غضون عام واحد لتصل إلى نحو 20 ضعف مستواها السابق.
واستمر تدفق الأموال العامة إلى جهاز الدبلوماسية العامة الإسرائيلي طوال عام 2025؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر، وافقت لجنة المالية في الكنيست على تخصيص مبلغ إضافي قدره 150 مليون شيكل (50 مليون دولار) لوزارة الخارجية، خُصص منها 90 مليون شيكل لحملة دبلوماسية عامة، و60 مليون شيكل لجلب مئات الوفود من المؤثرين إلى “إسرائيل”. وقد شهدت ميزانية عام 2026 زيادةً جديدة في التمويل، خُصص جزء منها لتمويل حملات تهدف إلى تغيير الرأي العام العالمي، فضلاً عن تمويل الوفود وغيرها من جهود التواصل الخارجي. وبحلول شهر تموز/ يوليو 2026، أشار إيدن بار تال، المدير العام لوزارة الخارجية، إلى أن إجمالي الميزانية المخصصة لـ”الحرب المعرفية والدبلوماسية العامة” يبلغ نحو 1.2 مليار شيكل (أي ما يعادل قرابة 400 مليون دولار). غير أن هذه المبالغ الضخمة لا تعكس الحجم الكامل للإنفاق الحكومي في هذا المجال؛ إذ ظلت منظومة الدبلوماسية العامة الإسرائيلية لسنوات موزعة على عدد كبير ومتزايد من الهيئات الحكومية، ما يجعل من الصعب تحديد إجمالي الأموال العامة المخصصة لأغراض الدعاية وتحسين الصورة العامة.
وإلى جانب وزارة الخارجية، لعبت كل من المديرية الوطنية للدبلوماسية العامة في مكتب رئيس الوزراء، ووزارة شؤون الشتات، والوكالة الحكومية للإعلانات، ومكتب المتحدث باسم “الجيش” الإسرائيلي، ووزارة الإعلام، ووزارة الشؤون الاستراتيجية أدواراً في تعزيز صورة “إسرائيل” في الخارج. وقد حذر مراقب الدولة – منذ عام 2012 – من نزاعات ممتدة حول الصلاحيات والمسؤوليات والموارد، فضلاً عن وجود فجوات في المعلومات وضعف في التنسيق بين الهيئات المختلفة. ويتجلى هذا التشتت أيضاً في الجهود الناشئة لتشكيل المحتوى المعلوماتي الذي تولده أنظمة الذكاء الاصطناعي. فبالتوازي مع المئات من ملايين الشواكل التي خُصصت لوزارة الخارجية لدعم الدبلوماسية العامة القائمة على الذكاء الاصطناعي، طرحت وزارة شؤون الشتات في شباط/ فبراير 2026 مجموعة من “التدابير الاستباقية” الخاصة بها.
وقد وصفت ممثلة عن الوزارة هذه الجهود بأنها تشمل إنشاء عشرات المواقع الإلكترونية المعلوماتية التي تتناول موضوعات مثل أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ووكالة “الأونروا”، ووثائق حركة حماس، والتقارير الدولية، بالإضافة إلى إجراء تحليلات لرصد كيفية استجابة نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة لتلك المواد. كما وصفت المسؤولة هذا الجهد بأنه “حرب معلومات شاملة”، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل بشكل منهجي للتأثير على نماذج الذكاء الاصطناعي، والتصدي لما وصفته بـ”التحيزات الإعلامية”، وفضح “المعلومات المضللة، بما في ذلك الحالات التي يثبت فيها تورط صحافيين في أنشطة إرهابية”.
وتوسعت الاستثمارات الحكومية في مجال الدبلوماسية العامة بالتزامن مع تراجع القدرات الدبلوماسية التقليدية لوزارة الخارجية؛ إذ حذّر مراقب الدولة ودبلوماسيون وباحثون -على مدى أكثر من عقد من الزمان- من نقص الكوادر البشرية، وتقليص الميزانيات، وتراجع مكانة السلك الدبلوماسي المهني في “إسرائيل”. وفي عام 2019، اضطرت البعثات الدبلوماسية إلى تعليق بعض أنشطتها بسبب القيود المفروضة على الميزانية. وبحلول شهر تموز/ يوليو 2026، أقرّ إيدن بار تال، المدير العام لوزارة الخارجية، بأنه على الرغم من تركيز الوزارة تقليدياً وبشكل أساسي على الشؤون السياسية والدبلوماسية، إلا أن قراراً حكومياً صدر عام 2025 أحدث تحولاً في سلم أولوياتها؛ بحيث أضحت “الدبلوماسية العامة الدور الرئيسي والجوهري لوزارة الخارجية”.
ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ضخت “إسرائيل” موارد متزايدة في ما وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ”الجبهة الثامنة” للحرب، والمتمثلة في تشكيل الانطباعات حول تحركاتها وسط أزمة عالمية متفاقمة تتعلق بصورتها؛ ومع ذلك، لم تفلح كل هذه النفقات العامة والاستثمارات في التقنيات المتطورة إلا قليلاً في وقف تراجع مكانة “إسرائيل” على الساحة الدولية.
من جهته، يعيش الجمهور الإسرائيلي، إلى حد كبير، داخل فقاعة معرفية تحجب الأدلة على العنف المتفلت، والانتهاكات المستمرة للقانون الدولي، والتمييز العنصري، والسياسات العقابية، والاستخفاف الدائم بأرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم. ولا يمكن لهذه الفقاعة أن تستمر لولا وجود نظام تعليمي ووسائل إعلام مُجنَّدة بالكامل، متخليةً بذلك عن أدوارها النقدية. وقد يفسر نجاح هذا النموذج داخلياً اعتقاد الحكومة -على ما يبدو- بقدرتها على مواجهة الانتقادات الخارجية من خلال إعادة تشكيل التصورات عن الواقع، بدلاً من تغيير الواقع نفسه؛ وهو ما يتطلب تكييف آلة الدعاية لتلائم الأدوات التي تتشكل عبرها تلك التصورات. فقبل عقد أو عقدين من الزمن، كانت هذه الأدوات تتمثل في منصات التواصل الاجتماعي؛ أما اليوم، فقد أصبحت تتمثل في روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وقد كشفت عريضة قدمتها “حركة حرية المعلومات” مؤخراً عن حجم المبالغ التي تنفقها عائلة نتنياهو على خدمات التجميل وتصفيف الشعر، والتي تصل إلى آلاف الشواكل شهرياً. وعلى الرغم من أن هذا المبلغ لا يعدو كونه قطرة في بحر مقارنةً بالمليارات التي تضخها الدولة في مجال العلاقات العامة، إلا أن الدافع الكامن وراء الأمرين واحد؛ ألا وهو الإسراف في استخدام المال العام في محاولة عقيمة للتحكم في المظهر العام.
إن هذا الادّعاء – سواء تعلق بوجوه عائلة نتنياهو أو بجرائم “إسرائيل” – لا يمكنه حجب الحقيقة؛ ففي نهاية المطاف، لا بد للحقائق أن تفرض نفسها وتنكشف للعيان.
نقلته إلى العربية: زينب منعم-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




