لم تكن لدى وزير الأشغال العامة فايز رسامني جرأة إرسال ردّ مباشر إلى جريدة «الأخبار» بشأن ما نُشر عن تلزيم تجهيزات جديدة في مطار القليعات، وقرّر أن يردّ عبر بيان مفاده أن هذه التجهيزات استجدّت بناءً على طلبات الأجهزة الأمنية وقيادة الجيش اللبناني، لكنّ الواقع أن الوزير يقرّ بأن التلزيم الأساسي كان ناقصاً وغير احترافي ولا دراسات جدوى بشأنه، وإن وجدت فهي دراسة سطحية وفاشلة.
الخبر المنشور في «الأخبار» بعنوان «لزّموا مطار القليعات… ونسوا تجهيزه؟» تضمّن إشارة واضحة إلى أن التجهيزات المنويّ تلزيمها والتي يعرضها الوزير في مُلحق على جدول أعمال مجلس الوزراء الذي عُقد أمس، هي تجهيزات جديدة، لكنه يشير أيضاً إلى أنها تأتي بعد خمسة أشهر على مُزايدة تلزيم تأهيل وتشغيل مطار القليعات التي تتضمّن التجهيزات التي فازت بها شركة Sky Lounges Services، وكان واضحاً أن كلفتها التقديرية تساوي 6 ملايين دولار. لذا يمكن الاستنتاج بسهولة، أنه كان هناك استعجال في التلزيم الأساسي وفي إعداد دفاتر شروط لا تراعي كل المطلوب، وأن دراسات الجدوى لا تحسم كامل متطلبات جاهزية المطار وكلفتها.
لكنّ الوزير رسامني اختار أن يوضح المسألة أكثر، فقال إن «التلزيم الأساسي الذي أُنجز وُضع على أساس تأمين المتطلبات الضرورية التي تسمح ببدء تشغيل المطار بالحدّ الأدنى التشغيلي المطلوب، والعمل جارٍ على هذا الأساس، ولن يتوقف بدء تشغيل المطار على تنفيذ الأشغال الإضافية موضوع الكتاب المذكور. أمّا الحاجة إلى هذه الأشغال، فقد برزت لاحقاً نتيجة طلبات واحتياجات إضافية تقدّمت بها الأجهزة الأمنية المعنية وقيادة الجيش اللبناني، في إطار تعزيز مستوى الجاهزية الأمنية والفنية والتشغيلية للمطار، وهي احتياجات إضافية واستكمالية تتجاوز نطاق الأعمال الأساسية التي تمّ إعدادها لبدء التشغيل».
ويضيف رسامني أن وزارة الأشغال العامة والنقل فرّقت بصورة واضحة بين مسارين: «مسار استكمال الإجراءات والأعمال الأساسية اللازمة لبدء تشغيل مطار القليعات وفق البرنامج المُحدّد، وهو مسار قائم ومستمر، ومسار تنفيذ أعمال وتجهيزات إضافية واستكمالية طلبتها الأجهزة المختصة، ويمكن تنفيذها واستكمالها بالتوازي مع تشغيل المطار وبعد انطلاق العمل فيه، ولا يشكّل عدم إنجازها في المرحلة الأولى عائقاً أمام التشغيل»، مشيراً إلى أن «تلزيم هذه الأعمال الإضافية سيتم من قبل الهيئة العامة للطيران المدني، ووفقاً لأحكام قانون الشراء العام، ومن خلال مناقصة عمومية شفّافة ومفتوحة وفق الأصول القانونية المرعية الإجراء، بما يؤمّن المنافسة والشفافية والمساواة بين العارضين وحسن استخدام المال العام».
توضيح الوزير لا يجيب على السؤال الأساسي المطروح: التلزيم يتعلق بإنشاء وتشغيل مطار ولا يتعلق بحيطان دعم في قرية ما، أو بتزفيت طريق، أي إنه عبارة عن مُنشآت ضخمة ويُفترض أن تلزيمها لا يكون بطريقة اعتباطية وغير مدروسة، ولا سيما أن التلزيم يتم بطريقة الخصخصة التي يلتزم فيها المستثمر بتمويل الإنشاءات والتجهيزات مقابل حصّة من إيرادات التشغيل على فترة معينة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الدولة ليست لديها الأموال اللازمة للقيام بهذا الاستثمار. لذا، من المنطقي جداً، أن تكون عملية التلزيم دقيقة وشاملة ووافية وتغطّي كل المطلوب لتشغيل المطار حتى تستفيد الدولة من عملية الخصخصة هذه. وبالتالي، كان يُفترض أن تسبق عملية التلزيم دراسة فنية ومالية وأمنية متكاملة، تحدّد وضع البنية التحتية والتجهيزات المطلوبة ومتطلبات السلامة والأمن والتشغيل، بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية، لا أن تظهر احتياجات مفاجئة.
اختيار توزيع
الأعباء بين المستثمر والخزينة جزء من إعداد المشروع وليس تفصيلاً منفصلاً عنه
القول بأن هناك مطالب للأجهزة الأمنية ظهرت فجأة، يثير أسئلة إضافية: هل شاركت هذه الجهات في تحديد متطلبات المطار قبل إعداد دفتر الشروط؟ وهل أُخذت ملاحظاتها ومطالبها في الاعتبار قبل إجراء المزايدة؟ وإذا كانت الطلبات قد قُدّمت فعلاً بعد التلزيم، فما الذي استدعى ظهورها في هذه المرحلة تحديداً؟ والتمييز الذي تقدّمه الوزارة بين متطلبات «الحد الأدنى التشغيلي» والأشغال الاستكمالية يستدعي بدوره توضيحاً. فما المقصود بهذا الحدّ الأدنى؟ وما الأعمال التي تسمح ببدء التشغيل، وتلك التي يمكن تأجيلها؟ هل هناك مطار في العالم يعمل بالحدّ الأدنى؟ هل هو خطّ وهمي؟ هل كانت لائحة التجهيزات الاستكمالية وكلفتها المحتملة معروفة عند طرح المزايدة؟ القول إن المطار قابل للتشغيل من دون هذه الأعمال لا يجيب وحده عن سبب عدم احتسابها ضمن الكلفة الإجمالية للمشروع.
أمّا تأكيد الوزارة بأن الأعمال الإضافية ليست من مسؤولية المستثمر، فلا يحسم النقاش. فهذه المسؤوليات لا تتحدّد ببيان يصدر بعد التلزيم، بل في دفتر الشروط والعقد المُوقّع. والسؤال لا يجب أن يكون: «لماذا لا يدفع المستثمر اليوم كلفة أعمال غير واردة في عقده» كما تزعم وزارة الأشغال، بل جوهر المسألة: «لماذا لم تدرس إمكانية إدراج هذه التجهيزات والأعمال ضمن موجبات المستثمر قبل التلزيم؟ أو لماذا لم تحدّد كلفتها مُسبقاً ضمن مساهمة الدولة؟». فاختيار توزيع الأعباء بين المستثمر والخزينة جزء من إعداد المشروع، وليس تفصيلاً منفصلاً عنه.
كذلك، فإن إعلان الوزارة أن المناقصة الجديدة ستُجرى وفق قانون الشراء العام لا يجيب عن الإشكالية التي أثارها الخبر. ويجدر التذكير بأن إجراء مناقصة عمومية ليس إنجازاً يُحسب للوزارة، ولا منّةً من أحد، بل هو الحدّ الأدنى من الالتزام بالقانون وبمبادئ الشفافية والمنافسة في إنفاق المال العام. وبالتالي، فإن التشديد على هذه النقطة لا يبرّر عودة الدولة إلى تخصيص ستة ملايين دولار إضافية لأشغال وتجهيزات لم تُحتسب ضمن التصوّر الأصلي للمشروع. فالسؤال ليس عن آلية تلزيم هذه الأشغال، بل عن أسباب ظهور كلفتها بعد تلزيم استثمار المطار، وما الذي استجدّ فعلياً ليستدعي إنفاق هذا المبلغ من المال العام.
إذاً، المسألة تكمن في هذا التراخي في التعامل مع مسألة بهذه الأهمية. وأهميتها واضحة من خلال الاحتفالات الحكومية بتلزيم المطار والوعود بتشغيله، لكنها عادت بعد 5 أشهر إلى طلب تخصيص ستة ملايين دولار لأشغال إضافية. إذا كانت هذه الكلفة ناتجة فعلاً من متطلبات مُستجدّة، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف ومتى استجدّت، ولماذا لم تكن جزءاً من التصوّر الأصلي للمشروع. فمن يخرج في كل مناسبة ليتغنّى بإنجاز مشروع المطار، يُفترض أن يكون قادراً أيضاً على إثبات أن هذا المشروع أُعدّ وفق دراسات متكاملة ومعايير واضحة، وأن كلفته والتزامات أطرافه دُرست قبل التلزيم. لكن يبدو أنّ الوزارة فضّلت توضيح ما هو واضح، بدلاً من الإجابة عن السؤال الجوهري: هل كان التلزيم اعتباطياً؟
الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




