ثمة إعادة تموضع تجري بهدوء في العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، يمكن وصفها بـ«تقاطع الضرورة» حول هدف مشترك: منع تحويل رئاسة الجمهورية إلى مركز القرار الوحيد. وهذا المشترك بين الرجلين لا يعني تطابقاً في الخيارات ولا تحالفاً سياسياً، بقدر ما يعكس اعتراضاً، بدرجات متفاوتة، على محاولة رئيس الجمهورية جوزيف عون توسيع هامش حركته في الملفات الكبرى، من دون أن يبقى مقيّداً بالصيغة التي حكمت النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف، في لحظة يجري فيها رسم ملامح العلاقة المستقبلية للبنان مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتحديد موقعه في الصراع الإقليمي. وهو تقارب يبدو أن بري يريد منه حصانة سياسية توفرها له السعودية، الراعية لسلام، فيما يريد الأخير ألّا يبقى خارج دائرة القرار. فبإمكان تقاطع الرجلين، داخل البرلمان والحكومة، أن يتيح لهما تأدية دور مختلف في مواجهة اندفاعة عون.
وإذا كان رهان عون يقوم على أن الخسارة التي مني بها حزب الله في الحرب، وتراجع النفوذ السياسي الشيعي، والفراغ في القيادة السنّية، توفر فرصة لإعادة تثبيت مركزية الرئاسة المارونية، فإن مغامرته في الوقت الضائع قد تدفع، في المقابل، إلى إعادة تشكيل اصطفاف إسلامي أوسع في مواجهته.
وفي المقابل فإن عون، الذي يرى في التحولات الإقليمية والدولية نافذة لإعادة بناء موقع مسيحي أكثر قوة، وتلتقي معه في ذلك قوى مسيحية، لم يُظهر بعد عامين تقريباً على انتخابه، مؤشرات على تمكّنه من حصد كتلة شعبية تضعه في موقع منافس لسمير جعجع في سباق رفع سقف الخطاب حول «السيادة» والهوية السياسية للمسيحيين. وعليه، وفيما يرفع عون سقف خطابه لحصد التأييد المسيحي في معركة لم تُحسم، يخسر في المقابل شركاء على المستوى الوطني.
عون وسلام: خلاف الصلاحيات
ومنذ انتخابه، يتجاوز عون حدود صلاحياته ويمسّ بصلاحيات رئاسة الحكومة، حتى بدا سلام في أكثر من ملف أمام أمر واقع تصنعه بعبدا، وتُطلب من السرايا مواكبته. فقد تدخل عون في بعض التعيينات الإدارية والأمنية ذات الطابع السنّي، وعيّن حاكماً لمصرف لبنان من دون موافقة رئيس الحكومة، وهو أمر لا سابقة له، وقاد وحده ملف ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص، ودفع لبنان باتجاه توقيع الاتفاقية التي جعلته أقرب الى الحلف الإسرائيلي – اليوناني – الإماراتي في مواجهة المحور الذي تقوده تركيا في صراع النفوذ والطاقة في شرق المتوسط. وغطّى سلام آنذاك عدم إحالة اتفاقية الترسيم إلى مجلس النواب لإبرامها، تجنباً لاحتمال رفضها، وما قد يعنيه ذلك من إحراج لعون وإفشال للاتفاق.
سلوك عون يطرح سؤالاً حول الشريك المسلم لرئيس الجمهورية في مشروعه السياسي
في تلك المرحلة، لم يكن سلام يلتفت، على ما يبدو، إلى أبعاد هذا التداخل في الصلاحيات. لكن مع الوقت، اتسعت الملفات التي يتولاها عون منفرداً لتشمل السياسة الخارجية برمّتها والمفاوضات ضمناً. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن «سلام سمع من الإعلام عن عمليات بحث عن رفات لبنانيين يهود تجريها جهات رسمية لبنانية، وعن تسليم رفات يهود إلى إسرائيل في أعقاب جلسة التفاوض الأخيرة».
وبالتوازي، رعى عون مؤتمرين اقتصاديين في غياب رئيس الحكومة. وبينما كان سلام في واشنطن لتقديم صورة عن حكومة متمسكة بالمسار الإصلاحي، طعن عون في قانون الإصلاح المالي وتنظيم المصارف، بعد ساعات من لقاء سلام مسؤولين في صندوق النقد الدولي، في خطوة اعتُبرت في أوساط سلام ضربة لأحد أبرز إنجازات حكومته ولأحد الشروط الأساسية للاتفاق الذي يسعى إليه مع الصندوق.
بري يفتح الباب لسلام
ظهر المؤشر الأوضح إلى إعادة ترتيب العلاقة بين سلام وبري عندما جُددت الثقة بالحكومة بـ68 صوتاً، كانت محسومة قبل انعقاد الجلسة، من بينها أصوات كتلة «التنمية والتحرير». والأهم أن بري حوّل الجلسة من مساءلة للحكومة إلى مناقشة لها، في رسالة مفادها أن رئيس المجلس يستطيع، متى قرر، أن يحوّل البرلمان من أداة ضغط على الحكومة إلى مظلة لاستمرارها.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في ضوء معلومات عن «نقاش أجراه حزب الله مع بري حول حجب الثقة عن الحكومة أو الانسحاب منها». وبحسب المعطيات، كان موقف بري أنه «ملتزم مع السعوديين ومع سلام الحفاظ على الحكومة». عندها قال الحزب إنه «غير معني بمنح الحكومة الثقة، لكنه لن ينسحب منها إذا كان ذلك لن يؤدي إلى إسقاطها».
ثم ظهر سلام في زيارة إلى مدينة النبطية، رافقه فيها ثمانية وزراء، نصفهم من الطائفة الشيعية، بينهم وزراء حركة أمل ووزير من حزب الله، إضافة إلى أربعة نواب من «أمل». وإلى جانب الجولات على مراكز الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية، شكّلت زيارة إمام المدينة، الشيخ عبد الحسين صادق، محطة لافتة. فقد سمع سلام كلاماً واضحاً حول عدم اقتران وعود الحكومة لأهالي النبطية والجنوب بالأفعال، ورسالة مفادها أن عدم قدرة الدولة على تحرير الأرض قد يجدد المواجهة. واللافت أن سلام، المعروف عنه عدم تقبّل النقد، استمع إلى الكلام برحابة صدر.
وقبل الزيارة، أعلن سلام موقفاً رافضاً لما يُشاع عن نقل قصر عدل النبطية إلى الدامور و«المالية» في النبطية إلى صيدا تحت ذرائع أمنية، متمسكاً بإبقاء المؤسستين في المدينة.
وتُوّج هذا المسار بإطلالة رئيس الحكومة عبر قناة NBN، قال فيها إنه لو كان هو من صاغ اتفاق الإطار، لصاغ أموراً كثيرة بصورة مختلفة وأكثر وضوحاً، مستشهداً بمسألة اشتراط الانسحاب الإسرائيلي الكامل. ولفت إلى أن ما ينقص الاتفاق هو جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي. وربما كانت هذه المرة الأولى التي يبدي فيها سلام ملاحظات على الاتفاق الذي طالما دافع عنه.
بري وعون: برودة ما بعد «اتفاق الإطار»
في المقابل، حرص بري على زيارة بعبدا والإيحاء بأن العلاقة بين عين التينة والقصر مستقرة، وصولاً إلى تغطية قرارات حصر سلاح المقاومة في الثاني من آذار. لكن العلاقة بين الطرفين بدأت تبرد، تحديداً بعد توقيع اتفاق الإطار، وتصريح بري بأنه علم به، مثل بقية اللبنانيين، عبر الإعلام، وأنه بعيد عن إدارة المفاوضات وتوجيهها. وسبق ذلك حديث عن أن عون نكث بوعد قطعه لبري بألّا يذهب إلى التفاوض من دون المكوّن الشيعي.
والتزام بري مع السعوديين بالحفاظ على الحكومة حصل باكراً خلال الحرب الأخيرة على لبنان، وتمظهر بمنع أكثر من تحرك احتجاجي أمام السراي تحت عنوان رفض المفاوضات.
وقد يُقرأ هذا السلوك من زاوية حاجة بري إلى شبكة أمان سياسية وشخصية، بعدما وصلت العقوبات الأميركية إلى دائرته القريبة، وفي مرحلة يتولى فيها تمثيل بيئة شيعية تتعرض لتدمير واسع في بنيتها التحتية واقتصادها ومجتمعها، على نحو لم يشهد لبنان مثيلاً له منذ قيام لبنان الكبير.
والغطاء السعودي يتيح لبري هامشاً أوسع في الحركة أمام الأميركيين، كما يمنح الطائفة الشيعية شريكاً سنّياً داخل السلطة يمكن عبره تقديم معادلة مختلفة: الشيعة في لبنان ليسوا في مواجهة الدولة، بل اعتراضهم على إقصائهم عن القرار. وفي المقابل، يمكن أن يتحول سلوك عون إلى سؤال سياسي ودستوري أبعد: من هو الشريك المسلم لرئيس الجمهورية في مشروعه السياسي؟
السعودية تغطي تجاوزات عون
تؤكد مصادر مطلعة أن السعودية تؤمّن غطاءً سنّياً لقضم رئيس الجمهورية بعض صلاحيات رئيس الحكومة، ويتمظهر ذلك بغياب تام لأي انتقاد لعون من قبل خطباء الجمعة، أو تصريحات النواب السنّة. وتضيف أن السعوديين أبلغوا عون أنهم يغضّون الطرف عن تجاوزه بعض الأصول الدستورية، وموقع رئاسة الحكومة، مقابل عدم طرح أي تغيير حكومي، ورفضهم أي محاولة منه لاستبدال نواف سلام بالرئيس نجيب ميقاتي. وبحسب مطلعين، تتصل المسألة بموقع رئاسة الحكومة نفسه، إذ لا تريد الرياض أن يتحول اختيار رئيس الحكومة إلى صلاحية فعلية لرئيس الجمهورية.
في المقابل، وكما هي حال القيادات التي تطوعت لتولي دور الزعامة في الشارع السنّي، فإن سلام لم ينجح في تقديم نفسه كحال شعبية. حيث لا يزال سعد الحريري الزعيم السنّي الأول، يليه الرئيس السوري أحمد الشرع في مستوى الحضور والتأثير لدى شريحة واسعة من السنّة اللبنانيين. وهذا الفراغ، بالتوازي مع تراجع الدور السياسي الشيعي، يعتقد عون وقيادات مسيحية أنه يتيح هامشاً أوسع لإعادة النظر في التوازنات التي نشأت بعد عام 1990.
ويبدو أن عون يراهن على استعادة تجربة كميل شمعون عام 1958 وبشير الجميل خلال الحرب الأهلية، حين رأت قيادات مسيحية في التحولات الإقليمية والدولية فرصة لإعادة قلب موازين القوى الداخلية. والفارق اليوم أن الرهان لا يقوم فقط على تبدلات إقليمية، بل أيضاً على تقاطع مع توجهات أميركية ترى في إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية جزءاً من التحولات الأوسع في المنطقة. ويدخل على هذا الخط ما يُطرح عن تمثيل عون لجزء من التصور الأميركي للبنان، إلى جانب المجموعة الناشطة في الولايات المتحدة الأميركية، مع مسؤولين داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب. وفي مقدمهم المصرفي الصهيوني أنطون الصحناوي، المرتبط بشبكات سياسية واقتصادية وإعلامية ذات صلة بالمشهد اللبناني ولديه رجاله في قصر بعبدا، خصوصاً أن الصحناوي يرى نفسه جزءاً من تيار «المسيحية الصهيونية» الأميركية النافذة داخل إدارة ترامب، والتي ترى أن سقوط نفوذ إيران وحلفائها، والتحالف مع واشنطن وتل أبيب وحلفائهما الإقليميين يمكن أن يكون جزءاً من عملية السيطرة على مساحة أكبر من القرار. ولهذا لا تبدو العلاقة مع السعودية والإمارات تناقضاً في نظر أصحاب هذا الاتجاه. الدولتان مسلمتان، لكن التحالف معهما يُقرأ بوصفه تحالف ضرورة، طالما أنه في مواجهة إيران وحزب الله.
ندى أيوب ـ جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




![انتخابات «إسرائيل الجديدة» [5/8]: وحده «كُره» نتنياهو ما يوحّد المعارضين](https://sadadahie.com/wp-content/uploads/2026/10/IMG-20261009-WA0000-560x340.jpg)