ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة
بعد الجدل الذي أثاره قرار يمنع دخول العريس إلى حفلات النساء في صالات مدينة دوما، ويُعرِّض كل من يخالف هذا القرار نفسه للمساءلة القانونية واتخاذ الإجراءات النظامية بحقه، تواصل سوريا إثارة الجدل حول المساواة بين الجنسين مع صدور مفاضلة التقدم للجامعات والمعاهد السورية لعام 2026، بتحديد بعض الاختصاصات فيها للذكور فقط.
يفرض بعض الكليات والمعاهد السورية في النظام الجديد قيوداً على القبول بحسب الجنس، إذ خُصصت بعض الاختصاصات للإناث فقط، ولا سيما رياض الأطفال والتمريض والقبالة، إضافة إلى بعض برامج الأمن السيبراني، في حين اقتصر القبول في اختصاصات أخرى على الذكور، من بينها بعض المعاهد المهنية والتقنية في مجالات النفط والغاز والسكك الحديدية والإعلام، إلى جانب عدد من الكليات والمعاهد التابعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية. كما شملت القيود بعض اختصاصات العلوم الإنسانية والإدارية، مثل العلوم القانونية والعلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال والاقتصاد في دمشق، بما يجعل الجنس أحد معايير تحديد فرص الالتحاق بعدد من الاختصاصات الجامعية والتقنية.
ولا تبدو القيود على القبول بحسب الجنس معمّمة على الاختصاصات في أنحاء سوريا، بل ترتبط في بعض الحالات بفروع أو مؤسسات تعليمية محددة في محافظات ومدن بعينها، ما يجعلها قيوداً جغرافية إلى جانب كونها قائمة على الجنس.
قيود قديمة… بشروط جديدة
في دفاع بعض الأشخاص عن مفاضلة العام الجديد، تم التذكير بأنّ بعض الكليات والمعاهد خُصِّصت للذكور فقط منذ إنشائها بناء على طبيعة الاختصاص كمعهد النفط والغاز في دير الزور، وهو أمر معمول به منذ النظام السابق. علماً أن بعض المعاهد يتبع للوزارات التي تتعلق باختصاصها مباشرة وليس لوزارة التعليم العالي، وتكون المفاضلات بناء على حاجتها والقواعد الشاغرة فيها. أما الاعتراضات، فتركزت هذه المرة على أهمية الإفادة من إعادة بناء نظام القبول في الجامعات والمعاهد السورية على شروط واضحة مع تقديم الأسباب، بدلاً من تحديد بعض الاختصاصات للذكور أو الإناث فقط من دون تقديم أي سبب للمنع، مما يحول هذه الشروط إلى قيود وحرمان للبعض من متابعة تعليمهم على أساس الجنس فقط.
ممنوع على النساء
ومع ذلك، لم يتوقف حصر عدد من الاختصاصات بالذكور فقط وتحرم النساء من حقها بالتقدم للمفاضلة واختيار الفرع الجامعي حسب رغبتهن على الاختصاصات السابقة، لكنه تجاوزها إلى كلية العلوم الإدارية والإنسانية للمرة الأولى، وتشمل: علوم اجتماعية، وعلوم قانونية، وكلية العلوم الأمنية، والمعهد التقاني للعلوم الأمنية، والكلية الحربية البرية، والكلية الحربية البحرية والجوية، والمعهد التقاني للإعلام (قسم الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في إدلب).
اللافت أن بعض الفروع العسكرية جاء المنع فيه بعد أسابيع قليلة من إعلان وزارة الداخلية السورية عن تخريج دفعة من النساء من معهد الشرطة النسائية في ريف دمشق (مدينة التل)، البالغ عددهن نحو 150 شرطية بحضور وزير الداخلية أنس خطاب، فيما المنع في المعهد التقاني للإعلام (قسم الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في إدلب) جاء بعد ظهور امرأة منقبة على المنصة الرسمية لجريدة «الثورة» السورية كمقدمة محتوى عبر حسابها على فايسبوك، فيما المفاضلة تمنع النساء من أن يكنّ حتى خلف الكاميرا.
أثارت القيود المفروضة على تسجيل النساء في بعض الاختصاصات المرتبطة بالعلوم الاجتماعية والقانونية مخاوف من أن تتحول هذه القرارات إلى «استراتيجية لتكريس التمييز والتنميط على أساس الجنس، إذ يصبح سياسة عامة تتبناها الوزارات والمؤسسات الحكومية». وتكتسب هذه المخاوف دلالتها في ضوء الجدل الذي سبق أن أثير حول حضور النساء في السلكين القانوني والقضائي، بالتزامن مع تصدّر خريجي الشريعة للمشهد القانوني في البلاد. واستعاد بعض المعلقين، في هذا السياق، تصريح عبيدة أرناؤوط، المتحدث باسم حكومة تسيير الأعمال السابقة، في كانون الأول (ديسمبر) 2024، الذي قال إن «طبيعة المرأة البيولوجية والنفسية لا تتناسب مع بعض المناصب»، معتبرين أن القيود الحالية قد تعكس توجهاً أوسع داخل النظام الجديد.
ويعيد ذلك إلى الأذهان شهادة غادة مراد، أول قاضية في سوريا، التي عُيّنت عام 1975 بمرسوم رئاسي. مع أن قانون السلطة القضائية الصادر عام 1961 لم ينصّ صراحة على اشتراط الذكورة لتولي القضاء، كانت مسابقات التعيين تُخصّص عملياً للذكور. وتروي مراد أن ترشيحها جاء في إطار توجه رسمي لتعيين أول امرأة في القضاء، قبل أن يعترض رجال دين وشخصيات رافضة لتولي المرأة القضاء، معتبرين ذلك مخالفاً للإسلام، وحاولوا إقناع الرئيس آنذاك بإلغاء القرار. وتقول إن أحد القضاة الشرعيين أبلغها لاحقاً أن اعتراضهم لم يكن عليها شخصياً، وإنما على مبدأ تولي المرأة منصب القضاء، قبل أن يصدر المرسوم وتُعيّن وكيلة للنيابة.
الجامعية لعام 2026 دلالة مختلفة؛ حيث يعيد هذا التقسيم إنتاج أدوار نمطية على أساس الجنس، ويقلب مساراً تاريخياً انتقلت فيه مشاركة النساء من الاستثناء إلى الممارسة الطبيعية. ومن هنا، لا تبدو المسألة مجرد تنظيم للقبول الجامعي، بل تتصل مباشرة بتكافؤ الفرص وحق الطالبات في اختيار الاختصاص وفق الكفاءة لا الجنس. وكان الروائي واسيني الأعرج قد حذّر، في مقابلة مع «الجزيرة» العام الماضي، من أن تتحول سوريا الجديدة إلى نظام «يعيش داخل دائرة ضيقة»، داعياً الإدارة الجديدة إلى توسيعها ومراعاة تعدد المجتمع السوري. وقال: «نحن اليوم أمام نظام جديد يجب أن يخرج من الدائرة الضيقة، وهي ضيقة فعلاً، ويتسع… فإذا كانت تريد بناء مجتمع على أسس منطقية، يجب الأخذ بكل تلك التعددية». ويكتسب هذا التحذير راهنيته اليوم في ضوء القرارات التي تقصر بعض الاختصاصات الجامعية على الذكور، بما يفتح سؤالاً أوسع حول حدود التعددية والمساواة في التعليم في سوريا الجديدة.
مروة الجردي_ الأخبار
تابعنا عبر Google
اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




