في 14 أيار (مايو) 1948، أعلن دايفيد بن غوريون قيام «دولة إسرائيل». وبينما لم تمضِ المئوية الأولى لهذا التاريخ، تُروّج «وزارة السياحة» الإسرائيلية لكيانها في وسائل الإعلام الغربية تحت عنوان أنّها «دولة» تختزل التاريخ وتجمع بين التقاليد «العريقة» و«التنوع المجتمعي».
الاحتلال المُتّهم بجرائم حرب ترتقي إلى مستوى الإبادة، لاقى ردّ فعل عكسي طال الشبكات الإعلامية على الإعلان الترويجي، لا سيّما في الولايات المتحدة. لكنّ المطالبات الفردية والجماعية بحذف الحملة الدعائية عن صفحات وسائل الإعلام، أتى من خلفيّة أخرى، إذ بنت الماكينة الإسرائيلية إعلانها ارتكازاً إلى خريطة الأراضي المُحتلة في فلسطين وسوريا. وشملت خريطة «إسرائيل»، وفق «وزارة السياحة» الإسرائيلية، قطاع غزة
والضفة الغربية بشكل كامل، كما ضمّت الجولان السوري المُحتل، داعية السيّاح لزيارة مواقع تاريخية وطبيعية في هذه المناطق.
هل قلت الدليل السياحي؟
في 16 أيلول (سبتمبر) الفائت، نشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» إعلانات إسرائيلية مدفوعة تحت عنوان «الدليل السياحي في إسرائيل». وعند الدخول إلى الرابط، يُقدّم موقع الصحيفة الأميركية خريطة تفاعلية تُساعد في إعطاء خيارات سياحية في مجالات الثقافة والفنّ، أو للمغامرات الخارجية في الطبيعة وغيرها.
وضمن محاولة كيّ الوعيّ الجماعي لدى المجتمعات الغربية لتقديم احتلال أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة كأمر واقع، شملت الخريطة الترويجية للكيان كامل فلسطين التاريخية، حتّى الأراضي التي لا تزال عصيّة على الاحتلال. كما تضمّن الجولان السوري المُحتل الذي سبق لواشنطن أن اعتبرته رسمياً جزءاً من الأراضي الإسرائيلية خلال ولاية دونالد ترامب الأولى في عام 2019.
من جانبٍ آخر، تُركّز الخريطة على إظهار «إسرائيل» كـ «جزيرة معزولة» لا تُجاور أحد، إذ تُعرض أراضي الدول المجاورة باللّون الصحراوي الباهت، من دون تضاريس وغابات وأنهار على عكس الأراضي المُحتلة. كما تستعرض الدول المحيطة بلا حدود رسمية في ما بينها، كأنّها غير موجودة، وتُغيّب أسماء سوريا ولبنان والأردن ومصر والسعودية بالكامل. وبينما تحذف الخريطة نهر النيل، أطول أنهر العالم، تحرص الخريطة على تحديد أراضي «إسرائيل»، من البحر إلى النهر، حيث يحدّ حدودها الشرقية بلونٍ أزرق متوهّج، نهر الأردن الممتد من بحيرة طبريا وصولاً إلى النهر الميّت.
سرقة الحضارة
من جهة أخرى، تنصح الصفحة الإلكترونية بزيارة 47 موقعاً سياحياً، تسعة منها تقع ضمن الأراضي المحتلة من بينها خمسة مواقع في مدينة القدس وهي المدينة القديمة، وبرج داوود، ومدينة داوود، وجبل الزيتون، و«الحمّص في المدينة القديمة». واستكملت «إسرائيل» الانقضاض على التراث والمعالم الفلسطينية في الضفة الغربية عبر إضافة محميّة عين فارة الطبيعية، ووادي المربعات المعروف بوادي الدرجة، وقصر اليهود. وأرفق الموقع الترويجي بإعلان خاصّ تعريفي لمحميّة عين فارّة بوصفها رمزاً لالتزام الكيان بالحفاظ على البيئة، علماً أنّ تقريراً حديثاً لمنظّمة «هيومن رايتس واتش» أشار إلى استمرار استخدام قذائف الفوسفور الأبيض للعام الثالث على التوالي لحرق مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان.
تستمرّ «إسرائيل» في سياسة قضم الأراضي الفلسطينية والعربية منذ عقود، وتحتلّ حالياً عشرات القرى في جنوب لبنان التي قد تعلن تل أبيب عن ضمّها إلى خريطتها. «إسرائيل الكبرى» لم تعد مجرّد أحلام يتناقلها المجتمع الصهيوني في ما بينه، بل استحالت عنوان مرحلة مُعلنة من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وبعد عمليات القتل والتهجير والإبادة، وما يلحقها من احتلال أراضٍ، تواصل «إسرائيل» انقضاضها على حضارة سكان المنطقة المتراكمة على مدى قرون.
علي سرور-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




